مقالات
أيباك تفشل في مواجهة تحولات الرأي العام الأميركي
أفول نفوذ "أيباك" وصعود التقدميين.. ما الذي تغيّر في وعي الناخب الأميركي؟
كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
ليلة الثالث من آب/أغسطس 2026 لم تكن ليلة عادية في تاريخ السياسة الأميركية؛ ففي ولاية ميشيغان، حيث تتقاطع هموم الطبقة العاملة مع انشغالات السياسة الخارجية، سجل التاريخ محطة فارقة: فوز الطبيب التقدمي عبد الرحمن السيد عبدول في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لمقعد مجلس الشيوخ، متغلبًا على آلة انتخابية ضخمة ضخت أكثر من 30 مليون دولار لإسقاطه.
لم يكن هذا الفوز فقط نتيجة انتخابية هامشية، بل كان إعلانًا عن تحول بنيوي في المشهد السياسي الأميركي، وكشفًا عن ملامح حقبة جديدة تتهاوى فيها أساطير المال السياسي، وتتبدل فيها أولويات الناخب الأميركي. فما الذي حدث؟ وكيف استطاع مرشح تقدمي، من أصول مصرية، أن يهزم أقوى لوبي في واشنطن؟ وما علاقة ذلك بالتحولات العميقة في الرأي العام الأميركي تجاه "إسرائيل"؟
انقلاب في بوصلة الرأي العام الأميركي
تكشف استطلاعات الرأي لعام 2026 عن تحول تاريخي في موقف الأميركيين من الصراع الفلسطيني "الإسرائيلي". فبحسب استطلاع "غالوب" الصادر في شباط/فبراير 2026، ولأول مرة منذ أكثر من عقدين، يتعاطف الأميركيون مع الفلسطينيين 41% أكثر من "الإسرائيليين" 36%، بعد أن كانت لـ"إسرائيل" أفضلية بـ13 نقطة مئوية قبل عام واحد فقط. وهذا التحول لم يقتصر على "الديمقراطيين"، بل امتد ليشمل المستقلين الذين أصبحوا يميلون نحو الفلسطينيين بنسبة 41% مقابل 30% لـ"الإسرائيليين".
والأكثر إثارة للدهشة هو ما كشفه استطلاع معهد "بيو" للأبحاث في تموز/يوليو 2026، حيث أصبح 6 من كل 10 أميركيين يحملون صورة سلبية عن "إسرائيل"، بزيادة 7 نقاط عن عام 2025 و20 نقطة عن عام 2022. كما ارتفعت النظرة السلبية جدًا لـ"إسرائيل" إلى 28%، مقارنة بـ10% قبل أربع سنوات فقط.
وفي مؤشر آخر على عمق هذا التحول، أظهر استطلاع أن 42% من الأميركيين ينظرون إلى الشعب "الإسرائيلي" بشكل غير إيجابي، ارتفاعًا من 28% في عام 2019، بينما تراجعت النظرة الإيجابية للحكومة "الإسرائيلية" إلى 32% من 41% في الفترة نفسها. والأكثر دلالة: ثلث الأميركيين يعتقدون أن "إسرائيل" ارتكبت إبادة جماعية في غزة، بما في ذلك 30% من اليهود الأميركيين أنفسهم.
أما على الصعيد السياسي، فحتى الدعم الجمهوري التقليدي لـ"إسرائيل" بدأ يتآكل. فبحسب استطلاع "بيو"، ينظر 4 من كل 10 جمهوريين إلى "إسرائيل" بشكل غير إيجابي، وترتفع النسبة إلى 57% بين الجمهوريين دون الخمسين. ويقول استطلاع جامعة ميريلاند إن أقل من نصف الجمهوريين 46% يعتبرون الإجراءات العسكرية "الإسرائيلية" في غزة مبررة، بينما تنخفض النسبة إلى 22% فقط بين الجمهوريين دون 34 عامًا.
أيباك تواجه "تسونامي" الرأي العام
في هذا السياق من التحول الشعبي الدراماتيكي، جاءت معركة ميشيغان لتكون اختبارًا حاسمًا لقدرة المال السياسي على عكس اتجاهات الرأي العام. ضخت "أيباك" ولجانها التابعة ما يزيد على 30 مليون دولار لدعم النائبة هايلي ستيفنز، في أكبر مبلغ تنفقه المنظمة في سباق انتخابي واحد في تاريخها. بل إن بعض المصادر قدرت الإنفاق الإجمالي لصالح ستيفنز بأكثر من 54 مليون دولار من لجان خارجية.
