نقاط على الحروف
منذ أواخر عام 2024، شهدت الصحافة المكتوبة، والمنصات الرقمية المتكاثرة، وعدد من الأقلام الإعلامية المخضرمة، تحولًا لافتًا تجاوز في كثير من الأحيان أبسط معايير المهنية والعقلانية، لتتبنى خطابًا تصعيديًا بدا وكأن حبره تمويلٌ سياسي أكثر منه التزامًا بالحقيقة.
في المقابل، بقي أصحاب المواقف المبدئية ثابتين على قناعاتهم، ولم يهادنوا في مرحلة استقواء المموّل، بكل ما رافقها من مظاهر فجّة ووقحة. وجاء ذلك في ظل استنسابية قضائية أثارت كثيرًا من علامات الاستفهام، في وقت يرى فيه منتقدون أن استقلالية القضاء تبقى موضع شك، ما ينعكس على التعاطي مع ملفات تمس الأمن والسيادة.
من يقف خلف المطبخ الإعلامي الذي يستهدف المقاومة؟ ومن يديره ويموّله؟ وما الأدوات التي يعتمدها في حملات التشويه والتحريض؟ ولماذا يغيب القضاء عن ملاحقة هذه الحملات المتكررة، رغم ما تثيره من جدل واسع بالإضافة إلى أنها تفتح شرخًا وطنيًا واسعًا؟.
للإجابة عن هذه الأسئلة، حاور "العهد" الإخباري الوزير السابق مصطفى بيرم، وعضو لقاء "مستقلون من أجل لبنان"، بسّام الهاشم، للوقوف على خلفيات هذا الخطاب الإعلامي، وآليات عمله، والجهات التي تقف وراءه، وسبل مواجهته.
مصطفى بيرم: معركة السردية
يرى الوزير السابق مصطفى بيرم أن الحرب الدائرة اليوم لم تعد عسكرية فقط، بل امتدت إلى الجبهات الاقتصادية والأمنية والثقافية والإعلامية، في إطار مشروع يهدف إلى إعادة تشكيل المنطقة.
ويؤكد أن امتلاك سردية الحقانية أصبح ضرورة في مواجهة المشروع الغربي الأميركي المتحالف مع المشروع الصهيوني، موضحًا أن هذه السردية يجب أن تستند إلى حق الشعوب في الدفاع عن نفسها، وإلى الوقائع الثابتة والأدلة، انطلاقًا من مبدأ "نحن أبناء الدليل كيفما مال نميل".
ويعتبر أن أحد أبرز التحديات يتمثل في إعادة وضع الأحداث ضمن سياقاتها الحقيقية، لأن خصوم المقاومة يسعون، برأيه، إلى عزل الوقائع عن سياقها العام، وحصرها في أحداث جزئية ومتفرقة، بما يؤدي إلى تشويه صورة الصراع.
ويضيف أن المواجهة ليست مع أحداث منفصلة، بل مع مشروع متكامل، لذلك فإن التركيز على الوقائع الجزئية يساهم في إخفاء الصورة الكبرى، فيما يعمل الخطاب المعادي على إنتاج سرديات متناقضة تقوم على الانقسامات الطائفية والإثنية وتحويل الاختلافات الطبيعية إلى صراعات.
وفي المقابل، يدعو بيرم إلى بناء سردية مقاومة جامعة تُحوّل التنوع الثقافي والديني إلى عنصر قوة، وتؤسس لذاكرة مشتركة تحفظ خصوصية كل مكوّن، لكنها تجمع الجميع حول تاريخ مشترك من مواجهة الاحتلال والهيمنة.
ويرى أن السردية "الإسرائيلية" تقوم على العنصرية ونبذ الآخر، بينما ينبغي أن تقوم السردية المُقابلة على العدالة والعيش المشترك ورفض الظلم، بما يسمح بالانتقال من موقع الدفاع إلى المبادرة، معتبرًا أن تراجع تأثير الرواية الصهيونية يفرض على القوى المناهضة لها تقديم خطاب متماسك ومدعوم بالوقائع.
