عين على العدو
سناء أحمد إبراهيم - صحيفة الأخبار
تتواصل محاكمة 41 رجل دين شيعياً في البحرين، وسط انتهاكات رافقت احتجازهم وانتزاع اعترافات منهم تحت التهديد. وتزامن الكشف عن مجريات تلك المحاكمات مع اتصال هاتفي بين ملك البحرين والرئيس الإسرائيلي، ما أثار ردود فعل غاضبة في أوساط البحرينيين الرافضين للتطبيع.
«مصير المذهب الشيعي في البحرين وعلمائه وخطبائه وكتّابه ومعلميه وعموم مبلّغيه والمجيبين على ما يتعلّق بأسسه وفقهه من أسئلة المواطنين، هو تحت التهديد الوجودي الشديد»؛ بهذه الكلمات، حذّر المرجع الديني البحريني، آية الله عيسى قاسم، من تداعيات التضييق الذي يتعرّض له المواطنون في البحرين، بذريعة «التعاطف» مع إيران. ويأتي ذلك في ظلّ تصاعد لافت في الأحكام والمحاكمات الانتقامية في حقّ رجال الدين المعتقلين على خلفية آرائهم ومواقفهم حول خطورة التطبيع مع العدو "الإسرائيلي"، وأهمية عدم الانخراط في الحرب على إيران خدمةً للكيان والولايات المتحدة.
وتُظهر مجريات قضية 41 عالم دين شيعي لا يزالون يقبعون في السجن منذ آذار الماضي، إصرار السلطات على ليّ ذراع هؤلاء. إذ يبيّن رئيس «هيئة شؤون الأسرى» في البحرين، جعفر يحيى، في حديثه إلى «الأخبار»، أن مجريات جلسات المحاكمة التي بدأت خلال تموز الفائت لرجال الدين المعتقلين، أظهرت أنها «محاكمات مسيّسة وتخلو من معايير العدالة»، مشيراً إلى أن هؤلاء «أُجبِروا على توقيع آلاف الأوراق من الإفادات من دون السماح لهم بقراءتها تفصيلياً، كما تعرّض محاموهم لمضايقات ومُنِعوا من الاطّلاع على ما في داخل تلك الإفادات أو معرفة تفاصيل القضية». ويضيف يحيى أن توقيع المعتقلين «جاء تحت التهديد بانتهاك حرمات أعراضهم أو تعريضهم للاغتصاب»، متوقّعاً أن «تكون الأحكام قاسية بحقّهم، وأن تصل إلى 25 سنة في الحدّ الأدنى». ويشير يحيى إلى أن المحاكمات التي جاءت على خلفية اتهامات بـ«قضايا خيانة الوطن، والتخابر ضدّه، والحصول على أموال من الخارج»، اتّسمت بـ«السرعة والضبابية»، مضيفاً أن السلطات «لم تترك نوعاً من الاتهامات المتعلّقة بقضايا الإرهاب، إلا وألصقتها بالعلماء المعتقلين، على غرار دعم «منظمات إرهابية»، بالإشارة إلى المقاومتَين اللبنانية والعراقية، إلى جانب إيران».
شملت الانتهاكات بحق رجال الدين المعتقلين «الضرب والشتائم والبصق والتهديد بالاعتداءات الجنسية»
وتتقاطع تصريحات يحيى مع ما أكدته معلومات كشفت عنها جمعية «الوفاق» بشأن ظروف احتجاز العلماء، وما تعرّضوا له من إهانات قاسية بأوامر من جهات رسمية عليا. وبحسب الجمعية، شملت الانتهاكات «الضرب والشتائم والبصق والتهديد بالاعتداءات الجنسية»، فضلاً عن ممارسة «ضغوط عليهم لإجبارهم على توقيع اعترافات مفبركة». وأضافت أن عدداً من العلماء ورؤساء الحوزات العلمية «تعرّضوا لاعتداءات جسدية على أيدي ضباط»، في ظلّ أوامر تهدف إلى «إخضاعهم لمزيد من الإذلال والمعاملة القاسية»، في انتهاك خطير للكرامة الإنسانية. ولم تقتصر الانتهاكات على الاعتداء الجسدي، بل امتدّت إلى الإساءة إلى المعتقدات الدينية، وذلك عبر «توجيه شتائم للمذهب الجعفري والاستهزاء بعقائد الشيعة ورموزهم الدينية، والإساءة إلى أهل البيت (ع)، وشعائر المذهب، وأئمته، وعلمائه، ومقدساته، وأحكامه الفقهية»، في ما يعكس تصعيداً طائفياً غير مسبوق في البلاد.
وتزامن الكشف عن مجريات قضية العلماء مع اتصال هاتفي في الـ26 من تموز بين ملك البحرين، حمد بن عيسى، والرئيس الإسرائيلي، إسحاق هرتسوغ، ما أثار ردود فعل غاضبة في أوساط البحرينيين الذين يتمسّكون برفض التطبيع مع الكيان الإسرائيلي. وفي السياق، اتهمت جمعية «الوفاق»، السلطة، بأنها «تغرّد خارج السرب وتظنّ بأن الكيان يقدّم لها غطاء، وهو بلا غطاء ولا يحترمه أحد في العالم إلا الفاقدون للأمل في هذه المنطقة والعالم». وأشارت إلى أن «اتفاقيات أبراهام» أثبتت مدى استغلال الاحتلال للأنظمة المنخرطة فيها لشرعنة المزيد من عمليات الإبادة وجرائم الحرب، معتبرةً أن ما يمارسه النظام الحاكم يمثّل خطراً استراتيجياً على الأمن القومي، ويتعارض مع مواقف شعب البحرين، و«يمثّل جريرة بحق المنطقة بأكملها».
ومن جهته، حذّر عيسى قاسم، في بيان صدر قبل أيام، من انجرار بعض الأنظمة العربية إلى ما وصفه بـ«المؤامرة الأميركية - الصهيونية» التي تستهدف الأمّة الإسلامية، داعياً «علماء البحرين» إلى «الردّ على الاستهداف الوجودي للمذهب الشيعي من قِبل النظام الخليفي». ومن داخل السجون، سبق لمجموعة من معتقلي الرأي أن أعربوا عن رفضهم لما وصفوه بـ«استهداف الدين وعقيدة الشعب الأصيل عبر النيل من رجال الدين». يشار إلى أن السلطات البحرينية نفذت حملة اعتقالات غير مسبوقة شملت أكثر من 50 رجل دين شيعي على دفعتَين، متّهمةً إياهم بالترويج لما سمّته «فكر ولاية الفقيه»، بالإضافة إلى الارتباط بـ«الحرس الثوري الإيراني».