اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي تحليل "إسرائيلي": الضفة الغربية على شفا انفجار

نقاط على الحروف

بالوقائع.. هذا ما فعلته السلطة لأسرى لبنان
🎧 إستمع للمقال
نقاط على الحروف

بالوقائع.. هذا ما فعلته السلطة لأسرى لبنان

ماذا فعلت السلطة اللبنانية في قضية الأسرى؟
261

دكتوراه في علوم الإعلام والاتصال 

في حسابات الدول، لا يُقاس ملف الأسرى بعدد الأسماء الواردة على اللوائح، بل بما تمثّله قضية الأسير للدولة نفسها. لذلك، غالبًا ما تتحوّل قضايا الأسرى إلى ملفات دائمة على أجندات الدول، تُتابع عبر القنوات الدبلوماسية والقانونية والإنسانية، ويُبذل في سبيلها ما أمكن من ضغوط واتصالات ومفاوضات. فماذا عن لبنان؟ بعد نحو عامين على أسر لبنانيين في سجون العدو "الإسرائيلي"، ماذا فعلت الدولة؟ وما الذي تغيّر في هذا الملف؟ وماذا فعلت وزارة الخارجية؟ وما الذي حمله المسار "التفاوضي" إلى قضية الأسرى؟

للإجابة عن هذه الأسئلة، تكفي العودة أشهرًا إلى الوراء، وتحديدًا إلى 12 كانون الأول/ديسمبر 2025، وهو اليوم الذي استقبل فيه رئيس الجمهورية جوزاف عون وفد الجمعية اللبنانية للأسرى والمحررين، بعد ما يقارب أربعة أشهر على طلب الوفد موعدًا للقائه. قضية بهذه الحساسية والجدية انتظرت كل هذا الوقت، ليجد رئيس البلاد موعدًا على أجندته "المزدحمة" لاستقبال العائلات. وفي هذا السياق، لا داعي لتقييم الضيوف الذين يستقبلهم دوريًا، وما إذا كانوا يستوفون شروط الأولوية، بقدر ما يستحق ملف الأسرى نفسه أن يكون أولوية. فأربعة أشهر من الانتظار للحصول على موعد مع رئيس الجمهورية ليست تفصيلًا عابرًا في قضية يفترض أن تكون في صلب مسؤوليات الدولة.

ومن هنا، يُقرأ المكتوب من عنوانه، أو بالأحرى، يُقرأ الاهتمام بالملف من طريقة التعامل معه. فحين تنتظر عائلات الأسرى أشهرًا للوصول إلى رأس الدولة، يصبح السؤال مشروعًا: أين يقع ملف الأسرى على سلّم أولويات السلطة اللبنانية؟ وهل يدرك أصحاب السلطة أنّ هناك عائلات لبنانية تنتظر منذ أشهر خبرًا عن أبنائها؟ وأحيانًا، لا تملك هذه العائلات سوى معلومة غير مكتملة: كان الأسير في مكان ما، ثم نُقل إلى سجن آخر. تعيش العائلات على أمل الحصول على كلمة واحدة عن أبنائها، كلمة تمدّها بالأمل والعزيمة، فيما تصل المعلومات في بعض الأحيان عبر مصادر غير رسمية أو من خلال أسير أُفرج عنه في سياق آخر. وهنا السؤال: لماذا تصل المعلومة إلى العائلة من خارج الدولة، بينما يفترض أن تكون الدولة هي الجهة التي تملك آليات متابعة مصير مواطنيها؟

لكن الطامة الكبرى في قضية الأسرى لا تكمن فقط في تقاعس الدولة عن القيام بمسؤولياتها، بل في إبقاء أهالي الأسرى أسرى الوعود أيضًا، من خلال الحديث في الإعلام عن أجواء إيجابية وتقدّم في مقاربة ملفهم خلال مفاوضات روما، فيما لا ينعكس شيء من ذلك على الأرض، ولا تزال حصيلة المفاوضات في ملف الأسرى صفرًا أو ما دونه، وفق ما يؤكّد متابعون عن كثب للملف.

لا تقدم ولا شيء جدي

عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب حسين الحاج حسن، والذي يتابع قضية الأسرى عن كثب، يسأل  عبر موقع "العهد" الإخباري السلطة اللبنانية أين التقدم الذي يُشاع في ملف الأسرى؟. ويضيف: "فليقل لنا أصحاب السلطة ما هو الشيء الجدي؟ وأين التقدم الذي يشيعونه حول مفاوضات روما؟". وهنا، يؤكّد الحاج حسن أنّ كل المؤشرات والمعلومات تقول إنه لا يوجد تقدم ولا شيء جدي ولا نتائج، والأمر حتى الآن كله "حكي" وبيع شعارات زائفة ومضللة وفارغة.

ويشير الحاج حسن إلى أنّ السلطة اللبنانية من خلال اتفاق الإطار الذي وقّعته مع العدو برعاية أميركية، ربطت قضية الأسرى بملف رفات الطيار "الإسرائيلي" رون أراد  المفقود منذ أربعة عقود. وفق الحاج حسن، هذه "خطيئة كبيرة "جعلت قضية الأسرى رهينة مزاج العدو ومطالبه التعجيزية وسياساته العدوانية.

