اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي حيدر: غدًا سننطلق لتطبيق قانون نظام التقاعد والحماية الاجتماعية

خاص العهد

حين تتحول الشاشات إلى خرائط للعدو.. الأنفاق التي غيّرت موازين الحروب
🎧 إستمع للمقال
خاص العهد

حين تتحول الشاشات إلى خرائط للعدو.. الأنفاق التي غيّرت موازين الحروب

الأنفاق.. الساحة الرابعة للحروب التي غيّرت موازين المعارك عبر التاريخ
74

 لم يعد مستغربًا أن يكثر الحديث في الآونة الأخيرة، داخل بعض أوساط الإعلام اللبناني، ولا سيما القنوات والمواقع الناطقة بلسان العدو، عن ملف أنفاق حزب الله. فهذه المنابر التي اعتادت أن تنضح جهلًا وحقدًا، وأن تبثّ سمومها في مواجهة المقاومة وبيئتها، لم تغيّر نهجها، بل مضت في أداء الدور ذاته الذي عُرفت به. وليس غريبًا أن يصدر ذلك عن قنوات أو مواقع فتحت هواءها نصرةً للعدو، مقابل حفنة من الدولارات الخليجية أو الأميركية، في مشهد لا يدل إلا على مقدار الانحدار الذي بلغته، حتى باتت قيمتها، لو عُرضت في سوق النخاسة، تعكس سعرها الحقيقي الهابط.

وآخر ما تتبجح به تلك القنوات هو الحديث عن أنفاق حزب الله، تلك الأنفاق التي شكّلت، على امتداد عقود من الزمن، أحد أبرز عوامل القوة في مواجهة العدو "الإسرائيلي". وهي حقيقة لم تكن يومًا موضع خلاف لدى العدو نفسه الذي أكدها مرارًا وتكرارًا، ويعمل اليوم على "القضاء عليها". وفي هذا السياق، يأتي التواطؤ، من السلطة اللبنانية التي تسانده في هذا المسعى، كما تسهم بعض قنوات الإعلام المأجور والرخيص في تقديم خدمة مباشرة لأهدافه، عبر الخوض في شروحات مفصلة عن تلك الأنفاق، وتحديد مواقعها، بما يجعل المادة الإعلامية أداة تخدم غايات العدو أكثر مما تخدم أي مصلحة وطنية.

أما على صعيد الرأي العام الداخلي، فإن تلك القنوات لا تكتفي بهذا الدور، بل تمضي إلى التقليل من أهمية هذه الأنفاق والتبخيس من قيمتها، متجاهلة ما مثلته الأنفاق، عبر التاريخ العسكري، من عنصر قوة وحسم في الحروب التي خاضتها أعظم الدول، ولا سيما خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، وصولًا إلى العدوان الأميركي "الإسرائيلي" على لبنان وفلسطين، وتحديدًا في غزّة، حيث برزت الأنفاق مرة أخرى بوصفها أحد أبرز عناصر الصمود والفاعلية في الميدان.

وفي هذا السياق، يتحدث الخبير في الشؤون العسكرية العميد المتقاعد علي أبي رعد، في حديث لموقع "العهد" الإخباري، موضحًا أن الجيوش التقليدية، أي الجيوش الرسمية والدولية، كانت تقسم ميادين الحرب إلى ثلاثة أنماط رئيسية: البر والبحر والجو. إلا أن تطور العلوم العسكرية والحروب الحديثة أوجد بعدًا رابعًا للقتال، يتمثل في الأنفاق، أو ما يمكن وصفه بـ"الساحة الرابعة المغمورة"، أو الساحة غير الظاهرة التي تتحول إلى جحيم بالنسبة للقوات المهاجمة، ولا سيما الجيوش التقليدية، لأنها تمنح أفضلية كبيرة للقوات المدافعة، سواء كانت جيوشًا ضعيفة الإمكانات أو قوات غير نظامية، كحركات المقاومة.

