اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي لقاء موسّع لبلديات جبل عامل الأولى: توحيد للجهود ولجنة مشتركة لمتابعة ملف النازحين

خاص العهد

إقرار قانون معالجة أوضاع المصارف.. هل يعالج جوهر الأزمة المالية؟
🎧 إستمع للمقال
خاص العهد

إقرار قانون معالجة أوضاع المصارف.. هل يعالج جوهر الأزمة المالية؟

74

في وقت يواصل فيه لبنان البحث عن مخارج لأزمة القطاع المصرفي التي دخلت عامها السابع، أقرّ مجلس النواب تعديلات على قانون معالجة أوضاع المصارف، وسط انقسام حول طبيعة الإصلاح المطلوب، وحدود صلاحيات مصرف لبنان، ودور صندوق النقد الدولي، ومصير المودعين الذين ما زالت ودائعهم عالقة منذ اندلاع الأزمة المالية في عام 2019.

التعديلات الجديدة أعادت إلى الواجهة أسئلة جوهرية تتجاوز النصوص القانونية نفسها: هل المطلوب إعادة هيكلة فعلية للقطاع المصرفي أم إعادة إنتاج المنظومة ذاتها؟ ومن يملك حق تحديد مصير المصارف المتعثرة؟ وهل تُفصل الرقابة عن السلطة التنفيذية داخل مصرف لبنان؟ والأهم، من سيتحمل في النهاية فاتورة الانهيار المالي؟

في هذا السياق، يرى الخبير في الاقتصاد والأسواق المالية عماد عكوش، في حديث لموقع "العهد الإخباري"، أن التعديلات التي أقرها مجلس النواب لا تحمل تغييرًا جوهريًا قادرًا على معالجة أصل الأزمة، معتبرًا أن بعض المواد بقيت مرتبطة بصلاحيات حاكم مصرف لبنان، فيما ظل قانون الفجوة المالية الحلقة الأساسية المفقودة التي يتوقف عليها تحديد مصير الودائع والخسائر.

ويحذر عكوش من أن استمرار التأخير في معالجة الأزمة قد يؤدي إلى ضياع القدرة على المحاسبة والتدقيق، مؤكدًا أن الأزمة المصرفية ليست وليدة عام 2019، بل نتيجة تراكمات وسياسات امتدت لسنوات طويلة.

التعديلات لم تكن كافية لإحداث إصلاح فعلي

يبدأ عكوش قراءته بالتأكيد أن التعديلات التي أقرها المجلس النيابي على قانون معالجة أوضاع المصارف لم تكن، برأيه، بالقدر الذي يسمح بالحديث عن تحول جوهري في مسار إصلاح القطاع المصرفي.

ويشير إلى أن النقاش الأساسي تركز على عدد من المواد، ولا سيما المواد 3 و11 و13، موضحًا أن جوهر الخلاف لم يكن فقط حول الصياغة القانونية، بل حول طبيعة الصلاحيات التي ستبقى قائمة في المرحلة المقبلة.

وفي ما يتعلق بالمادة الثالثة، يلفت عكوش إلى أن الصيغة التي كانت مطروحة كانت تربط العمليات الإصلاحية والإدارية بأحكام قانون النقد والتسليف، الأمر الذي كان سيُبقي جزءًا أساسيًا من عملية الإصلاح تحت تأثير صلاحيات حاكم مصرف لبنان والمجلس المركزي.

ويقول إن الحاكم كان متمسكًا بهذا الربط، إلا أن مجلس النواب رفض الصيغة، لأن الأخذ بها كان سيعني، عمليًا، أن أي إصلاح جديد سيعود إلى المرجعية ذاتها والصلاحيات الممنوحة للحاكم بموجب قانون النقد والتسليف.

ويضيف: "لم نحرر عملية الإصلاح من صلاحيات الحاكم، وهي كبيرة جدًا في هذه المادة"، معتبرًا أن أي عملية إصلاح تقوم بها الحكومة أو الهيئة التي قد يتم تشكيلها لمعالجة أوضاع المصارف ستبقى مقيدة بالصلاحيات القائمة.