وفي سياق حديثه عن تنازلات السلطة وخنوعها، يلفت الحاج حسن إلى أنّه كان هناك معتقل "إسرائيلي" موجود في لبنان، وقد أُطلق سراحه، معتبرًا أنّ ذلك يشكّل جزءًا من "مسلسل التنازلات اللبنانية السلطوية أمام العدو". برأي الحاج حسن، هذه التنازلات تزيد هذه السلطة بؤسًا وذلًا وهوانًا أمام العدو، وتعقّد قضية الأسرى وتُبعد حريتهم. وهنا، يحمّل عضو كتلة الوفاء للمقاومة السلطة مسؤولية هذه التعقيدات التي تطاول حرية الأسرى وكرامتهم، واصفًا إياها بـ"المتخاذلة والمتهاونة".

ويؤكد الحاج حسن أنّ السلطة اللبنانية حتى اليوم لم تستطع ومعها "الصديق" دونالد ترامب والمجتمع الدولي الضغط على العدو "الإسرائيلي" للسماح للصليب الأحمر الدولي بزيارة الأسرى والاطمئنان إلى أوضاعهم وأحوالهم، معتبرًا أنّ هذا هو الواقع الحالي، للأسف، مع هذه السلطة البائسة والمتخاذلة.

وفي ما يتعلق بالطروحات "الإسرائيلية" حول الفصل بين أسير مدني وأسير عسكري، يعتبر الحاج حسن أنّ هذا الموضوع "خطير وحساس" وفيه تعسف وظلم وتفريط بالأسرى ومصالحهم وكرامتهم. وهنا، يشدّد المتحدث على أنّ جميع هؤلاء الأسرى لبنانيون، وقد أسرهم العدو على الأراضي اللبنانية، ما يضع السلطة أمام مسؤولياتها تجاه عائلات الأسرى، معتبرًا أنّ ما تقوم به السلطة هو "تصرف متهور".

وعن المطلوب من السلطة والخطوات التي يفترض أن تقوم بها، يقول الحاج حسن إنّ السلطة "أفقدت نفسها كل أوراق القوة التي كانت في يدها"، وذهبت إلى مفاوضات مباشرة "من دون أي ورقة قوة". ويشير إلى أنّ ورقة القوة الوحيدة التي تتحدث عنها السلطة هي الاتكال على الأميركيين والضغط الأميركي. ويشدّد الحاج حسن على أنّ السلطة اليوم أوجدت خلافًا مع اللبنانيين والمقاومة، ولا تريد الاستفادة من أوراق القوة اللبنانية، وعندما يحرق الإنسان كل أوراقه ومراكبه، لا يمكنه أن يقول لنا ما هو البديل. باختصار، لقد أحرقت هذه السلطة كل المراكب وأزهقت كل الأوراق.

لا شيء ملموسًا على الأرض

ما يقوله الحاج حسن يؤكده رئيس الجمعية اللبنانية للأسرى والمحررين أحمد طالب. ينتقل المتحدث من توصيف المسار السياسي إلى تعداد ما تعتبره عائلات الأسرى غيابًا للإجراءات العملية. ويؤكد طالب أنّه "لا شيء ملموسًا على الأرض" في ملف الأسرى من جانب السلطة اللبنانية، معدّدًا أوجه التقصير: لم تُشكّل السلطة لجنة لمتابعة الملف، ولم تُوجّه مطالب إلى الأمم المتحدة، ولم تُرفع مذكرات إلى البعثات الدبلوماسية والسفارات في لبنان، كما لم تُجرَ اتصالات مع السفراء بشأن ملف الأسرى، ولم تُشكَّل لجنة أو تُجرَ اتصالات رسمية للتواصل مع الأهالي". ويضيف: "هذا كله لم يفعلوه، والظاهر أنهم لا ينوون فعله".

ويستعيد طالب مسار اللقاءات التي جرت مع المسؤولين اللبنانيين، فيشير إلى أنّ اللقاء الوحيد مع رئيس الجمهورية حصل بعد انتظار دام أربعة أشهر، بعدما كان الوفد قد طلب موعدًا في آب تقريبًا، قبل أن يُعقد اللقاء في كانون الأول. كما جاء اللقاء مع رئيس الحكومة في السياق نفسه. ويقول إنّ الوفد طلب من رئيسي الجمهورية والحكومة تشكيل لجان لمتابعة ملف الأسرى، وأن تقوم وزارة الخارجية بدورها في هذا الجانب، كما طلب من رئيس الحكومة عقد جلسة مخصصة للأسرى وبحث كيفية التعاطي مع ملفهم.

كذلك، طلب الوفد من الرئيسين تشكيل لجنة للتواصل بين الأسرى والأهالي والدولة لتنسيق الملف، إلا أنّ هذا الطلب رُفض، بحسب طالب، الذي يؤكد أنّ لا أحد منهم فعل شيئًا ولا التزم بما طُلب منه. ويضيف أنّ رئيس الجمهورية قال: "عندي موضوع الأسرى قبل النقاط الخمس"، إلا أنّه تبيّن أنّ ملف الأسرى بالنسبة للسلطة "ورقة ضغط على المقاومة وليست ورقة إنسانية لإطلاق سراحهم".