في المقابل، أنفق السيد نحو 3.2 مليون دولار فقط من حساب حملته. أي إن الميزانية كانت متفاوتة بنسبة تجاوزت 11 إلى 1 لصالح ستيفنز وأيباك. ورغم هذا التفوق المالي الساحق، خسرت ستيفنز بفارق ضئيل لكنه حاسم 48.7% مقابل 47.3%.
واللافت أن السيد جعل من تمويل "أيباك" محور حملته، متحديًا المال السياسي بشكل علني. وفي المناظرة الأخيرة، ربط تصويت ستيفنز ضد تعديل كان يمنع المساعدات العسكرية لـ"إسرائيل" بالمال الخارجي، واصفًا إياه بأنه "المقابل الذي يأتي مع الثمن البالغ 30 مليون دولار". وهذه المعادلة - ربط الدعم لـ"إسرائيل" بالمال السياسي الأجنبي - أثبتت فعاليتها في إقناع الناخبين.
ولم تقتصر هزيمة "أيباك" على ميشيغان، بل امتدت إلى عدة جبهات. ففي إلينوي، خسرت مرشحة "أيباك" لورا فاين أمام التقدمي دانيال بيس الذي عارض المساعدات العسكرية لـ"إسرائيل". وفي نيوجيرسي، خسر المرشح المدعوم من "أيباك" توم مالينوفسكي، ثم أعلن تأييده لمنافسته التقدمية أنال ميخيا التي اتهمت "إسرائيل" بارتكاب إبادة جماعية. وتشير تقديرات إلى أن "أيباك" أنفقت أكثر من 104 ملايين دولار في هذه الدورة الانتخابية، لكن عائد هذا الإنفاق كان محدودًا ومخيبًا للآمال.
لماذا فشل المال في شراء الانتخابات؟
السؤال الأهم: كيف استطاع مرشح تقدمي، يتحدث بصراحة عن وقف المساعدات العسكرية لـ"إسرائيل"، أن يهزم آلة انتخابية تمتلك كل أدوات النفوذ التقليدية؟ الجواب يكمن في أربعة تحولات بنيوية:
أولًا: ترابط السياسة الخارجية مع الهموم الداخلية: فلطالما فصل الناخب الأميركي بين السياسة الخارجية وقضاياه المعيشية. لكن ارتفاع تكاليف المعيشة والضغوط الاقتصادية جعلت الأميركيين يتساءلون: لماذا تُصرف أموال ضرائبنا على حروب خارجية بينما نعاني من ارتفاع الأسعار وتدهور الخدمات؟ استغل السيد هذا الشعور بمهارة، وربط بين دعم "إسرائيل" وحرمان الأميركيين من الرعاية الصحية والسكن والتعليم.
ثانيًا: تنامي الوعي السياسي لدى الجاليات العربية والمسلمة: تحولت الجالية العربية والمسلمة في ميشيغان من كتلة تصويتية محدودة التأثير إلى قوة سياسية فاعلة. ففي مدن مثل ديربورن وواين كاونتي، سجلت نسب مشاركة قياسية، معبّرة عن رفضها للمساعدات العسكرية غير المشروطة لـ"إسرائيل". وصوّت الشباب دون الخمسين لصالح السيد بفارق 42 نقطة مئوية 67% مقابل 25%، ما يعكس فجوة جيلية عميقة.
ثالثًا: صعود التمويل الشعبي مقابل المال السياسي: لم يعتمد السيد على المانحين الكبار، بل على آلاف التبرعات الصغيرة، وحشد أكثر من 10,000 متطوع. وهذا النموذج الجديد - القائم على التنظيم الشعبي والتواصل المباشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي - أثبت فعاليته في مواجهة آلة المال السياسي التقليدية.
رابعًا: "سمية" العلامة التجارية لـ"أيباك": لم يعد دعم "أيباك" للمرشح ميزة انتخابية، بل أصبح عبئًا. ففي استطلاعات الرأي، قال 48% من الناخبين "الديمقراطيين" إنهم "لا يمكنهم مطلقًا دعم مرشح تموله أيباك". بل إن الكثافة الإعلانية الهائلة التي مولتها "أيباك" ضد السيد أحدثت مفعولًا عكسيًا، حيث شعر الناخبون بأن أصحاب المال يحاولون شراء أصواتهم وفرض مرشحين لا يعبرون عنهم.