ويؤكد أبي رعد أن الأنفاق لم تكن يومًا ظاهرة مستحدثة ارتبطت بحزب الله أو بالمقاومة في غزّة، بل إنها قديمة قدم التاريخ، وإن كانت قد بلغت ذروة تطورها في التجربتين اللبنانية والفلسطينية. فقد استُخدمت في بداياتها كسلاح محدود، وغالبًا ما كانت وسيلة لاقتحام المواقع المحصنة، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى عنصر أساس في التخطيط العسكري، وهو ما عرفته جيوش وحضارات قديمة في أماكن متعددة من العالم.

ويشير إلى أن الاستخدام الهندسي المنظم للأنفاق بدأ يأخذ شكله الحديث مع المهندس البريطاني مارك برونيل الذي ابتكر عام 1825 أول درع للحفر واستخدمه في إنشاء نفق التايمز في لندن. ثم جاء المهندس جيمس هنري غريت هيد الذي طور هذه التقنية عام 1880 عبر تصميم الدرع الدائري، واعتماد تقنية الهواء المضغوط لمنع الفيضانات، وهو ما شكل الأساس لتقنيات الحفر الحديثة المستخدمة اليوم.

كذلك، شهدت جبال الألب نقلة نوعية في تقنيات حفر الأنفاق، حيث طُورت آلات متخصصة أتاحت إنشاء شبكات واسعة داخل الجبال، وهو ما استفاد منه الجيش السويسري لاحقًا، إذ أقام قواعد عسكرية محصنة، ومخازن للذخيرة، ومدارج للطائرات، وغرفًا محمية من الأسلحة النووية داخل الجبال.

ويلفت أبي رعد إلى أن الأنفاق دخلت ميدان الحروب بصورة أكثر وضوحًا مع بدايات القرن العشرين، حين حاصرت اليابان مدينة بورت آرثر في منشوريا عام 1904، وكانت آنذاك تحت السيطرة الروسية وتعد من أكثر المواقع تحصينًا في العالم. وقد حفرت القوات اليابانية شبكة أنفاق واسعة أسفل التحصينات، وزرعت فيها الألغام، ما مكنها من اختراق الدفاعات الروسية وإجبارها على الاستسلام.

وخلال الحرب العالمية الأولى، توسع استخدام الأنفاق لزرع المتفجرات تحت خطوط الخنادق وتفجيرها، بينما تعاظم دورها الدفاعي في الحرب العالمية الثانية، حيث طورت مجموعات أوكرانية شبكة أنفاق عرفت باسم "سراديب الموتى"، تراوح عمقها بين عشرين وثلاثين مترًا تحت الأرض، لمواجهة التقدم الألماني. ورغم لجوء القوات الألمانية إلى استخدام الغازات لمحاولة القضاء على المدافعين، فإنها لم تتمكن من كسر مقاومتهم.

وفي اليابان أيضًا، وتحديدًا في معركة إيوجيما خلال الحرب العالمية الثانية، واجهت القوات الأميركية واحدة من أكثر معاركها كلفة، بعدما اصطدمت بشبكة الأنفاق والتحصينات اليابانية، واستمرت المعركة نحو ستة وثلاثين يومًا، وتكبد الأميركيون خلالها خسائر بشرية كبيرة، ما أكد مجددًا أن القتال تحت الأرض قادر على قلب موازين القوة التقليدية.

ويرى أبي رعد أن الذروة الحقيقية لحرب الأنفاق تجلت في فيتنام، عبر شبكة أنفاق كوتشي في ضواحي سايغون التي امتدت لنحو 250 كيلومترًا تحت الأرض، وضمت مستشفيات ومطابخ ومستودعات أسلحة وغرف قيادة وسيطرة وعمليات. وقد أنشأتها الجبهة الوطنية لتحرير جنوب فيتنام، وأسهمت في حماية المقاتلين من القصف الأميركي، ومكنتهم من تنفيذ هجمات مباغتة والعودة سريعًا إلى مواقعهم، ما وفر البيئة المثالية لحرب العصابات.