إعادة الهيكلة: هل يعود من تسبب بالأزمة لإدارة المصارف؟

ينتقل عكوش إلى المادة 11، التي يرى أنها تمس واحدة من أكثر القضايا حساسية، وهي هوية الأشخاص الذين يحق لهم العودة إلى ملكية المصارف أو المشاركة في إعادة رسملتها بعد إعادة الهيكلة.

ويشرح أن صندوق النقد الدولي كان يطالب بإبعاد كبار المساهمين الذين كانوا يديرون المصارف عن إدارة المصارف الجديدة أو المشاركة في إعادة رسملتها.

والمنطق، بحسب عكوش، هو أنه لا يجوز أن يحصل من كان جزءًا من الإدارة التي ساهمت في الوصول إلى الأزمة على فرصة للعودة مجددًا إلى إدارة المصرف بعد إعادة هيكلته.

لكن النقاش اتجه إلى توسيع دائرة الاستبعاد لتشمل المساهمين الذين شاركوا في إدارة المصرف، بما يتيح في المقابل إعطاء فرصة لمساهمين لم تكن لهم أدوار إدارية سابقة.

ويقول عكوش إن المسألة لا تتعلق فقط بحجم حصة المساهم، بل بالدور الذي لعبه في إدارة المصرف، لأن امتلاك الأسهم لا يعني بالضرورة أن صاحبها كان مسؤولًا عن القرارات التي أدت إلى الأزمة.

قانون الفجوة هو مفتاح كل شيء

لكن الإشكالية الأكبر، وفق عكوش، تكمن في أن قانون معالجة أوضاع المصارف لا يمكن أن يعمل بمعزل عن قانون الانتظام المالي أو ما يُعرف بقانون الفجوة المالية.

ويشير إلى أن المادة المتعلقة بتطبيق القانون بقيت مرتبطة بإقرار قانون الفجوة، وهو الأمر الذي اعتبره عكوش نقطة خلاف أساسية مع رؤية صندوق النقد الدولي.

فالصندوق، بحسب قراءته، كان يدفع باتجاه إمكانية البدء بإعادة هيكلة القطاع المصرفي حتى لو تأخر قانون الفجوة، فيما تمسكت لجنة المال والموازنة ومجلس النواب بفكرة الربط بين الملفين.

ويؤيد عكوش هذا الربط من زاوية أن إعادة هيكلة المصارف لا يمكن أن تكون منفصلة عن معالجة مشكلة الودائع.

ويطرح السؤال: كيف يمكن إعادة هيكلة المصارف قبل تحديد حجم الخسائر، وتحديد من يتحملها، وكيف ستُرد أموال المودعين؟

صندوق النقد أصبح عامل الضغط الأكبر

وعن دور صندوق النقد، يرى عكوش أن المسألة تعكس تحولًا مهمًا في طريقة صناعة القرار الاقتصادي في لبنان.

ويعتبر أن هناك تضاربًا بين مقاربة لجنة المال والموازنة ومقاربة صندوق النقد، لافتًا إلى أن اللجنة، في بعض مراحل النقاش، كانت تتعامل مع القانون من زاوية حماية القطاع المصرفي أكثر من حماية المودعين أو تحقيق إصلاح فعلي.

ويقول إن لبنان وصل إلى مرحلة أصبح فيها صندوق النقد الدولي عامل ضغط أساسيًا لفرض الإصلاح، خصوصًا في ظل غياب قدرة داخلية على حسم الملفات المالية والمصرفية.

لكن عكوش يحذر من أن الإصلاح المفروض من الخارج لا يعني بالضرورة أن نتائجه ستوزع الخسائر بصورة عادلة، مشيرًا إلى أن السؤال الأساسي يبقى: من سيدفع ثمن الأزمة؟

التأخير في قانون الفجوة ليس تفصيلًا

يرى عكوش أن التأخير في إقرار قانون الفجوة المالية ليس مسألة تقنية بسيطة، بل له تداعيات مباشرة على إمكانية المحاسبة واستعادة الأموال.

