اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي معركة الساحل الغربي الاستباقية: صنعاء تُفشل مخططًا لإسقاط بـاب المندب

مقالات مختارة

ماذا قال رئيس الجمهورية عن برّي في لقاء واشنطن المُغلَق؟ عون لترامب: حزب الله
🎧 إستمع للمقال
مقالات مختارة

ماذا قال رئيس الجمهورية عن برّي في لقاء واشنطن المُغلَق؟ عون لترامب: حزب الله "سرطان"

58

إبراهيم الأمين - صحيفة الأخبار

هل تصدّقون أن زيارة الرئيس جوزيف عون إلى واشنطن كانت مُثمِرة؟

كثيرون لن يقبلوا بهذه النتيجة. حتى عون نفسه، ربما كان يأمل أن يعود من العاصمة الأميركية مُحمّلاً بالهدايا التي تعينه على تثبيت موقعه السياسي المُهتزّ بفعل خياراته السياسية الكبرى. لكن، للإنصاف، فإن عون الذي حمل إلى واشنطن الكثير من الأفكار والمطالب، نجح على الأقل في زرع فكرة سرعان ما تحوّلت إلى شعار، أطلقه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعد أقل من أسبوع على لقائه به.
ففي مقابلته مع شبكة «فوكس نيوز» الأميركية، في 29 تموز الماضي، كان ترامب يتحدّث عن الوضع في المنطقة، وعن إيران والقوى الحليفة لها، قبل أن يقول للمحاور، فجأة، إن «الميليشيات والوكلاء التابعين لإيران هم سرطان العالم»!

بدت العبارة، للوهلة الأولى، وكأنها عُصارة تفكير فريق العباقرة المحيط بالرئيس الأميركي. لكنّ التدقيق في الأمر يُظهِر أنه يعود إلى سبب آخر. فقبل ثمانية أيام من مقابلته التلفزيونية، كان الرئيس الأميركي يستضيف عون في البيت الأبيض، الثلاثاء 21 تموز 2026. وقبل الاجتماع المُغلق، تحدّث الرجلان في اللقاء الصحافي التقليدي الذي يسبق انتقالهما إلى «اجتماع العمل». واللافت أن ترامب، خلال ذلك اللقاء، تحدّث عن حزب الله، وأطلق عبارته الشهيرة: «إذا طلب مني الرئيس عون، فسوف أتحدّث مع حزب الله»!

يومها، انطلقت تحليلات كثيرة حول خلفية الموقف وأبعاده. لكن، من دون الغرق في تحليلات وتقديرات لا تبدو مفيدة في ظل توافر الوقائع، فإن ترامب كان قد سأل، قبل أشهر طويلة، عن سبب عدم التحدّث مع حزب الله إذا كان الهدف هو التوصل إلى اتفاق معه لإنهاء الحرب في لبنان. وهو السؤال نفسه الذي عاد ترامب وطرحه على عون في الاجتماع المُغلق. وربّما كان عون ينتظر من مضيفه أن يشرح له الموقف بطريقة مختلفة.

بعد عودة الجميع إلى بيروت، بمن فيهم السفير الأميركي ميشال عيسى، لاحظ كثيرون أن فريق رئيس الجمهورية لم يسرّب الكثير عن الزيارة. ثم توالت الأنباء عن رفض إسرائيل التقدّم في مسار التفاوض، لتزيد من إحباط فريق رئيس الجمهورية، الذي كان يمنّي نفسه بأن يقدّم له ترامب «هدية» على شكل خطوة ميدانية إسرائيلية، تعطي المعنى المُفترض لمسار المفاوضات المباشرة. وصار الجميع يسأل ويسأل، من دون الحصول على أجوبة شافية.

لكنّ صمت عون وفريقه لم ينسحب على السفير عيسى، الذي كان، كعادته، كثير الكلام والتبجّح. وفي معرض حديثه عن «تطابق وجهات النظر بين ترامب وعون»، تحدّث عن بعض ما دار في الاجتماع المُغلق.
طبعاً، لم يجب عيسى عن السؤال المتعلّق بما يملكه ترامب من تصوّر ومعلومات وأفكار عن لبنان. وعدم إجابته لم يكن، على الأرجح، بسبب نقص في المعطيات لديه، بل لأن الإجابة كانت ستكشف أمراً أكثر إحراجاً: إن ترامب فاجأ عون والحاضرين بسؤال دلّ على كارثة في فهمه ومعرفته بلبنان وموقعه. فعندما تطرّق الحديث إلى استئناف الرحلات الجوية للطيران الأميركي إلى لبنان، سأل ترامب عون: «هل لديكم في لبنان مطار حقيقي لاستقبال هذه الطائرات؟».

ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ. فقد أظهرت الجلسة أن الرئيس الأميركي لا يعرف عن لبنان إلا القليل، إلى درجة أنه أراد التأكد مما إذا كان اسم السفير ميشال عيسى، أو «مايكل» كما كان يناديه، يدل على شخص مسيحي أو على طائفة أخرى. وكانت فرصة جديدة أمام عون ليظهر في موقع «الأستاذ» الذي يعطي ترامب درساً في التاريخ والجغرافيا عن طبيعة لبنان وتركيبته. إلا أن عون كان يتهيّب الموقف، ولا سيما بعد اجتماعه، في اليوم السابق، بوزير الخارجية ماركو روبيو، الذي تبيّن لرئيس الجمهورية أنه مُطّلِع عن كثب على الوضع اللبناني وملفاته. كما أخذ عون في حساباته حواراته مع القيادات العسكرية والأمنية الأميركية التي يعرفها منذ وقت طويل.

وكان يمكن لسؤال المطار أن يمرّ مرور الكرام، أو أن يُفسَّر بأنه إشارة إلى عدم الرضى الأميركي عن الإجراءات الأمنية في مطار بيروت، أو حتى نقص في المعلومات حول حجم المطار وقدرته الاستيعابية. لكنّ السؤال يعود ليطرح نفسه بقوة حول معلومات ترامب عن لبنان والمنطقة عموماً، عندما تخرج روايات عن لقائه بالرئيس السوري أحمد الشرع، وعن سؤال ترامب له: «هل تفيدني بمعلومة، سيد أحمد: هل مساحة سوريا أكبر بكثير من مساحة لبنان؟».

طبعاً، هناك الكثير من النكات التي يردّدها دبلوماسيون اطّلعوا على الاجتماعات الخاصة بالحرب على إيران أو شاركوا فيها. لكنّ الصورة التي تتكوّن من مجمل هذه الوقائع أن الرجل الأبيض - الأشقر مختص أساساً بما يهمّه: الأعمال والصفقات. أمّا في بقية الملفات، فيتّكل على فريق يعمل معه لتزويده بالمعلومات وصياغة المواقف. وحين يتجرّأ أحد أفراد هذا الفريق على مخالفته، لا يتردّد ترامب في استخدام سيفه القوي للإطاحة به، سواء كان وزيراً، أو مسؤولاً مدنياً أو عسكرياً أو أمنياً، أو حتى جنرالاً في الحرب.

لكن لنعد قليلاً إلى ذلك اللقاء. فرئيس بلدنا المُفوّه، الذي يعيش رعب الاتفاق الأميركي - الإيراني، يعتقد منذ زمن طويل، وطويل جداً، أن حزب الله هو «مشكلة لبنان». وعندما صُدم قادة الحزب بانقلاب عون على كل ما «التزمه» معهم (وربما يضطرون في وقت ما إلى نشر ما لديهم حول هذه الأمور)، كان يحتاج إلى نقلة إضافية لإشهار حقيقة موقفه. وهو ما أخذ يتدرّج في القيام به، من آب 2025 إلى آذار 2026، قبل أن يرمي بنفسه في أحضان مفاوضات مع عدو لا يهتم أصلاً لسماع رأيه. ومع ذلك، فإن هاجس عون الوحيد هو كيفية التخلص من حزب الله. لذا، كيف سيكون عليه الوضع عندما يسأله رئيس الولايات المتحدة مباشرة عن سبب عدم الحديث مع الحزب؟