ويشير إلى أن القوات الأميركية أقامت عام 1966 قاعدة تضم أكثر من 4500 جندي فوق أجزاء من تلك الأنفاق، دون أن تعلم بوجودها، فيما كان المقاتلون الفيتناميون ينفذون عمليات ليلية ثم ينسحبون عبر الشبكة نفسها. وحتى بعد اكتشافها، لم تتمكن عمليات إزالة الغابات أو إحراقها من تدمير الأنفاق، بسبب دقة تصميمها وتعدد وظائفها، إذ ضمت أنفاقًا هجومية وأخرى للاتصالات، وتفاوتت أطوالها بين عشرات الأمتار وأكثر من ألفي متر.

ويستعيد أبي رعد أيضًا معركة ميسينز في بلجيكا عام 1917، حين حفر الجيش البريطاني واحدًا وعشرين نفقًا تحت مواقع الجيش الألماني، وزرع فيها ما بين 450 و500 طن من المتفجرات، أدى تفجيرها إلى واحدة من أكبر الهزات الأرضية غير النووية في التاريخ، وأسهم في تدمير الدفاعات الألمانية بصورة شبه كاملة.

ويلفت أيضًا إلى حرب القرم عام 1854، حيث شهدت مدينة سيفاستوبول حرب أنفاق وألغام مضادة بين المهندسين الروس والفرنسيين، إذ كان كل طرف يحفر أنفاقًا بهدف تدمير أنفاق الطرف الآخر أو تعطيلها ومنعه من مواصلة أعمال الحفر.

أما في غزّة، فيعتبر أبي رعد أن التجربة مثلت أحد أكثر نماذج الأنفاق تطورًا في العصر الحديث، إذ فاقت الشبكة في حجمها وعمقها وطولها كل التقديرات "الإسرائيلية"، وصممت بطريقة تجعلها محصنة إلى حد كبير من تأثير الضربات الجوية. كذلك، اعتمدت على الأفخاخ والكمائن، وأطلق عليها الاحتلال اسم "مترو حماس"، بعدما تبين أن طولها يقارب 750 كيلومترًا، وبأعماق تراوح بين ثلاثين ومئة متر، حتى بات يقال إن هناك "غزّة تحت غزّة".

ويضيف أن التطور الهندسي جعل هذه الأنفاق مجهزة للإقامة الطويلة، وصممت بمسارات متعرجة لاعتبارين أساسيين: الأول، تضليل الاستخبارات العسكرية "الإسرائيلية" ومنعها من استنتاج الاتجاه الحقيقي للشبكة؛ والثاني، الحد من تأثير موجات الضغط الناتجة عن القنابل والصواريخ الثقيلة، بما يزيد قدرتها على الصمود.

ويشير أبي رعد إلى أن لبنان يمتلك بدوره أنفاقًا كبيرة، من بينها ما يعرف بـ"عماد 4"، والتي تتمتع بقدرة على استضافة أعداد كبيرة من المجاهدين، وتضم غرفًا لتصنيع الأسلحة، ومنظومات لإطلاق الصواريخ، إضافة إلى آليات ومرافق عسكرية مختلفة.

الأنفاق.. السلاح الخفي الذي أعاد رسم موازين القوة في مواجهة الاحتلال

 ويتابع الخبير في الشؤون العسكرية العميد المتقاعد علي أبي رعد حديثه بالإضاءة على الخصائص العسكرية والإستراتيجية التي جعلت الأنفاق أحد أبرز عناصر القوة في حروب العصر الحديث، ولا سيما في المواجهات غير المتكافئة بين الجيوش النظامية وقوى المقاومة.

ويؤكد أن أولى هذه الخصائص تتمثل في توفير الأنفاق ملاذًا آمنًا للمجاهدين، بما يحميهم من القصف المدفعي والغارات الجوية "الإسرائيلية"، خصوصًا في ظل مواجهة المقاومة الإسلامية في لبنان جيشًا نظاميًا يمتلك أحدث التقنيات العسكرية وأوسع القدرات القتالية. كما تتيح تنفيذ عمليات التسلل إلى مواقع العدو والانسحاب منها بسرعة بعد تنفيذ الهجمات، بما يمنح عنصر المفاجأة ويصعّب على القوات المعادية توقع مسار العمليات أو التعامل معها.