ويشير إلى أن الأزمة بدأت عام 2019، ونحن اليوم في عام 2026، أي أن نحو سبع سنوات مرت منذ الانهيار.

ويحذر من أن مرور الوقت قد يؤدي إلى تراجع القدرة القانونية والعملية على التدقيق في الوقائع السابقة، خصوصًا أن عمليات التحقيق والتدقيق في بعض الملفات تخضع لمهل زمنية محددة.

ومن هنا، يعتبر أن استمرار التأخير قد يؤدي إلى ضياع فرصة محاسبة المسؤولين عن القرارات والسياسات التي سبقت الانهيار.

وبالنسبة إلى عكوش، لا يمكن أن تكون إعادة الهيكلة مجرد تغيير شكلي في أسماء المصارف أو إعادة رسملة المؤسسات القائمة.

ويشدد على ضرورة أن تشمل إعادة الهيكلة تغييرًا حقيقيًا في الإدارة والملكية، خصوصًا بالنسبة إلى الأشخاص الذين كانوا جزءًا من المنظومة التي قادت المصارف قبل الأزمة.

ويعتبر أن موقف صندوق النقد في هذا الجانب، لناحية استبعاد الإدارات التي كانت موجودة خلال الفترة التي سبقت الانهيار، يحمل أهمية، حتى لو كانت هناك خلافات حول آلية تطبيقه.

ويرى أن السماح لمن تسببوا في الأزمة بالعودة إلى إدارة المصارف، ولو عبر مساهمات أو ترتيبات غير مباشرة، يعني عمليًا إعادة إنتاج المشكلة نفسها.

صلاحيات الحاكم وتضارب المصالح

من أكثر الملفات حساسية في حديث عكوش مسألة العلاقة بين حاكم مصرف لبنان والهيئات الرقابية.

ويحذر من أن وجود الحاكم على رأس السلطة التنفيذية في مصرف لبنان، بالتزامن مع ارتباط الهيئات الرقابية به، يخلق مشكلة واضحة في تضارب المصالح.

ويشير إلى أن الحاكم يرأس الهيئة المصرفية العليا، فيما تقدم لجنة الرقابة على المصارف تقاريرها إليه، بينما يتمتع الحاكم في الوقت نفسه بصلاحيات تنفيذية واسعة.

ويضيف أن قانون النقد والتسليف يمنح الحاكم أيضًا صلاحيات تتعلق بالتسهيلات الائتمانية للمصارف، فضلًا عن صلاحيات أخرى مرتبطة بالحكومة.

وبالتالي، يرى أن المشكلة ليست فقط في مقدار الصلاحيات، بل في تداخل الصلاحيات التنفيذية والرقابية.

ويقول إن الرقابة الحقيقية لا يمكن أن تكون مستقلة إذا كانت الجهة الرقابية مرتبطة مباشرة بالجهة التي تتولى السلطة التنفيذية.

وعليه، يشدد عكوش على ضرورة الفصل بين السلطة التنفيذية والسلطة الرقابية داخل مصرف لبنان، ويقول إن "حاكم مصرف لبنان يجب أن يكون مسؤولًا عن الإدارة وتنفيذ قرارات المجلس المركزي، بينما يجب أن تكون الرقابة على القطاع المصرفي مستقلة وقادرة على اتخاذ قراراتها من دون تدخل".

ويعتبر أن التداخل الذي حصل في السابق بين السلطة التنفيذية والرقابية كان أحد العوامل التي سمحت بتراكم المشكلات.

ويضيف أن أي إصلاح حقيقي يجب أن يبدأ من إعادة تعريف الأدوار: الحاكم يدير، والهيئات الرقابية تراقب، والجهات القضائية تحاسب. أما استمرار جمع هذه الوظائف في إطار واحد، فيعني، وفق عكوش، أن لبنان قد يعيد إنتاج الظروف التي سمحت بوقوع الأزمة.

