مقالات
كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
في خضمّ العاصفة التي تضرب الشارع الأميركي، بين لهيب أسعار البنزين ووهج التضخم الذي لم يهدأ، يقف الرئيس دونالد ترامب على حافة اختبار سياسي مصيري قبل أقل من ثلاثة أشهر من موعد الاقتراع في انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني 2026. ليست هذه الانتخابات فقط استحقاقًا دستوريًا دوريًّا لتجديد مقاعد الكونغرس، بل هي استفتاء شعبي عنيف على حصيلة عامين من العودة إلى البيت الأبيض، حيث يتحول الاقتصاد من أرقام في النشرات الدورية إلى سيف مصلت على رقبة الرئيس وأغلبيته الجمهورية.
هنا يُطرح السؤال الجوهري الذي يتردد في أروقة واشنطن ومدن الأقاليم: هل يستطيع الناخب الأميركي الفصل بين مكاسب السياسة الخارجية، كإضعاف المشروع النووي الإيراني، وبين فواتير البقالة والرهن العقاري التي تتصاعد يوميًا؟ وهل ينجح ترامب في إقناع الجمهوري الغاضب، ذلك الذي تراجعت قدرته الشرائية بنسبة ملحوظة، بأن ثمن المواجهة مع طهران يستحق التضحية برفاهيته المعيشية؟ أم أن بطاقة الاقتراع ستتحول في نوفمبر/تشرين الثاني إلى أداة للانتقام الاقتصادي، تعيد رسم خارطة السلطة في الكونغرس، وتفتح الباب على مصراعيه أمام سيناريوهات كان البيت الأبيض يظن أنها طُويت إلى الأبد، وفي مقدمتها العزل السياسي؟
المفارقة الأكثر إيلامًا للجمهوريين أن ساحة المعركة ليست في أراضي إيران أو مياه مضيق هرمز فحسب، بل في قلوب وعقول الناخبين الذين يسألون أنفسهم سؤالًا يوميًا: لماذا أشعر بالفقر رغم وعود الازدهار؟ هذا السؤال البسيط، الذي تتجاهله البلاغة الرئاسية، هو ما سيحسم مصير الأغلبية الجمهورية، ويحدد ما إذا كان ترامب سيظل سيدًا لملفاته التشريعية أو يصبح أسيرًا للجنة القضائية في مجلس النواب. وفي هذا التحليل، نغوص في أعماق المأزق الاقتصادي الذي يحاصر البيت الأبيض، مستعرضين الأرقام التي تصرخ، والاستطلاعات التي تدق ناقوس الخطر، والملفات الثمانية التي تتقاطع لتشكل كابوس نوفمبر المقبل.
استطلاعات تُصوّر المشهد الاقتصادي القاتم
كشف استطلاع أجرته صحيفة فايننشال تايمز البريطانية، بالتعاون مع مؤسسة "فوكال داتا"، عن أرقام مدمرة سياسيًّا للرئيس الأميركي: 53% من الناخبين المسجلين يقولون إن أوضاعهم المالية ساءت منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض في يناير/كانون الثاني 2025. وترتفع هذه النسبة بين المستقلين إلى 57%، والأكثر إثارة للقلق أن قرابة ربع الجمهوريين أنفسهم يعترفون بأنهم أصبحوا أسوأ حالًا ماليًّا في عهد رئيسهم.
ولا يتوقف التراجع عند حدود الأداء الاقتصادي، إذ يرفض 55% من الناخبين المسجلين أداء ترامب بشكل عام، في حين يعرب 64% عن رفضهم لكيفية تعامله مع التضخم وتكاليف المعيشة، بينهم نحو 7 من كل 10 مستقلين ونحو ثلث الجمهوريين.
"الاتجاه الخاطئ".. مزاج عام يهدد الجمهوريين
ربما يكون المؤشر الأكثر خطورة على مستقبل الجمهوريين في صناديق الاقتراع هو أن نحو ثلثي الناخبين المسجلين (نحو 67%) يرون أن الاقتصاد الأميركي يسير في الاتجاه الخطأ، في مقابل ربع الناخبين فقط (25%) الذين يعتقدون أنه يسير في الاتجاه الصحيح. وهذه الفجوة تعكس أزمة ثقة عميقة في سياسات الإدارة الحالية، خصوصا في ملف التضخم الذي أصبح هاجسًا يوميًا للأسر الأميركية.