ويضيف أن الأنفاق تشكل كذلك وسيلة آمنة لنقل المؤن والأسلحة والذخائر، وربط المواقع القيادية بالمواقع الميدانية بعيدًا عن أعين الاستطلاع والرصد، فضلًا عن كونها الأداة الأساسية في الحروب التي تجمع بين قوتين غير متكافئتين، إذ تمنح المقاومة القدرة على تجاوز التفوق الذي يمتلكه العدو في الطيران والآليات والأسلحة الثقيلة.

ويرى أبي رعد أن الأهمية الأكبر لهذه الأنفاق تكمن في أنها، على امتداد سنوات طويلة، شكلت عامل استنزاف دائم للعدو "الإسرائيلي"، وأرغمته على خوض معركة مكلفة نفسيًا وعسكريًا وتقنيًا. فعلى الرغم من الإنجازات التي أعلن تحقيقها في مراحل مختلفة، فإنه لم يتمكن من إيجاد وسيلة تقنية فعالة للقضاء على هذه الأنفاق أو تحييدها، رغم لجوئه إلى وسائل متعددة، شملت استخدام الغازات، وضخ المياه، وتقنيات الاستشعار الصوتي، إلا أن جميع هذه المحاولات، لم تحقق النتائج المرجوة أمام عمق الأنفاق وتعقيدها الهندسي.

ويشير إلى أن الجيش "الإسرائيلي" أنشأ بعد عام 2000 وحدة عسكرية متخصصة للتعامل مع الأنفاق، اعتمدت على روبوتات وكلاب إلكترونية مخصصة لكشفها والدخول إليها، غير أن هذه الوسائل، لم تنجح أيضًا في تحقيق أهدافها.

كذلك، استخدم الاحتلال، بحسب أبي رعد، القنابل الأميركية من طراز GBU والقنابل الخارقة للتحصينات القادرة على اختراق نحو ثلاثين مترًا في التربة، إلا أن هذه الأسلحة لم تثبت فعاليتها، لا في غزّة ولا في جنوب لبنان، لأن المقاومة، نجحت في توظيف الجغرافيا اللبنانية بصورة دقيقة، وأقامت شبكات الأنفاق وفق معايير هندسية وتقنية عالية، مع اختيار مواقعها بعناية، الأمر الذي أبقى العدو في حالة بحث دائم عن مواقعها.

ويضيف أن آخر ما قام به الاحتلال في هذا السياق كان تنفيذ تفجير ضخم قيل إنه بلغ نحو سبعمئة طن قرب قلعة الشقيف، بذريعة وجود أنفاق للمقاومة، معتبرًا أن ما يجري يتجاوز استهداف الأنفاق إلى استهداف الجغرافيا اللبنانية نفسها، ومحاولة تغيير معالمها ومحوها ماديًا ومن الذاكرة الفردية والجماعية، وهو هدف يؤكد أنه لن يتحقق مهما بلغت التضحيات.

وفي ختام حديثه، يرد أبي رعد على من يطرح سؤالًا مفاده أن الأموال التي أنفقت على الأنفاق كان يمكن توجيهها إلى الداخل اللبناني، بالقول إن الدولة اللبنانية لم تُطلب منها أموال لبناء هذه الأنفاق، مضيفًا أن المقاومة، سعت في مراحل مختلفة إلى استقدام الأموال للمساهمة في بناء المستشفيات والمدارس والبنى التحتية وتحقيق الازدهار في لبنان، إلا أن رفض بعض القوى اللبنانية لذلك أدى، إلى ما آلت إليه الأوضاع.

ويختم بالتأكيد أن هذه الأنفاق، ستستمر وتتوسع، وأن الاحتلال سيخرج من الأراضي اللبنانية، لأن أبناء الجنوب وأبناء المقاومة، لن يقبلوا ببقائه. ويرى أن المقاومة ستنتصر، وأن اتفاق الإطار سيسقط، وأن كل من يراهن على سلام مع العدو الإسرائيلي واهم ولن يحقق رهانه، مؤكدًا أن الصراع مع الاحتلال طويل، وأن نهايته ستكون بخروجه ذليلًا كما خرج عام 2000، وأن الجنوب وأهله سيبقون، رغم كل محاولات الاحتلال، عصيين على محاولات محوهم ماديًا ومعنويًا.

الكلمات المفتاحية
مشاركة