اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي «أبناء البلدات الجنوبية الحدودية»: لإيجاد حل للنازحين بمراكز الإيواء المعرّضة للإخلاء

مقالات

لبنان في هندسة
🎧 إستمع للمقال
مقالات

لبنان في هندسة "الشرق الأوسط الجديد" بين الضغط الصهيوأميركي ومعادلة الردع الإقليمي

133

إعلامي وباحث في الشأن السياسي

يرزح لبنان تحت واحدة من أكثر الحقبات خطورة وحرجًا منذ ظهوره على خارطة التقسيمات الجغرافية التي رسمتها قوى الاستعمار، وفي ظل استمرار العدوان "الإسرائيلي" وتصاعد الحصار السياسي والعسكري على مكوّناته الداخلية، يجد البلد نفسه في قلب عاصفة جيو-سياسية تتجاوز حدوده الجغرافية.

يطرح هذا الواقع سؤالًا جوهريًا حول طبيعة المرحلة الراهنة: هل يشكل الضغط السياسي والعسكري الراهن نهاية لمرحلة التوازنات القديمة في لبنان، أم أنه مجرد جولة أخرى في صراع إقليمي أوسع تعيد فيه المقاومة والمحور المناهض للغرب ترسيم خطوطه العريضة؟

لا بد أولًا للإجابة عن هذا السؤال من قراءة المشهد اللبناني الداخلي في ضوء المتغيرات الإقليمية المتسارعة، بدءًا من الضغوط الأميركية-"الإسرائيلية"، مرورًا بالموقف المتخاذل للسلطة الرسمية وموقع المقاومة، وصولًا إلى التحولات الجارية على الجبهة الإيرانية والتكتلات العربية والإسلامية الناشئة.

توظيف الاستنزاف لفرض خارطة جديدة

تعتمد الاستراتيجية الأميركية-"الإسرائيلية" سياسة الاستنزاف المتواصل لفرض حال من الضغط العسكري والأمني المستمر على الداخل اللبناني، ولم تعد الغارات والاعتداءات الميدانية مجرد تفاصيل في مواجهة نارية، بل تحولت إلى أداة ضغط سياسي واضحة الهدف وهو تفكيك بيئة المقاومة وفرض واقع أمني جديد يجرّد لبنان من عناصر قوته الرادعة.

بموازاة ذلك تعمل واشنطن عبر أدواتها الدبلوماسية والسياسية إلى استثمار نتائج العدوان "الإسرائيلي" وتحويلها إلى مكاسب سياسية على طاولة التفاوض. ويستهدف هذا المسار فرض ترتيبات أمنية تُفرغ الاتفاقيات الدولية والقرارات الأممية من جوهرها الحامي لسيادة لبنان، ليصبح المطلوب أميركيًا و"إسرائيليًا" هو إعادة هيكلة المشهد السياسي اللبناني على نحو يضمن تحييد لبنان كليًا عن معادلات الصراع الإقليمي وتجريد المقاومة من سلاحها.

وهذا المخطط لا يستهدف المقاومة كبنية عسكرية فحسب، بل يمتد ليشمل بنيتها الاجتماعية والسياسية، من خلال فرض حصار اقتصادي ومالي وإعلامي يُحملها مسؤولية الانهيار الداخلي، بغية إحداث شرخ بينها وبين بقية المكونات اللبنانية.

السلطة بين الاستسلام للضغوط وتحديات الداخل

في المقابل، تظهر السلطة اللبنانية في موقف ينطوي على ضعف شديد واستسلام واضحة معالمه للإملاءات الأميركية و"الإسرائيلية"، فبدلًا من أن تشكل الدولة مظلة حماية وطنية تُستغل فيها نقاط القوة الميدانية لتعزيز الموقف التفاوضي، تبدو المؤسسات الرسمية وكأنها مرتهنة لمسار الإملاءات الخارجية،

أما القوى السياسية المنخرطة في المسار الاستسلامي للسلطة فتعيش حالًا من الفصام السياسي؛ فهي من جهة تخشى المواجهة المباشرة مع الإدارة الأميركية وتخشى العقوبات والضغط المالي، ومن جهة أخرى تدرك أن أي محاولة صدامية لتجريد المقاومة من سلاحها بالقوة أو خرق التوازنات الداخلية الدقيقة قد تؤدي إلى انهيار منظومة السلم الأهلي والانزلاق نحو حرب أهلية جديدة.