بسام الهاشم: التمويل وشبكات التأثير
من جهته، يعيد عضو لقاء مستقلون لأجل لبنان الباحث والناشط السياسي الدكتور بسّام الهاشم جذور الحملة الإعلامية ضد المقاومة إلى مرحلة وجود السفير الأميركي جيفري فيلتمان في لبنان، معتبرًا أنه نسج شبكة واسعة ضمت سياسيين ونوابًا وإعلاميين ومؤثرين كانوا يتحركون ضمن رؤية سياسية واحدة ويحظون بحضور دائم على المنابر الإعلامية.
ويشير الهاشم إلى شهادة أدلى بها فيلتمان أمام لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس الأميركي عام 2008، قال فيها إن الولايات المتحدة أنفقت أكثر من نصف مليار دولار لتشويه صورة حزب الله. ويرى أن هذه الأموال وُزعت، بحسب تقديره، على وسائل إعلام ومحطات تلفزيونية وإذاعات ومراكز أبحاث وأشخاص يعملون بصورة دائمة ضمن هذا المشروع.
ويضيف أن تبدل مواقف بعض المؤسسات الإعلامية بالتزامن مع التحولات السياسية في المنطقة يعكس طبيعة هذا التمويل، لافتًا إلى وجود شخصيات تعلن صراحة أنها لا تعتبر "إسرائيل" عدوًا، بل تدعو إلى مخالفة القوانين اللبنانية المرتبطة بالتعامل معها.
وعن غياب الملاحقة القضائية، يعتبر الهاشم أن المشكلة تكمن في غياب الاستقلالية الكاملة للقضاء، إذ إن التعيينات والتشكيلات القضائية، برأيه، تبقى مرتبطة بالإرادة السياسية، ما ينعكس على قدرة القضاء على اتخاذ قرارات مستقلة في الملفات الحساسة، مع تأكيده احترام القضاة الذين يلتزمون القانون والضمير.
ويرى أن التدخل الأميركي لا يقتصر على الجانب الإعلامي، بل يمتد، بحسب وجهة نظره، إلى الاستحقاقات السياسية والتعيينات في مؤسسات الدولة، من رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة إلى مصرف لبنان والأجهزة الأمنية والإدارات العامة.
ويتوقف عند حجم السفارة الأميركية في لبنان، معتبرًا أن عدد العاملين فيها يثير تساؤلات حول طبيعة الدور الذي تؤديه، ويرى أن هذا الحضور ينعكس على القرار السياسي والإداري، مستشهدًا بما تداولته وسائل إعلام عن آليات اختيار بعض المسؤولين في الإدارات العامة.
ويصف الهاشم الواقع اللبناني بأنه مواجهة مفتوحة على أكثر من جبهة: عسكرية في الجنوب، وسياسية في الداخل، وإعلامية وفكرية في الوقت نفسه، معتبرًا أن نتائج الصراع الإقليمي ستنعكس مباشرة على صورة المقاومة ومستقبلها.
ويختم بالقول: "إن شهادة فيلتمان كشفت جانبًا من آليات العمل الأميركية في تلك المرحلة، وإن المؤشرات، من وجهة نظره، تدل على استمرار النهج نفسه حتى اليوم، وإن اختلفت الأدوات والوسائل، ما يجعل معركة الوعي والإعلام جزءًا أساسيًا ومهمًا من الصراع الدائر في المنطقة". ويرى أن "مواجهة هذه الحرب لا تكون فقط بالمواقف السياسية، بل أيضًا ببناء خطاب إعلامي متماسك، وكشف شبكات التأثير والتمويل، وترسيخ الوعي العام بحقيقة الصراع وأبعاده، بما يحول دون نجاح حملات التشويه في تحقيق أهدافها".
ختامًا
لم تكن غالبية وسائل الإعلام اللبنانية مستقلة في سياساتها التحريرية، إذ ارتبط جزء كبير منها، على مدى سنوات، بمصادر تمويل خارجية، لا سيما التمويل النفطي العربي، ما جعلها، في كثير من الأحيان، أداةً في الصراعات البينية. وفي خضم تلك الاصطفافات، غاب عن كثير من هذه الوسائل أداء دورها الطبيعي في مواجهة الخطاب الإعلامي الصهيوني، وانشغلت بمعارك ومحاور سياسية وإقليمية انعكست بوضوح على أولوياتها وخطابها الإعلامي.