عين على العدو
رأى عاموس هرئل محلل الشؤون العسكرية، في صحيفة "هآرتس" العبرية، أن: "بين السطور، يبرز احتمال أن يكون رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب يحاول التلميح لنا بأن الحرب انتهت". مشيرًا إلى أن: "ترامب، في تصريحاته الأخيرة، يُكثر من الحديث عن زيادة الضغط الاقتصادي على إيران ومواصلة الحصار الذي سيُفرض جنوب مضيق هرمز. لكن في الوقت الحالي، يبدو أن التهديدات المتكررة بتصفية رؤوس النظام في طهران وسحق الحضارة الفارسية وإعادتها آلاف السنين إلى الوراء، قد تراجعت قليلًا".
يتابع الصحفي في تقرير له، اليوم الأربعاء (12 آب/أغسطس 2026): "لقد تعلمنا، بالطريقة الصعبة، أن ترامب يميل كثيرًا إلى تغيير رأيه. لكن اتجاهًا واحدًا بقي واضحًا إلى حد كبير منذ عدة أشهر: الرئيس ليس متحمسًا لاستئناف الحرب على إيران على نطاق كامل، وعند الحاجة سيحاول إيجاد ذريعة لعدم القيام بذلك. في المرات التي يفكر فيها مع ذلك في العودة إلى عمل عسكري، يحدث ذلك أساسًا لأن الإيرانيين لا يتركون له خيارًا. من وجهة نظره، استفزازاتهم وانتهاكاتهم المتكررة لمذكرة التفاهم، والتي وُقعت في حزيران/يونيو، تدفعه إلى الزاوية وتجبره على العودة لإثبات القوة الأميركية".
أضاف: "في الوقت الذي تدور مواجهة غير مستقرة في الخليج، ليست اتفاقًا وليست حربًا، يفرض ترامب قدرًا معينًا من ضبط النفس في استخدام القوة على "إسرائيل" أيضًا، في ساحات إضافية. في لبنان، يُحافظ عمومًا على وقف إطلاق النار الذي أُعلن في منتصف تموز/يوليو، وتتواصل محادثات سياسية مباشرة بين دبلوماسيين وضباط من الدولتين برعاية أميركية. وتتناول المفاوضات صيغة تشمل انسحابًا "إسرائيليًا" من جنوب لبنان مقابل خطوات تدريجية لنزع سلاح حزب الله".
يتابع هرئل: "أما في قطاع غزة، فالمطالب الأميركية في الوقت الحالي أكثر تحديدًا وتشددًا. تدفع الإدارة قدمًا بخطة النقاط الـ 15 لمجلس السلام الدولي، وتحظر على "إسرائيل" مواصلة الهجمات ضد "المخربين" (المقاومين) الذين شاركوا في هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر (2023)، وتضغط عليها للاستعداد لانسحاب في المستقبل ولبدء إعادة إعمار البنى التحتية المدنية في المناطق التي ستخليها داخل القطاع".
كما أشار إلى أنه: "بعد أكثر من أسبوع من المماطلة، أعلن نتنياهو رسميًا أن الخطة غير مقبولة بالنسبة إليه، فطرح عدة تحفظات. لكنّ الأميركيين يواصلون عمليًا الدفع قدمًا بالتسويات، فيما يوجّه البيت الأبيض إحاطات للصحفيين تفيد بأنه يدرك الضائقة السياسية الداخلية التي يواجهها بنيامين نتنياهو، لكنه مقتنع بأن رئيس الوزراء سيقبل بالأمر الواقع".
تحدث هرئل، أيضًا، عن: "جهود بُذلت لتهدئة المواقف من جانب أشخاص في فريق رئيس "مجلس السلام"، مثل نيكولاي ملادينوف، إزاء مسؤولين كبار في حركة "الأمنيين". هو منتدى يميني تتطابق مواقفه، في كثير من الأحيان، مع مواقف نتنياهو". وقال: "إن الهدوء النسبي، عند كثيرين في اليمين، مع أن الحكومة تخلت عمليًا عن رؤية النصر المطلق على حماس، يشير إلى أن الأمور أكثر تعقيدًا مما يعرضه رئيس الوزراء".
