اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي سلطة بلا قرار.. وصاية أميركية على لبنان

مقالات

تحالف مكة الثلاثي: محور أميركي بديل لاحتواء إيران؟ ولماذا تتحفظ مصر؟
🎧 إستمع للمقال
مقالات

تحالف مكة الثلاثي: محور أميركي بديل لاحتواء إيران؟ ولماذا تتحفظ مصر؟

148

يشكل الاتفاق الدفاعي الذي وقعته المملكة السعودية وتركيا وباكستان في مكة المكرمة في 7 آب/أغسطس 2026 تطورًا بالغ الأهمية في إعادة تشكيل النظام الأمني في "الشرق الأوسط". فالوثيقة التي حملت اسم «اتفاق مكة للدفاع المشترك» تنص بوضوح على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث سيُعامل باعتباره هجومًا عليها جميعًا، فضلًا عن تعزيز مختلف أوجه التعاون الدفاعي بينها.

يأتي هذا في الوقت الذي فشلت فيه الولايات المتحدة في ضرب إيران، في ظل عجز التحالف "الإسرائيلي" الإماراتي عن تقديم منصة إقليمية تساهم في حصار الجمهورية الإسلامية وتمنعها من الحفاظ على تحالفاتها في المشرق العربي. من هنا فإن التشكيل الدفاعي المنبثق عن قمة مكة جاء كمحاولة أميركية للاعتماد على قوى إقليمية بديلة عن "إسرائيل" والإمارات في احتواء إيران. وما يميز هذا التحالف هو أنه يجمع ثلاث عواصم من السنخية الطائفية ذاتها يمكن أن تشكل مثلثًا يطوق إيران من الغرب والجنوب، في تكرار لمحاولة غربية سابقة في إقامة حلف في المنطقة العربية الإسلامية في الخمسينيات من القرن الماضي تحت مسمى حلف بغداد، لكن هذه المرة عوضًا عن أن يقوم الحلف باحتواء روسيا فإنه يسعى لاحتواء إيران التي أصبحت جزءًا عضويًا من التحالف الأوراسي بقيادة الصين وروسيا.

لكن المفارقة الأساسية تتمثل في أن مصر، وهي إحدى أكبر القوى العسكرية والسياسية في العالم العربي، لم تكن طرفًا في الاتفاق الثلاثي، رغم مشاركتها خلال الأشهر الماضية في اجتماعات رباعية مع السعودية وتركيا وباكستان.

مواجهة إيران

من الناحية الجيوسياسية، يمكن قراءة اتفاق مكة باعتباره نواة لمحور من القوى السنية الكبرى يضم باكستان بصفتها قوة إسلامية نووية والبلد الإسلامي الأكثر تعدادًا للسكان بواقع 260 مليون نسمة، وتركيا بوصفها البلد الإسلامي الأكثر حداثة، عدا عن كونها عضوًا في حلف شمال الأطلسي- "الناتو"، إضافة إلى قدراتها الصناعية والعسكرية، والمملكة  السعودية بوصفها البلد الأكثر ثراءً، عدا عن كونها البلد الذي يحتضن مكة المكرمة التي تعتبر العاصمة الروحية للمسلمين في العالم.

ويأتي الاتفاق في ظل التوتر السعودي الإيراني بنتيجة الأنباء عن موافقة ودعم سعودي للضربات التي تعرضت لها إيران على يد الولايات المتحدة و"إسرائيل"، وتعرض القواعد الأميركية في المملكة إلى الرد الإيراني، عدا عن عدم قدرة الرياض على ضرب أنصار الله في اليمن والذين ردوا على قصف مطار صنعاء بقصف المطارات والمرافق السعودية من دون أن تتمكن الرياض من مواجهة هذه الهجمات. وفي ظل التحضيرات الأميركية للانسحاب من منطقة "الشرق الأوسط"، فلقد وجدت واشنطن أن عليها الاعتماد على قوى إقليمية لضمان استمرارية نفوذها في المنطقة، إضافة إلى تشكيل تحالف ممول ذاتيًا في مواجهة إيران يعفيها من الأعباء المالية.

ويترافق هذا مع الدعوات السابقة لتشكيل "ناتو إسلامي" كان من المفترض أن يضم أيضًا مصر بغية بناء قدرة ردع إقليمية جماعية بما يتوافق مع التوجه الأميركي الجديد الذي يشجع حلفاء واشنطن الإقليميين على تحمل قدر أكبر من أعباء "الدفاع عن أمنهم"، بدلًا من الاعتماد الكامل على القوات الأميركية. وقد ربطت تحليلات حديثة الاتفاق بإعادة توزيع أعباء الأمن الإقليمي وبالتحول نحو حلول إقليمية للمشكلات الإقليمية.

مصر خارج التحالف

كان اللافت في الإعلان عن اتفاق مكة هو غياب مصر، على الرغم من أن القاهرة كانت قد أرسلت وفودًا لحضور الجلسات التحضيرية للإعلان عن التحالف. ويمكن اعتبار أن القاهرة، وعلى الرغم من اختلافاتها العميقة مع طهران في ملفات عديدة، إلا أنها لا تريد بالضرورة الدخول في مواجهة استراتيجية مفتوحة مع إيران، وهي لا تعتبر أن طهران في الوقت الحالي تشكل خطرًا على أمنها القومي، بل يمكن التكهن في أن مصر اختارت عدم الدخول في تحالف يعطي دورًا رياديًا لتركيا في ظل التنافس الجيوسياسي التاريخي بين البلدين، عدا عن خشية مصر من رعاية جماعات متطرفة في ليبيا والسودان والقرن الأفريقي وسورية التي يضم نظامها الجديد مصريين محكوم عليهم غيابيًا بالإعدام لتورطهم السابق بأنشطة إرهابية.

