اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي الخارجية الإيرانية: نستنكر بقوة أي إجراء لتبسيط وتهميش القضية الفلسطينية

نقاط على الحروف

🎧 إستمع للمقال
نقاط على الحروف

"المفاوضات تتقدّم"... والاعتداءات كذلك..المفارقة في خطاب عون

عون و"التقدّم" التفاوضي... بين الخطاب وواقع الجنوب
188

دكتوراه في علوم الإعلام والاتصال 

في كل مرة يجري فيها الحديث عن تقدّم في المفاوضات، ينظر اللبنانيون، وتحديدًا أبناء الجنوب، من حولهم: تُرى أين التقدّم؟ أصوات الانفجارات ما تزال تُسمع، الغارات لم تصبح جزءًا من الماضي، فيما ما تزال بلدات جنوبية تنام وتستيقظ على وقع التفجيرات والقصف. هنا؛ لن نناقش أصل الذهاب إلى المفاوضات التي لم تكن سوى "غلطة العمر" مع كيان متوحش لا يولي أهمية وقيمة لشيء سوى لأطماعه ومصالحه؛ بل سنناقش العواقب كون الواقعة قد وقعت، ما يُحيلنا إلى السؤال البديهي: إذا كانت المفاوضات تحقق تقدمًا، كما يقول رئيس الجمهورية جوزاف عون، فأين تظهر مفاعيل هذا التقدم على الأرض؟

لعل الإجابة عن هذا السؤال لا تحتاج إلى كثير من البحث، في الغرف المغلقة أو خلف طاولات التفاوض. إذ يكفي النظر إلى ما يجري في الجنوب. التقدم الذي لا يجد طريقه إلى الميدان، ولا ينعكس أمنًا على أبناء المنطقة، يبقى مجرد توصيف سياسي يحتاج إلى ما يثبته. بين ما يُقال عن مسار تفاوضي يتقدم، وما يعيشه الجنوبيون على الأرض، تبدو المفارقة واضحة. إذ في الوقت الذي يقول فيه رئيس الجمهورية إن المسار التفاوضي مع "إسرائيل" "يحقق تقدّمًا"، كانت وقائع الميدان تقول إن الجنوب ما يزال في دائرة الوحشية "الإسرائيلية". في 11 آب/أغسطس، وبالتزامن مع تصريحات عون، استهدفت غارة للعدو مدينة النبطية وأصيب مواطنان، فيما تضررت سيارة إسعاف خلال محاولة إسعافهما، كما شهدت بلدات جنوبية تفجيرات ليلية... هنا؛ العودة إلى السؤال الأساسي: أين التقدم؟. الإجابة التي يجب أن تكون واضحة على الأرض لا في التصريحات، فالمفاوضات لا تُقاس بما يُقال عنها، إنما بما تنتجه خارج قاعات التفاوض. 

وعليه، إذا أردنا أن نفكّك تصريحات الرئيس ومواقفه، والتي أدلى بها يوم الثلاثاء المنصرم، نجد أنّ كلامه لم يكن مجرد دفاع عن خيار سياسي اختارته الدولة اللبنانية، لقد حمل في طياته مجموعة من الرسائل التي تستحق التوقف عندها وتحليلها، لا سيما قوله إنّ "المفاوضات تحقق تقدمًا، وتظل أفضل من نتائج الحرب المدمّرة علينا". إذ إن المعادلة التي يطرحها عون تبدو للبعض في ظاهرها، بديهية: الحرب مدمّرة.. لكن هل تكفي مقارنة المفاوضات بالحرب للحكم على نجاحها؟

السؤال الذي يفرض نفسه، هنا، ليس ما إذا كان التفاوض أفضل من الحرب، بل ماذا حققت المفاوضات فعليًا؟ فأي مسار تفاوضي لا يُقاس بكونه بديلًا عن الحرب وحسب، ايضًا بالنتائج التي يستطيع إنتاجها. إذا كانت الدولة اللبنانية قد دخلت هذا المسار بهدف واضح، فإن معيار التقدم يفترض أن يكون قابلًا للقياس: هل اقترب لبنان من إنهاء الاحتلال؟ هل توقفت الاعتداءات "الإسرائيلية"؟ هل باتت عودة الأهالي إلى أرضهم أكثر أمانًا واستقرارًا؟ هل حرّر لبنان الأسرى؟ هل فُتح مسار فعلي لإعادة الإعمار؟

وفقًا لهذه الأسئلة الواقعية، تحديدًا، تصبح تصريحات رئيس الجمهورية نفسها معيارًا يمكن معها تقييم هذا التقدم. إذ إن الرئيس عون يؤكد، في مواقفه الأخيرة، أن لبنان "لن يسمح لـ"إسرائيل" وجنودها بالبقاء ولو على شبر واحد من أرضه"، ويشير إلى أن الانسحاب "الإسرائيلي" وعودة الأسرى وإعادة الإعمار ليست موضع خلاف بين اللبنانيين. إذًا، الأهداف واضحة، لكن ما يحتاج إلى توضيح هو المسافة التي قطعتها المفاوضات للوصول إليها..؟