وأكد: "هذا لا يعني أن الليكود يتخلى عن جهوده أمام الجمهور". وقال: "يوم أمس، وبعد رفع تعتيم رقابي استمر طويلًا، نُشر في عدة وسائل إعلام تقرير غامض نوعًا ما: دولة عربية نصحت دولة أخرى بالتوصل إلى اتفاق "سلام" مع "إسرائيل"، ثم تعزيز قوتها عسكريًا والاستعداد لمهاجمتها. الخلاصة المستفادة من هذه المعلومات الجزئية: لا يجوز الوثوق بالعرب".
أضاف: "قبل ذلك بعدة أيام، انتشر خبر مفبرك عن أقوال نُسبت إلى قائد الحرس الثوري الإيراني، زُعم أنه تحدث فيها لمصلحة الاستثمار في المشروع النووي. عرض نتنياهو وقناة النظام 14 وعدة وسائل إعلام مؤيدة في الخارج هذه الأقوال على أنها حقيقة، إلى أن فنّدها خبراء. في هذه القصة يمكن رصد أصداء لقضيتي صحيفة "بيلد" الألمانية والإحاطات القَطرية، واللتين تورط فيهما عدد من مستشاري نتنياهو قبل نحو عامين. يستمر الاستخدام الإبداعي للمعلومات الاستخبارية والحقائق طوال الحملة الانتخابية".
فقدان السيطرة في الضفة
في سياق آخر؛ رأى هرئل أن: "الهجوم العنيف الذي تعرض له، أول أمس الاثنين، طاقم صحيفة "هآرتس، المراسلة متان غولان والمصور إيتاي رون، على أيدي مستوطنين في الضفة الغربية، يعكس صورة أوسع وأكثر إثارة للقلق". وقال: "في الأشهر الأخيرة تجري، تحت عنوان فقدان قوات الأمن السيطرة بشكل كامل في الضفة، في وقت يستولي فيه مستوطنون، بتشجيع نشط من وزراء في الحكومة وأعضاء كنيست من الائتلاف، على المزيد والمزيد من المناطق في أراضي B، ويقيمون عشرات المزارع والبؤر الاستيطانية، ويدفعون بشكل ممنهج التجمعات الفلسطينية بعيدًا عن أراضيها".
كذلك أشار إلى أن جيش الاحتلال وشرطته: "يراقبان ما يجري من الجانب في كثير من الأحيان بلا مبالاة، بينما يوفران مظلة أمنية لأصحاب المزارع. في مرات كثيرة، يتعاون الجنود والشرطة أيضًا مع هذه التحركات، بقصد واضح. يقرّ مسؤولون كبار، في المؤسسة الأمنية والعسكرية، بأنه لا قانون ولا حسيب في المناطق، ويقولون إنه على خلفية المعركة الانتخابية يطلق السياسيون تصريحات أكثر تطرفًا، على أمل الحصول على دعم المستوطنين، لا سيما في ظل الانتخابات التمهيدية في "الليكود"".
وتابع: "في حادثة أول أمس في قرية قصرة، كما وثّقها غولان ورون، ظهر تجند كامل لقوة عسكرية صغيرة، ضمت جنود احتياط من قيادة الجبهة الداخلية. ساعد الجنود مستوطنين عنيفين أقاموا بؤرة استيطانية على أرضٍ فلسطينية، وحاولوا طرد أصحابها من منزلهم، ومنعوا بالقوة طاقم "هآرتس" من المرور. تتغير ملامح الضفة بصورة كاملة، وعشرات المستوطنات والبؤر الاستيطانية التي أُقيمت بمبادرة من الوزير بتسلئيل سموتريتش تزيد مساحة الأراضي الواقعة بأيدي المستوطنين. كما أنها تخلق مساحات احتكاك هائلة بينهم وبين الفلسطينيين، بطريقة تستلزم تخصيص قوات عسكرية كبيرة لتأمينهم".