ماذا بعد؟ "أيباك" بين خيارين
عقب الهزيمة في ميشيغان، وجدت "أيباك" نفسها أمام مأزق تاريخي؛ فأعلنت المنظمة أنها تدرس خيارًا استثنائيًا: دعم المرشح الجمهوري مايك روجرز في الانتخابات العامة لمنع وصول السيد إلى مجلس الشيوخ. وهذه الخطوة، لو تمت، ستكون سابقة في تاريخ المنظمة التي التزمت تقليديًا بدعم "الديمقراطيين" في الانتخابات العامة.
لكن هذه الاستراتيجية تحمل مخاطر كبيرة. فدعم الجمهوري قد يزيد من شرعية اتهامات السيد بأن "أيباك" "منظمة حزبية" تسعى لخدمة أجندة خارجية على حساب المصالح الأميركية. كما أن فوز روجرز - المدعوم من دونالد ترامب - قد يضع "أيباك" في مواجهة مباشرة مع القاعدة التقدمية للحزب "الديمقراطي"، ما يعمق الانقسامات داخل الحزب.
والأكثر خطورة على "أيباك" هو أن تحولات الرأي العام ليست مؤقتة؛ فالأجيال الشابة من الأميركيين، التي تقود هذا التحول، تمثل مستقبل السياسة الأميركية. ومع استمرار الحرب على غزة وتداعياتها الإنسانية، من المرجح أن تستمر صورة "إسرائيل" في التدهور داخل الولايات المتحدة، ما يضعف تدريجيًا القوة التفاوضية لـ"أيباك".
المال لا يشتري التاريخ
ما حدث في ميشيغان ليس فقط هزيمة انتخابية لـ"أيباك"، بل هو إعلان عن نهاية عصر. عصر كان فيه المال السياسي قادرًا على شراء الانتخابات، وعصر كان فيه الدعم الأميركي لـ"إسرائيل" أمرًا محسومًا لا نقاش فيه، وعصر كانت فيه السياسة الخارجية شأنًا بعيدًا عن هموم الناخب اليومية.
لقد أثبتت انتخابات 2026 أن جرائم الحرب "الإسرائيلية" في غزة ولبنان وإيران - التي نقلتها وسائل التواصل الاجتماعي إلى كل بيت أميركي - كسرت الصورة النمطية التي ظل اللوبي "الإسرائيلي" يروج لها لعقود. فحجم التوحش الذي مارسته آلة الحرب "الإسرائيلية"، ومشاهد الدمار والتهجير الجماعي، أحدثت انقلابًا كبيرًا في نظرة الأميركيين إلى الكيان الصهيوني. لم يعد بالإمكان تغطية هذه الحقائق بأموال الدعاية والإعلانات المضللة.
ورغم كل ما تنفقه "أيباك" من أموال لتحسين صورة "إسرائيل" في أميركا، فإن الحقائق الفلسطينية كانت أقوى. فصورة الطفل الفلسطيني تحت الأنقاض، والأم الثكلى، والمدن المدمرة، كانت أكثر تأثيرًا من ملايين الدولارات التي أنفقت على الإعلانات التلفزيونية.
الدرس الذي تعلّمه المال السياسي في ميشيغان هو أن هناك حدودًا لما يمكن أن يشتريه. فالتنظيم الشعبي، والرسالة الواضحة، والصدق مع الناخبين، كلها تبقى أقوى من أي ميزانية انتخابية، مهما كانت ضخمة. وهذه هي الرسالة التي وجهها ناخبو ميشيغان إلى واشنطن: "كفى تدخلًا في إرادتنا، وكفى تمويلًا للحروب باسمنا، وكفى إهدارًا لأموالنا في صراعات لا تخدم مصالحنا".
كما إن فوز عبد الرحمن السيد ليس فقط إنجازًا للجالية العربية والمسلمة، بل هو انتصار لكل الأميركيين الذين يؤمنون بأن السياسة يجب أن تخدم الناس، لا أن تخدم المصالح. وهو نذير بتحولات أكبر قادمة، قد تعيد تشكيل المشهد السياسي الأميركي لعقود قادمة.