ورغم أن بيانات يوليو/تموز أظهرت تباطؤًا في وتيرة ارتفاع الأسعار، حيث انخفض التضخم السنوي من 4.2% في مايو/أيار إلى 3.4% في يوليو/تموز، فإن تكاليف المعيشة اليومية لا تزال مرتفعة للغاية بالنسبة للعديد من الأميركيين. والأكثر إثارة للقلق أن ثقة المستهلكين تراجعت بشكل حاد في أغسطس/آب إلى 51 نقطة، مقارنة بـ55.2 نقطة في يوليو/تموز، في مؤشر واضح على تآكل التفاؤل الاقتصادي.
حرب إيران.. فاتورة البنزين تضرب جيوب الأميركيين
لا يمكن فهم المشهد الاقتصادي الحالي بمعزل عن التداعيات المباشرة للحرب التي يخوضها ترامب في إيران. فقد أدى التوتر في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، إلى ارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة إلى نحو 4.08 دولارات للغالون، بزيادة 29% عن العام السابق.
ويرى محللون أن استمرار تعطل حركة الملاحة في المضيق، حيث لم يعد يمر سوى سفينتين فقط يوميًّا مقارنة بأكثر من 130 سفينة كانت تعبره يوميًّا قبل الحرب، سيؤدي إلى مزيد من الضغوط التضخمية. ويقدر تقرير لوكالة "موديز" أن تكاليف الطاقة المرتبطة بالحرب قد ابتلعت المكاسب التي كان الأميركيون يتوقعونها من التخفيضات الضريبية هذا العام.
وفي تطور لافت، طلب ترامب من الأميركيين تقبّل دفع "ثمن بسيط" إضافي في محطات الوقود، معتبًرا أن منع إيران من امتلاك سلاح نووي يستحق هذه التكلفة. لكن هذا الموقف قد يتحول إلى عبء سياسي ثقيل، خصوصًا أن ترامب تعهد خلال حملته الانتخابية بخفض تكاليف الطاقة.
الديمقراطيون يستعيدون أوراقهم الاقتصادية
في انعكاس مباشر لهذا المزاج الاقتصادي المتدهور، يتقدم الديمقراطيون على الجمهوريين بـ5 نقاط في نوايا التصويت للانتخابات النصفية، بنسبة 44% مقابل 39%. والأكثر إيلامًا للجمهوريين أن الناخبين يمنحون الديمقراطيين أفضلية في ملفات التضخم وتكاليف المعيشة والوظائف والاقتصاد، وهي قضايا ظل الحزب الجمهوري يعدّها من نقاط قوته التقليدية.
وتشير استطلاعات أخرى إلى تقدم ديمقراطي أوسع. فقد وجد استطلاع لـ"إيمرسون كوليدج بولينغ" أن 53% من الأميركيين يميلون للتصويت للمرشح الديمقراطي في انتخابات الكونغرس، مقابل 42% للجمهوري. ويشير استطلاع "داتا فور بروغريس" إلى تقدم ديمقراطي بـ7 نقاط (51% مقابل 44%).
في المقابل، يدافع البيت الأبيض عن سجل ترامب الاقتصادي. يقول المتحدث الرسمي كوش ديساي إن الإدارة تواصل تنفيذ أجندة خفض التكاليف عبر خفض أسعار الأدوية، وإعادة الوظائف إلى أميركا، وخفض الضرائب، إلى جانب الترويج لانخفاض جرائم العنف وما وصفه بأنه "أكثر حدود البلاد أمانًا في التاريخ".
لكن الأرقام تتحدث بلغة مختلفة؛ فانخفاض نسبة تأييد ترامب إلى 33% في استطلاع "إيكونوميست/يوغوف"، مع صافي تأييد سلبي يبلغ -20% في استطلاع "سيلفر بوليتين"، يشير إلى أن الرئيس يواجه أصعب لحظاته السياسية منذ عودته إلى البيت الأبيض.