ولأن عون ليس مُنعدِم الحيلة، بادر إلى الردّ على سؤال ترامب بالحديث عن الحوار مع حزب الله، قائلاً إنه جُرّب أكثر من مرة من دون جدوى، وإن الحزب بات تحت قيادة إيرانية، وإن الشيعة في لبنان ليسوا معه كما يدّعي. وأضاف، بحسب ما نُقل عن مضمون النقاش، أن الرئيس نبيه بري يقول له صراحة إنه معه في المسار الذي يقوده، لكنه يريد تجنّب مشكلة شيعية - شيعية، وأنه لا يريد إحراج بري باستمرار بالحديث عن وجود توافق معه على ما تقوم به السلطة. ثم وصل عون إلى خلاصته الأهم، بالقول إن «حزب الله هو السرطان الذي يعاني منه لبنان، ولا يمكن علاجه بالمُسكِّنات أو الحلول الجزئية أو الحوار الفاشل، بل بالاستئصال التام»!

حسناً، لقد حقّق عون إنجازه الأكبر. فبعد عودته إلى بيروت، وغرقه في إحباطه لعدم حصوله على «هدايا» سياسية بعد الزيارة، دخل عليه من يقول له: لا تهتم بما يقال، فأنت بتّ تؤثّر في خطاب رئيس الولايات المتحدة. لقد قال ترامب تماماً ما قلته له عن حزب الله، بل عمّم الوصف على كل من يتعامل مع إيران!

لكن ما لم يرد في محاضر الاجتماعات الرسمية، وما لم يأتِ السفير الأميركي على ذكر تفاصيله، وصل عبر قنوات أخرى بصورة أكثر وضوحاً. فبحسب هذه المعطيات، يعمل عون وفريقه بلا كلل على مشروع «استئصال حزب الله» عسكرياً وسياسياً واجتماعياً وتربوياً ومعنوياً. وفي هذا السياق، يوافق عون، من دون نقاش، شأنه شأن مساعده الحكومي نواف سلام، على اتخاذ خطوات لا تقتصر على محاولة نزع سلاح المقاومة، بل بإعلان الموافقة على شرط إسرائيل بربط الانسحاب الكامل من لبنان بنزع كامل لسلاح المقاومة من كل لبنان.

وبالتوازي، يوافق عون ويلحّ على إجراءات يُفترض بالمؤسسات التنفيذية اتخاذها، بدءاً من ملف «القرض الحسن» ومنع وصول أي أموال إلى الحزب، وصولاً إلى قوله صراحة: لن أسمح بوصول أي أموال إلى حزب الله ولو تحت مُسمّى إعادة الإعمار، ولن أقبل بدخول أي أموال إيرانية ولو كانت بهذا العنوان نفسه، ولن نسمح لأحد بإعادة الإعمار خارج رقابتنا الكاملة التي تشمل مصدر الأموال وليس طريقة البناء فقط!

كان الراحل زياد الرحباني يحب كلمة «الوضوح»، وكان يقول إن أفضل الخصوم أوضحهم. وفي حالتنا هذه، ربّما يكون أفضل ما يمكن أن يفعله جوزيف عون هو أن يكون أكثر وضوحاً في موقفه وموقعه من الصراع الكبير، بل وحتى في الطريقة التي يدير بها البلاد. فهل انتبه الناس إلى أنه، وفي حضرة «الديكتاتور الأكبر في العالم»، قال إن الاتفاق مع إسرائيل لا يحتاج إلى قرار من مجلس الوزراء ولا إلى قانون من مجلس النواب؟ وهل بدأنا نتعرّف إلى ملامح «دستور لبنان الجديد»، الذي يبدو أن قانوناً جديداً للإعلام أُعدّ له، لا بهدف الإشارة إلى الأخطاء ومُساءلة السلطة، بل بهدف محو أي أثر سياسي أو إعلامي لمن يعارض هذا الديكتاتور الصغير؟

بعد أسبوعين على عودة عون من الولايات المتحدة، ألقى الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، في 4 آب، خطاباً تناول فيه الوضع الداخلي، وتحدّث للمرة الأولى بلهجة مختلفة عن رئيس الجمهورية وموقعه من الخلاف القائم، قائلاً: «الرئيس عون لم يعمل كحكم وجامع، بل أصبح طرفاً ومُفرِّقاً، وهذا ما لا ينسجم أبداً مع دوره ومع قوة لبنان»!

الكلمات المفتاحية
مشاركة