روما.. تثبيت للاعتقال 

أما فيما يتعلق بما يُطرح اليوم في مفاوضات روما، فيذهب طالب إلى حد اعتبار أنّ ما يجري هو "تثبيت لاعتقال الأسرى من دون إمكانية لإطلاق سراحهم عبر الدولة".
ويشير إلى أنّ "الإسرائيليين" للمرة الأولى يتحدثون عن "محتجزين" ورفات لم تتمكن المقاومة من الوصول إلى شيء بشأنها، واضطرت إلى تنفيذ عمليتي أسر عامي 2000 و2006 لإطلاق سراح ما تبقى من الأسرى اللبنانيين.

ويرى طالب أنّ قبول الدولة اللبنانية والوفد المفاوض في روما بهذه الطروحات، من دون القول إنّ "هذا الأمر ليس عندنا" يعني القبول بها. ويضيف: "الدولة تقول نعم وتعطي "الإسرائيلي" أوراقًا". وبرأيه، فإنّ السلطة تثبت لـ"الإسرائيلي" أنها لا تريد إخراج الأسرى، فلا تُخرجهم، على قاعدة لقد فعلت ما عليّ".

ولا يرى طالب في الطروحات "الإسرائيلية" حول الفصل بين الأسير المدني والأسير العسكري مجرد تفصيل تفاوضي، بل يعتبره "استفزازًا للأهل"، مؤكدًا أنّ "الأسير أسير، وكلهم من داخل الأراضي اللبنانية، ولم يؤخذ أحد منهم من فلسطين المحتلة".

ويضيف أنّ هؤلاء "لبنانيون احتُلّت أرضهم، والدولة لم تكن تفعل شيئًا، واضطروا إلى المقاومة، والدولة لم تتحدث ولم تفعل شيئًا"، معتبرًا أنّ ذلك دليل على أنّ الدولة اللبنانية "تعتبر ملف الأسرى ملف ضغط على المقاومة".

ويرى طالب أنّ مفاوضات روما "أعطت "الإسرائيليين" أوراقًا ليحاربوا بها في قضية الأسرى"، معتبرًا أنّ ذلك يتيح للدولة "ألا تتعب نفسها وتكتفي بالقول إنها غير قادرة على إعادتهم"، مشيرًا إلى أنّه "كما سلّمت السلطة البلد والجنوب وكل شيء، تسلّم الأسرى".

أسرى بلا أخبار

وبعيدًا عن التفاوض والسياسة، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا بالنسبة إلى العائلات: أين الأسرى؟ وما مصيرهم؟

يقول طالب إنّ هناك "31 أسيرًا مؤكد أنّهم أحياء منذ عام 2024"، إضافة إلى ثلاثة أسرى قدامى هم يحيى سكاف، وعبد الله عليان، ومحمد فران، موضحًا أنّ "إسرائيل" لا تعترف بهم. كما يشير إلى وجود "37 مجهولي المصير"، قد يكون بعضهم أسرى أو شهداء.

وفي ظل غياب المعلومات الرسمية، بات أهالي الأسرى يتلقّون أخبار أبنائهم من أسرى آخرين يُفرج عنهم، في مفارقة تختصر حجم الغياب الرسمي عن هذا الملف. ومن بين هؤلاء الأسير اللبناني أحمد العيتاوي من مدينة بعلبك وتحديدًا من بلدة اللبوة، وهو معتقل منذ ستة أشهر، وموجود في سجن ريمون، قسم 4، غرفة 9، حيث جرى الاطمئنان عليه من أسير غزّاوي أُفرج عنه قبل أيام، كما يقول طالب الذي يشير إلى أنه وقبل نحو عشرة أيام، خرج أسير سوري كان محتجزًا مع أربعة أسرى لبنانيين، بينهم عطوي عطوي وشادي عبد العال، ليكون بذلك مصدرًا لمعلومات جديدة عن آخر الأسرى الذين تمكّن الأهالي من الاطمئنان إلى أوضاعهم.

وفي وقت تنتظر فيه العائلات خبرًا قد يأتي من أسير أُفرج عنه، أو من معلومة غير رسمية، يؤكد طالب أنّ "التحركات مستمرة كي تبقى القصة حية ولا تنام".

لكن السؤال الذي يبقى مفتوحًا هو: إذا كانت عائلات الأسرى لا تزال تنتظر معلومة، وإذا كان الصليب الأحمر لم يتمكن حتى اليوم من الاطمئنان إلى أوضاعهم، وإذا كانت الإجراءات الرسمية التي تطالب بها العائلات لم تُترجم إلى لجان وآليات متابعة واضحة، فما الذي أنجزته الدولة فعليًا في ملف الأسرى؟ فبعد أشهر طويلة من الانتظار، لا يبدو أنّ السؤال بات فقط: أين الأسرى؟ بل أيضًا: أين الدولة التي يفترض أن تسأل عنهم؟.
 

الكلمات المفتاحية
مشاركة