التاريخ يهدد بتكرار سيناريوهات الخسارة
تشير التجربة التاريخية إلى أن حزب الرئيس يدفع ثمنًا باهظًا في الانتخابات النصفية. فمنذ الحرب العالمية الثانية، خسر حزب الرئيس مقاعد في مجلس النواب في 18 من أصل 20 انتخابات نصفية. ومنذ عام 1932، خسر حزب الرئيس معدل 26 مقعدًا في مجلس النواب، ولم يحدث أن حقق مكاسب إلا في ثلاث مناسبات فقط.
وإذا كانت استطلاعات الرأي الحالية تشير إلى أن ترامب قد يخسر السيطرة على مجلس النواب، فإن العواقب قد تكون أكثر خطورة مما يتصور البعض. ففي عام 2018، وبعد خسارة الجمهوريين للسيطرة على مجلس النواب، خضع ترامب لإجراءات عزل انتهت بمحاكمته. وقد حذر الرئيس نفسه من هذا السيناريو عندما قال إن عدم فوزه في الانتخابات النصفية قد يؤدي إلى عزله من منصبه.
معادلة 2026: الاقتصاد ينتظر الحسم في صناديق الاقتراع
هكذا يقف ترامب على أعتاب نوفمبر/تشرين الثاني، محاطًا بتناقضات سياسية لم يشهدها البيت الأبيض منذ عقود. فهو الرئيس الذي وعد بإعادة العظمة الأميركية، لكن 53% من الناخبين يشعرون أن عظمتهم الشخصية -أي قدرتهم على تغطية فواتيرهم- قد تآكلت، وهو الرجل الذي راهن على قوة الرسوم الجمركية لحماية الصناعة، لكنه أطلق بها موجة تضخم التهمت المدخرات، وهو القائد الذي أعلن الحرب على إيران ردعًا لطموحاتها النووية، لكن تداعيات مضيق هرمز حولت محطات الوقود الأميركية إلى واجهة احتجاج صامت على سياساته.
في هذا المشهد المتشابك، تتقاطع الملفات الاقتصادية الثمانية التي تشغل بال الناخب - من التضخم الذي لا يزال يعاند عند 3.4%، وأسعار الفائدة المرتفعة التي جعلت خدمة الدين العام تلتهم تريليون دولار سنويًا، إلى الدين القومي الذي تجاوز حاجز 40 تريليون دولار والعجز المالي المتواصل عند 6% من الناتج المحلي- لتشكل جميعها لوحة قاتمة من شأنها أن تحدد خيارات الناخبين. فهذه الأرقام ليست فقط تجريدات في نشرات الاحتياطي الفيدرالي، بل هي انعكاس مباشر لمعاناة يومية: رباطة جأش رب أسرة أمام رفوف البقالة، وتردد شاب في شراء منزل بسبب ارتفاع كلفة الاقتراض، وقلق صاحب عمل صغير من تداعيات الرسوم الجمركية على سلاسل التوريد.
لكن الخطر الأعمق الذي يلوح في الأفق لا يتعلق فقط بفقدان الأغلبية في الكونغرس، بل بما قد تفتحه الخسارة من صناديق باندورا سوداء على ولاية ترامب الثانية. فالتاريخ يحذر، إذ إن خسارة حزب الرئيس في الانتخابات النصفية قاعدة راسخة، لكنها هذه المرة تحمل نكهة خاصة؛ فالرجل الذي نجا من محاكمتي عزل سابقتين، حذّر بنفسه من أن عدم فوزه في هذه الانتخابات قد يؤدي إلى عزله. ومع أن العزل يتطلب أغلبية الثلثين في مجلس الشيوخ لإقالة الرئيس -وهو سيناريو لا يزال مستبعدًا في ظل الخريطة الحالية للمجلس- فإن سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب وحده كافية لتحويل العامين المتبقيين من ولايته إلى جحيم برلماني، تطير فيه التحقيقات كالسهام، وتُشلّ حركة التشريع، وتُفتح ملفات لم تكن لتُفتح في ظل الأغلبية الجمهورية.