هذا العجز الرسمي جعل القرار اللبناني رهينة للمبعوثين الدوليين (حادثة المبعوث الأميركي توم براك وإهانته للبنان واللبنانيين ما تزال محفورة في الذاكرة) حيث تتحول الدولة من طرف يفرض شروطه السيادية إلى مجرد ساعي بريد ينقل الشروط "الإسرائيلية" والأميركية.

هذا الاستسلام الكلي للسلطة أمام إملاءات واشنطن و"تل أبيب" يقحمها في تخندق سياسي كبير، ويضع الدولة في مواجهة مستمرة مع قطاع واسع من شعبيتها ومكوّناتها الأساسية، ما يضعف التماسك الداخلي ويجعل البلد أكثر عرضة للتدخلات والترتيبات المفروضة من الخارج.

المقاومة في الميزان.. صمود ميداني وحضور سياسي

على الرغم من شدة الحصار والضغط العسكري والأمني والسياسي، تفيد المعطيات الميدانية بأن المقاومة لا تزال تمتلك الكثير من أوراق القوة والقدرة على المناورة ورسم الخيارات، فلم يكن الهدف الحربي "الإسرائيلي" محصورًا في النقاط الحدودية والتكتيكات العسكرية، بل كان يستهدف كسر إرادة القتال وإلغاء معادلة الردع التي تشكلت عبر عقود، ونجحت المقاومة في كسر هذا الحصار عبر استراتيجية قائمة على مسارين:

أولًا: الصمود الميداني ونجاعة الردع، من خلال التأكيد اليومي على أن أي توغل أو تصعيد "إسرائيلي" ستقابله خسائر لا يستطيع الاحتلال تحمّلها، ما يمنع العدو من تحقيق أهدافه العسكرية الحاسمـة.

ثانيًا: المناورة السياسية والمرونة التكتيكية، عبر استيعاب الضغوط الداخلية وعدم الانجرار إلى الفتنة التي يسعى البعض لإشعالها، مع الاستمرار في تثبيت قاعدة أن السلاح ليس موضوعًا للمساومة تحت النار.

وغني عن التذكير بأن الحملات المباشرة التي تتعرض لها المقاومة ليست الأولى من نوعها، بل هي امتداد لمحاولات سابقة أثبتت فيها المقاومة أن جذرها الشعبي والعسكري أعمق من أن يُستأصل بقرارات سياسية أو بضغط إقليمي ودولي، طالما أن أسباب وجودها -وهي الاحتلال والتهديد "الإسرائيلي" المستمر- لا تزال قائمة.

البعد الإقليمي.. الجبهة الإيرانية والتكتلات الناشئة

لا يمكن فصل ما يحدث في لبنان عن التطورات الجارية في الإقليم، وتحديدًا على صعيد الجبهة الإيرانية والتكتلات العربية والإسلامية الناشئة التي تعيد تشكيل المنطقة؛ فالساحة اللبنانية كانت وما تزال مرآة تنعكس عليها التوازنات الكبرى في الشرق الأوسط.