ماذا عن انسحاب كريم سعيد من لجنة قانون الانتظام المالي؟

وعن انسحاب حاكم مصرف لبنان كريم سعيد من اللجنة المعنية بقانون الانتظام المالي، يرى عكوش أن الانسحاب حصل بصفته الشخصية، ولا يعني إلغاء الدور الأساسي لمصرف لبنان في هذا الملف.

لكنه يعيد التأكيد على المشكلة نفسها: ما هو الدور الذي يجب أن يؤديه الحاكم؟

ويعتبر أن دوره ينبغي أن يكون إداريًا وتنفيذيًا، لا رقابيًا، وأن مشاركته في لجان رقابية أو امتلاكه سلطة مباشرة على هيئات رقابية يطرح إشكالية تضارب المصالح.  

هل يمكن أن تتكرر الأزمة؟

يحذر عكوش من أن عدم معالجة بنية النظام الرقابي قد يترك الباب مفتوحًا أمام تكرار الأزمة. ويقول إن السؤال ليس فقط: "هل سيكرر الحاكم الحالي ما حدث في الماضي؟ بل الأهم: هل يمنع النظام القانوني أي حاكم مستقبلي من تكرار التجربة؟"

ويشير إلى إمكانية تعرّض أي مسؤول في المستقبل لضغوط سياسية أو خارجية، معتبرًا أن المطلوب هو بناء نظام مؤسساتي لا يعتمد على شخصية الحاكم، بل يضع ضوابط واضحة تحول دون إساءة استخدام الصلاحيات.

المودع هو الخاسر الأكبر

وفي خلاصة موقفه، يضع عكوش المودعين في صدارة الخاسرين من المسار الحالي. ويقول بوضوح: "للأسف، الواضح اليوم من خلال إقرار هذه المواد ومن خلال التأخير في إصدار قانون الفجوة المالية أن المودع هو الذي سيدفع الثمن".

ويشير إلى أن القيمة الفعلية للوديعة تراجعت بشكل كبير، معتبرًا أن المودع سيواجه خسائر كبيرة في حال تطبيق الصيغ المطروحة لمعالجة الفجوة المالية.

وبحسب قراءته، فإن أصحاب المصارف قد يتمكنون، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من العودة إلى القطاع المصرفي بعد إعادة الهيكلة، سواء عبرهم شخصيًا أو من خلال أفراد من عائلاتهم أو شبكات مرتبطة بهم.

في المقابل، يبقى المودع الطرف الأضعف، لأنه لا يملك القدرة نفسها على التأثير في التشريع أو في عملية إعادة هيكلة القطاع.

ويخلص عكوش إلى أن المسار الحالي قد يؤدي إلى نتيجة غير متوازنة، بحيث يتحمل المودعون الجزء الأكبر من الخسائر، فيما يحتفظ القطاع المصرفي بقدرته على إعادة إنتاج نفسه.

ويرى أن المستفيد الأكبر سيكون، وفق هذا المسار، القطاع المصرفي والمنظومة الاقتصادية والسياسية المرتبطة به، التي استفادت في مراحل سابقة من الاستنسابية في إدارة الأزمة وتوزيع الخسائر.

ويؤكد أن الإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يقوم على إعادة هيكلة شكلية، بل يحتاج إلى معالجة جذور الأزمة، وتحديد المسؤوليات، واستقلال الرقابة، والفصل بين السلطات التنفيذية والرقابية، وإقرار قانون واضح لتوزيع الخسائر وحماية حقوق المودعين.

ويختم عكوش بتحذير أساسي: "إذا لم تُعالج بنية النظام المصرفي والرقابي التي أنتجت الأزمة، فإن لبنان لا يكون قد حلّ المشكلة، بل يكون قد أجّلها، مع احتمال إعادة إنتاجها في المستقبل".

الكلمات المفتاحية
مشاركة