واللافت أن الجبهة الداخلية الجمهورية نفسها تتصدع تحت وطأة هذه الضغوط. فما معنى أن يعترف ربع الجمهوريين بأنهم أصبحوا أسوأ حالًا في عهد رئيسهم؟ إنها إشارة خطر تعني أن تماسك الكتلة الانتخابية الأساسية لترامب، تلك القلعة التي ظلت عصية على الاختراق، بدأت تتشقق. فالناخب الجمهوري في أوهايو أو بنسلفانيا الذي وجد نفسه يدفع أكثر في محطة البنزين، قد لا يتحول بالضرورة إلى التصويت للديمقراطي، لكنه قد يقرر البقاء في منزله يوم الانتخابات، وهذه اللامبالاة كافية لتغيير موازين القوى في دوائر انتخابية حاسمة. وفي هذا السياق، يبدو دفاع البيت الأبيض عن سجله الاقتصادي، بالحديث عن خفض أسعار الأدوية وإعادة الوظائف، وكأنه عزف على أوتار خافتة لا تصل إلى آذان جمهور يشعر بالوجع المالي في جيوبه قبل عقله السياسي.
أما على الصعيد الدولي، فإن الخسارة الجمهورية قد ترسل رسائل مروعة لحلفاء واشنطن وأعدائها على السواء. ففي لحظة تشهد فيها العلاقات مع أوروبا توترًا تجاريًا، والمنافسة مع الصين تصاعدًا في مجالات التكنولوجيا الفائقة والذكاء الاصطناعي، قد تجد الإدارة الأميركية نفسها مكتوفة الأيدي، غير قادرة على تمرير اتفاقيات تجارية أو حزم مساعدات استراتيجية بسبب انسداد أفق التشريع. وفي الشرق الأوسط، حيث يراهن ترامب على استمرار الضغط على إيران، قد يجد أن الميزانية المخصصة للعمليات العسكرية والاستخباراتية تتعرض لتجريف برلماني، أو أن قدرته على الردع تصبح موضع تشكيك حين يرى العالم رئيسًا عاجزًا عن تأمين حتى أغلبية تشريعية بسيطة.
ومع كل هذه التداعيات، يظل السؤال الأكثر إلحاحًا في أروقة واشنطن ومقاهي نيويورك ومزارع أيوا: هل سيقرر الناخب الأميركي أن يغفر لترامب ثمن الحرب مع إيران ويضعه في حساب الأمن القومي، أم أنه سيعاقبه على ارتفاع فواتير الطاقة في حساب "كم كلفتني البقالة هذا الشهر"؟ إنها مفارقة تاريخية حادة؛ فترامب الذي راهن على صوته الشعبوي الجهوري ليكون درعه، قد يجد الآن أن هذا الصوت نفسه يتحول إلى سلاح في وجهه، حين يصرخ الجمهوري الفقير والمستقل المتعب بسؤال بسيط قاتل: "نحن هنا في أميركا، أين الازدهار الذي وعدتنا به؟"
وفي النهاية، لن تحسم الانتخابات النصفية المقبلة شكل الكونغرس الجديد فحسب، بل ستحدد ما إذا كانت السنوات المتبقية من ولاية ترامب ستكون سنوات تمرير تشريعات طموحة يطمح إليها، أم سنوات ردود فعل دفاعية ودفاع مستميت عن إرثه السياسي في مواجهة لجان تحقيق ورادع برلماني قد يعيد تشكيل ملامح الرئاسة الأميركية بأكملها. معركة نوفمبر ليست فقط استحقاقًا انتخابيًّا هامشيًّا، بل هي لحظة فاصلة تختبر قدرة الرئيس على تحويل النكسة الاقتصادية إلى دروس مستقبلية، أو تغدو شاهدًا على أفول نجم أقوى رئيس جمهوري في العصر الحديث أمام سلاح لا يعرف الغدر ولا اللين: "سلاح رغيف الخبز وسعر غالون البنزين". صناديق الاقتراع تحمل في جعبتها إما استمرار الهيمنة أو بداية النهاية، والأسابيع القليلة القادمة كفيلة بإلقاء الحجاب عن مشهد سياسي واقتصادي سيُكتب في سجلات التاريخ الأميركي بمداد التحدي والانتقام.