لذلك؛ لا يعود المطلوب من اللبنانيين أن يتعاملوا مع كلمة "تقدّم"؛ على أنها حقيقة مكتملة لمجرد ورودها في خطاب رسمي، بل أن يسألوا عن مضمونها ومؤشراتها. التقدم الذي يتحدث عنه عون، في المسارات التفاوضية، لا ينبغي أن يبقى توصيفًا سياسيًا عامًا؛ لأن التفاوض ليس غاية بحد ذاته، ولا تتحول كثرة جولات التفاوض والاجتماعات إلى إنجاز لمجرد انعقادها. التقدم الحقيقي يفترض أن يظهر في النتائج. وعليه، الانسحاب "الإسرائيلي" الكامل، على سبيل المثال، ليس مجرد بند تفاوضي، هو نتيجة يمكن التحقق منها. كذلك وقف الاعتداءات وعودة الأسرى وتمكين أبناء الجنوب من العودة إلى قراهم وإعادة إعمار ما دمرته الحرب.

وهنا، فإن السؤال عن المفاوضات لا ينبغي أن يكون محصورًا في معرفة ما إذا كانت "تتقدم" أم لا؟ بل في معرفة ما الذي تغير على الأرض نتيجة هذا التقدم المفترض. نحن، هنا، لا نقول هذا الكلام انطلاقًا من حكمنا الأساسي على المسار التفاوضي بالفشل؛ وفقًا لقناعتنا منذ البداية بأنه تفاوض العار، بل ببساطة بعد إخضاعنا التفاوض للمعايير التي يفترض أن تحكم أي عملية تفاوضية: النتائج لا البيانات؛ والوقائع لا الانطباعات.

في معرض تفكيكنا وقراءتنا لخطاب الرئيس عون، يبرز ما تحدث به عن نتائج "صيغة الإطار". إذ يشير إلى أن حجم الاعتداءات "الإسرائيلية" على لبنان قد "انحسر". هذه نقطة تستحق التوقف عندها.. عن أي انحسار يتحدّث فخامته؟. فاتفاق الإطار العار أعطى العدو "الإسرائيلي" الضوء الأخضر لاستكمال تدمير ما تبقى في الجنوب؛ بعدما كان توقف هذا التدمير بفعل الاتفاق الإيراني - الأميركي. هنا، من المفيد لفت النظر إلى أنّ الجنوب لا يحتاج إلى اعتداءات أقل، بقدر ما يحتاج إلى انتهاء الاعتداءات وإلى ضمانات تسمح لأبنائه بالعودة والاستقرار وإعادة بناء ما تهدم.

لذلك؛ تحديدًا، تظهر أهمية الانتقال من اللغة السياسية العامة إلى مؤشرات ملموسة، يمكن للبنانيين أنفسهم قياسها.

من يحدد "الهدف اللبناني"؟

لكن العبارة الأكثر دلالة، في كلام رئيس الجمهورية، ربما كانت في قوله إن الوقت قد حان لكي "يرتاح ابن الجنوب"، بدل أن تستمر "الحروب التي تدار باسمه لأهداف غير لبنانية". هذه العبارة تفتح نقاشًا أوسع من مسألة التفاوض، يتعلق بمفهوم القرار الوطني نفسه.. فمن يحدد ما الهدف اللبناني؟ وهل كل خيار عسكري لا يصدر عن الدولة يصبح حكمًا ذا أهداف غير لبنانية؟ أم أن معايير لبنانية في أن أي خيار يجب أن يُقاس بما يحققه للبنان وبمدى ارتباطه بمصلحته الوطنية؟

يصبح هذا السؤال أكثر أهمية، في ظل تأكيد عون أن هدفه هو "إعادة بناء الدولة". حسنًا؛ هذا الهدف لا خلاف على أهميته. لكن إعادة بناء الدولة لا تعني فقط استعادة حقها في اتخاذ القرار، تعني أيضًا امتلاك الأدوات التي تسمح لها بتحويل هذا القرار إلى نتائج؛ فالدولة التي تقول إنها تريد انسحابًا "إسرائيليًا" كاملًا من أراضيها تحتاج إلى أكثر من إعلان هذا المطلب. هي تحتاج، في المسار التفاوضي، إلى آليات وضمانات وضغوط سياسية ودبلوماسية تضمن تنفيذ ما تتوصل إليه.

بناء على ما تقدم؛ تبدو المفارقة في خطاب عون واضحة: هو يؤكد، من جهة، أن التفاوض يحقق تقدمًا، ويؤكد من جهة أخرى أن إسرائيل لن تبقى "ولو على شبر واحد" من الأراضي اللبنانية. هذان الموقفان لا يتعارضان في ذاتهما، لكنهما يطرحان سؤالًا أساسيًا: كيف ستتحول الإرادة السياسية اللبنانية إلى واقع على الأرض؟. ..إذ إن التفاوض الناجح ليس ذاك الذي يتيح للدولة أن تقول إنها تفاوضت، بل ذاك الذي يمكّنها من انتزاع النتائج التي دخلت التفاوض من أجلها.. وبمقدار ما تنتجه من وقائع: انسحاب، وقف للاعتداءات، عودة الأسرى والأهالي وضمانات لإعادة الإعمار.

الكلمات المفتاحية
مشاركة