فمن جهة تشكل إيران العمق الاستراتيجي لمحور المقاومة، وأي تحول في وضعها الجيو-سياسي أو مستويات مواجهتها مع الولايات المتحدة و"إسرائيل" ينعكس مباشرة على الساحة اللبنانية، وتهدف المحاولات الأميركية لإضعاف طهران عبر التهديدات العسكرية والعقوبات الاقتصادية في جوهرها إلى قطع شريان الدعم عن حركات المقاومة في المنطقة وفي مقدمتها لبنان، غير أن ثبات الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتطوير قدراتها الدفاعية والهجومية يبقيان مظلة أمان لمحور المقاومة في لبنان والمنطقة، وتتقاطع هذه التحولات مع ظهور تكتلات عربية - إسلامية جديدة (ميثاق مكة بين السعودية وباكستان وتركيا) تحاول البحث عن مساحة حضور في ظل الهيمنة الأميركية المطلقة وجموح المشاريع "الإسرائيلية".

وعلى الرغم من أن مسار هذه التكتلات مبرمج وفق الأجندة الأميركية ورؤيتها لمستقبل منطقة الخليج بعد الحرب، إلا أن إدراك الدول الإقليمية بأن المشاريع التوسعية "الإسرائيلية" لن تتوقف عند حدود لبنان أو فلسطين بدأ يدفع بعودة نوع من التنسيق والبحث عن استقرار إقليمي لا يُفرَض بالشروط "الإسرائيلية" الكاملة. هذا التداخل الإقليمي يجعل الساحة اللبنانية جزءًا لا يتجزأ من عملية إعادة كبرى لترسيم حدود النفوذ والردع في المنطقة.

مآلات المستقبل السياسي.. إعادة ترسيم لا استسلام

أمام هذه المعطيات المركبة، يمكن التأكيد على أن الوضع الراهن لا يمثل نهاية لمرحلة التوازنات القديمة لصالح مشروع الهيمنة الأميركية-"الإسرائيلية"، بقدر ما هو جولة كسر إرادات في صراع إقليمي أوسع، فإن التوازنات القديمة التي قامت على معادلات معينة قد تتعدل شكليًا أو تكتيكيًا بحكم المتغيرات وحجم التضحيات، لكن جوهر المعادلة القائم على وجود مقاومة صلبة ترتكز إلى قاعدة شعبية وإقليمية لا يمكن تجاوزه بسهولة، ولئن راهن المخطط الأميركي-"الإسرائيلي" على تفكيك هذه المعادلة من الداخل عبر إنهاك المجتمع والدولة، إلا أن هذا الرهان يصطدم بحقيقة أن البديل القادم للضغط المفرط لن يكون استسلامًا، بل جولة جديدة من المواجهة قد تكون أكثر شدة وتأثيرًا على استقرار المنطقة ككل.

إن لبنان يقف اليوم على مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن تنجح الضغوط الخارجية في فرض نظام سياسي وأمني منزوع القوة والسيادة يجعله ملحقًا بالمشروع "الإسرائيلي"، وإما أن تنجح المقاومة وحلفاؤها في فرض معادلة صمود جديدة تجبر الخصوم على الاعتراف بحق لبنان في حماية أرضه وسيادته.

إن الحصار السياسي والعسكري والضغط اليومي يمثلان أقصى درجات استخدام القوة لفرض الاستسلام، لكن التاريخ أثبت أن الصراعات لا تُحسم بالتفوق العسكري والتسلط السياسي وحدهما، وعليه فإن استمرار المقاومة في الميدان وتطور الجبهات الإقليمية الناشئة يفرضان واقعًا جديدًا ينفي فرضية خروج لبنان من معادلة الردع. وبالتالي لن يكون مستقبل لبنان السياسي مجرد صياغة أحادية تُكتب في واشنطن أو تل أبيب وتبصم عليها السلطة اللبنانية، بل سيكون حصيلة التدافع الميداني والإقليمي. وما يجري اليوم ليس إلا محطة مفصلية في إعادة ترسيم خطوط الصراع الكبرى، حيث يثبت لبنان مرة أخرى أنه ليس مجرد ساحة ضعيفة تُفرض عليها الخرائط، بل هو شريك أساسي في صناعة خارطة ما يسمّى "الشرق الأوسط" ومستقبله السياسي.

الكلمات المفتاحية
مشاركة