تدرك القاهرة أن أي حرب طويلة مع إيران ستنعكس على أمن البحر الأحمر، وقناة السويس، وأسعار الطاقة، والتجارة الدولية، فضلًا عن احتمال توسع الصراع إلى اليمن والعراق وبلاد الشام. وقد تكون القاهرة تخشى من تصاعد نفوذ أنقرة أكثر مما تخشى من تمدد النفوذ الإيراني، خصوصًا أن تركيا لا تنظر إلى نفسها باعتبارها قوة يمكن أن تحتوي إيران في منطقة الخليج فحسب، بل تعتبر نفسها قوة إقليمية تمتد مصالحها من البحر الأسود والقوقاز إلى سورية والعراق وشرق المتوسط وليبيا والبحر الأحمر والقرن الأفريقي.

مصر والهاجس السوري

تنظر مصر بقلق إلى تمدد النفوذ التركي في مناطق تعتبرها امتدادًا للأمن القومي المصري. ففي ليبيا تدعم أنقرة جماعات تصنفها القاهرة على أنها إرهابية، علمًا أن هذه الجماعات تنضوي في إطار حكومة الوفاق التي تسيطر على غرب ليبيا. كذلك فإن أنقرة باتت هي الداعم الأبرز لحاكم السودان عبد الفتاح البرهان، رغم العلاقات التي تجمعه بالقاهرة. إضافة إلى ذلك فلقد أمنت أنقرة حضورًا قويًا في الصومال لتطل على باب المندب الذي يعتبر جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، عدا عن رعاية الأتراك لحزب الإصلاح وهو النسخة اليمنية من الإخوان المسلمين.

وتزداد حدة الحساسية المصرية عند الانتقال للحديث عن النفوذ التركي في سورية. فأنقرة كانت من أهم الداعمين للقوى التي أطاحت بنظام بشار الأسد، وأصبحت صاحبة نفوذ كبير في سورية الجديدة. كما أن أنقرة تنظر إلى حكومة أحمد الشرع باعتبارها شريكًا أساسيًا في إعادة بناء الدولة السورية وفي مواجهة التنظيمات الكردية التي تعتبرها تهديدًا لأمنها القومي. وتقوم تركيا حاليًا بإعادة تنظيم الجيش السوري بطريقة تضمن سيطرة تركية عليه بما يضمن نفوذها في هذا البلد على المدى الطويل، علمًا أن حضورًا تركيا قويًا في سورية يجعل أنقرة على مقربة من القلب المصري، بما يجعل المصريين يستذكرون تبعات معركة مرج دابق في العام 1516 وكيف مهدت لسيطرة تركيا على سورية والانطلاق منها للسيطرة على مصر نفسها في العام 1517. وما يزيد من حالة القلق هذه هو رعاية تركيا للسوريين الذين باتوا اليوم في السلطة والذين يضمون في صفوفهم عناصر مصرية شاركت في عمليات اغتيال وقتل وإرهاب في مصر خلال العقد السابق. ومن شأن تصاعد النفوذ التركي في سورية أن يحدث تغييرًا عميقًا في التوازنات الإقليمية بما يجعل تركيا حاضرة بقوة في العراق وسورية وشرق المتوسط بالتوازي مع حضورها في ليبيا ومنطقة القرن الأفريقي، ما يجعل مصر تشعر بأنها مطوقة من قبل الأتراك.

آفاق الحلف

قد يؤدي غياب مصر عن اتفاق مكة إلى إضعاف هذا الحلف. فمصر هي التي يمكن لها إعطاء الحلف عمقًا استراتيجيًا يمكنه من منع "تمدد إيران باتجاه المتوسط والبحر الأحمر" وفقًا للحسابات الأميركية. وقد يكون عدم انضمام مصر مقدمة لفشل الحلف تمامًا كما أدت معارضة مصر لحلف بغداد في الخمسينيات من القرن الماضي إلى إفشاله.

هذا يضاف إلى المشاكل البنيوية التي تواجه الحلف، وأهمها التباين في أهداف الدول الأعضاء فيه. فإن كانت أولوية الرياض وأنقرة هي في احتواء إيران، إلا أن العاصمتين تختلفان في المدى الذي يجب الوصول إليه في حالة العداء مع طهران. فأنقرة لا تشارك الرياض اندفاعتها ضد طهران في ظل العلاقات الاقتصادية التي تجمعها بها والهاجس المشترك معها من الانفصاليين الأكراد. وقد تجد أنقرة في الحلف فرصة لتسويق صناعاتها العسكرية وبيعها لدولة فائقة الثراء هي المملكة السعودية. أما بالنسبة لباكستان، وعلى الرغم من اهتمامها باحتواء إيران، إلا أنها ترى في طهران قوة تحمي ظهرها في ظل التحالف الهندي "الإسرائيلي" الموجه بجزء منه ضد باكستان، عدا عن الدالة الكبيرة لإيران على الأفغان والتي يمكن أن تساهم في ضبط أمن الحدود الباكستانية الشمالية. كل هذا قد يضعف من اندفاعة الحلف ويحوله إلى مجرد حبر على ورق في ظل تمكن إيران من تدعيم مكانتها الإقليمية وتحولها إلى قوة إقليمية عظمى.

الكلمات المفتاحية
مشاركة