ووصف هرئل ما يجري في الضفة الغربية بأنه: "عنف ممنهج، تنفذه منظومة تضم أيضًا ذراعًا سياسية، هي الوزراء ورؤساء المجالس، وذراعًا عسكرية، هي البلطجية في الميدان". مشيرًا إلى أن: "الهدف النهائي هو طرد الفلسطينيين والاستيلاء على المزيد من الأراضي. قصرة حالة متطرفة بالفعل، لكنها ليست نادرة بصورة خاصة".
وأضاف: "الجنود وعناصر الشرطة لا يعملون في الميدان بصفتهم ممثلين لسلطة القانون الإسرائيلية، وغالبًا لا يشغلون أنفسهم بفرضه. من وجهة نظرهم، تتمثل مهمتهم الأساسية في حماية المستوطنين وحتى مساعدتهم. أما الضباط القلائل الذين يفكرون بطريقة مختلفة، فيردعهم النفوذ السياسي لقيادة المستوطنين، ويرون كيف تتجنب القيادة العليا قدر الإمكان الدخول في مواجهة معها. هذا الواقع السياسي يتجسد يوميًا، في عشرات الحوادث الأصغر.. ولأن من يدفع الثمن، في معظمها، هم السكان الفلسطينيون، فإن هذه الأمور تكاد لا تصل إلى علم غالبية جمهور وسائل الإعلام "الإسرائيلية"".
وقال: "عندما تتفرغ القنوات التلفزيونية في إسرائيل لتغطية مثل هذه الحوادث، فهي تشدد أساسًا على الضرر الذي قد تلحقه بمكانة "إسرائيل" الدولية وعلى التقارير السلبية في وسائل الإعلام الأجنبية. لكن المشكلة أبعد بكثير من أن تكون مجرد مشكلة صورة. الضفة والقدس الشرقية ستتحولان إلى جبهتين مرشحتين للانفجار؛ كلما اقتربت الانتخابات. يبدو أن نتنياهو ما يزال يتصرف باقتناع بأن تصعيد الاحتكاك الأمني، عشية الانتخابات، سيخدمه، ويصرف النقاش العام عن مسألة مسؤوليته عن الإخفاقات التي سمحت بوقوع هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول (2023)".
كاتس نجا من الانتخابات التمهيدية
في سياق آخر؛ قال هرئل: "في الليلة الماضية؛ تلقى وزير الدفاع يسرائيل كاتس الخبر الذي كان ينتظره منذ وقت طويل: نتنياهو قرر منحه مكانًا مضمونًا ومتقدمًا في قائمة الليكود للكنيست، بعدما توقعت استطلاعات الرأي حصوله على شعبية متدنية. التسويغ الغريب نوعًا ما الذي قدمه رئيس الوزراء هو أن ذلك سيسمح لكاتس بالتركيز على إدارة وزارة الدفاع خلال القتال".
كما رأى الكاتب أن القرار سيوفر على جمهور المستوطنين، على الأقل، المزيد من مقاطع الفيديو الغريبة المصنوعة بالذكاء الاصطناعي التي نشرها وزير الحرب مؤخرًا، مثل "كاتس المدفع" و"بوم بوم". برأيه أن مشاهدتها كانت تنطوي على إحراج حقيقي، لكن حملة كاتس داخل "الليكود" تضمنت جوانب أسوأ من مجرد الشعور بعدم الارتياح. أولًا، المقاطع الصبيانية التي تعاملت مع ساحات القتل التي يغرق فيها الجيش "الإسرائيلي" وكأنها لعبة حاسوب، تجاهلت تمامًا الثمن الذي دُفع بالأرواح، وجرحت مشاعر العائلات الثكلى".
وتابع: "ثانيًا، وربما الأخطر، أن كاتس استفز إيران بصورة ممنهجة، بطريقة كان من الممكن أن تنعكس حتى على الواقع الأمني. قد يكون من المرجح أنهم في طهران أيضًا توقفوا بالفعل عن أخذه على محمل الجد؛ لكن عندما حرص كاتس على الإعلان أن طائرات أميركية أقلعت من "إسرائيل" لشن هجمات في الخليج، وهي معلومة منعت الرقابة وسائل الإعلام نشرها، كان ذلك لعبًا خطيرًا من الممكن أن يعمّق تورط "إسرائيل" في الخليج".