اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي تعويل تركي على الدور الأميركي: "إسرائيل" تلعب بالنار

مقالات مختارة

الجميع يكذب… ما عدا ترامب!
🎧 إستمع للمقال
مقالات مختارة

الجميع يكذب… ما عدا ترامب!

59

مروان عبد العال - صحيفة الأخبار
ليس في هذا العنوان أي مديح للكذب، ولا محاولة لمنح ترامب فضيلة لا يستحقّها؛ بل العكس تماماً. إنها مفارقة ساخرة تكشف زمناً سياسياً اختلطت فيه الحقيقة بالدعاية، والوقائع بالروايات، حتى بات الكذب أحياناً أكثر قدرة على صناعة السياسة من الحقيقة نفسها. وكما قال الجنرال الفييتنامي فو نغوين جياب: «الاستعمار تلميذ غبي»؛ وربما كان يحتاج إلى إضافة صغيرة: إنه تلميذ غبي وكاذب أيضاً، يكرر روايته بالقوة، ثم يتصرف كأن القوة قادرة على تحويل الكذبة إلى حقيقة.

«الجميع يكذب… ما عدا روسو»؛ عبارة تستدعي روح «الاعترافات» لجان جاك روسو، حيث تصبح الحقيقة، حتى حين تفضح صاحبها، فعلاً من أفعال مواجهة الذات. في الجهة المقابلة يقف ترامب: لا يرى في الحقيقة قيمة مستقلة عن مصلحته، ولا في الكذب عيباً ما دام يخدم الرواية التي يريد فرضها. بين روسو وترامب مسافة ليست أخلاقية فقط، بل سياسية ونفسية: الأول أخضع ذاته للحقيقة، والثاني يريد إخضاع الحقيقة لذاته.

ترامب لم يخترع الكذب السياسي، لكنه دفعه إلى مرحلة لم يعد فيها الكذب مجرد وسيلة لإخفاء الحقيقة، بل وسيلة لإنتاج واقع بديل. حتى كذبة توني بلير في حرب العراق كادت تُنسى؛ تلك الكذبة التي أُقيمت عليها حرب ودمار واحتلال، حتى ليبدو مسيلمة الكذّاب أمام بعض أكاذيب السياسة المعاصرة وكأنه كان أكثر تواضعاً في ادعاءاته. المشكلة إذاً ليست في وجود الكذب السياسي، بل في انتقاله من فعل يُمارس خفية إلى بنية سياسية تُمارس علناً، ثم تطلب من الجمهور أن يتعامل معها بوصفها حقاً في ممارسة السيادة وامتلاك الرواية.

لذلك لا يكفي أن نسأل: هل قال ترامب الحقيقة؟ الأهم أن نسأل: كيف يستطيع قول ما يناقض الوقائع، ثم تحويله إلى مادة للسياسة والولاء والانقسام والفتنة وتمزيق الذات؟ فالكذبة لم تعد دائماً قناعاً يخفي الحقيقة، بل صارت أحياناً وسيلة لصناعة حقيقة بديلة. وإذا نجحت الرواية في تعبئة الجمهور، فإن مطابقتها للواقع تصبح مسألة ثانوية أمام قدرتها على إنتاج الولاء وتأسيس تيار أو حزب الكذب.
النرجسي لا يرى العالم كما هو، بل كما ينبغي أن يكون وفق صورته عن ذاته. يفرض عالمه الداخلي على العالم الخارجي، ويستبعد كل حقيقة لا تنسجم مع روايته. وفي السياسة تتحول هذه الآلية النفسية إلى سلطة: القائد لا يعود مُطالباً بتغيير صورته أمام الواقع، بل يحاول تغيير الواقع كي يطابق صورته. ومن هنا يمكن فهم ترامب: ليس المهم عنده أن تكون الرواية صحيحة بقدر ما تكون قادرة على تثبيت صورة الرجل الأقوى، القادر على فرض إرادته ثم تحويلها إلى «حقيقة».

لهذا لا يبدو ترامب منزعجاً كثيراً من التناقض بين القول والواقع. الكذبة عنده ليست دائماً قناعاً يخفي الحقيقة، بل أداة تختبر قابلية الجمهور لتقبلها. فإذا نجحت، أصبحت جزءاً من الخطاب؛ وإذا فشلت، انتقل إلى رواية أخرى. المهم ألّا يتوقف تدفّق الرواية. وهنا تكمن إحدى خصائص الترامبية: إنها لا تطلب من الجمهور أن يصدّق كل شيء، بل أن يتخلى تدريجياً عن الحاجة إلى التحقّق من كل شيء.

وهذا أخطر من الكذب نفسه. فعندما تتآكل المرجعية المشتركة للوقائع، يصبح المجتمع منقسماً لا حول تفسير الحقيقة، بل حول وجودها. كل جماعة تمتلك «حقيقتها»، وكل مؤسسة مُتّهمة بالانحياز، وكل دليل قابل للتشكيك. عندها لا ينتصر السياسي لأنه أقنع الناس بأن روايته صحيحة، بل لأنه أقنعهم بأن الحقيقة لا يمكن الوصول إليها أصلاً. وهنا ينتقل التضليل من تزوير الوقائع إلى إرباك التمييز بينها؛ وتتكفّل بعض المنابر العربية بتدوير الرواية الأميركية حتى تبدو حقيقية، وكأنها صدّقت أن ترامب وحده لا يكذب.

في السياسة الخارجية، يظهر الأمر بصورة أكثر صراحة. ترامب لا يتعامل مع الحرب والسلام كنقيضين، بل كأداتين داخل منطق الصفقة. القوة ترفع كلفة الرفض، والضغط يفتح باب التفاوض، والتفاوض يُنتِج اتفاقاً، ثم يُقدَّم الاتفاق بوصفه سلاماً. لذلك لا ينبغي أن تخدعنا اللغة: الحديث عن السلام لا يلغي القوة والإكراه والإخضاع التي سبقت الطاولة، كما أن الجلوس إلى المفاوضات لا يعني أن الأطراف دخلتها بميزان قوة متقارب.

ومن هنا تصبح الوساطة الأميركية مختلفة عن الوساطة التقليدية. فالوسيط يحمل في الوقت نفسه أدوات ضغط هائلة: العقوبات، نزع السلاح، التحالفات، الحصار الاقتصادي والسياسي، والقدرة على إعادة ترتيب كلفة الحرب والسلام. لذلك قد تكون الطاولة امتداداً للمعركة بوسائل أخرى. وما يُسمى «صفقة» قد يكون في الحقيقة إعادة صياغة لميزان القوة بعد أن جرى اختبار حدوده في الميدان.
لكن المسألة الأخطر ليست ترامب وحده، بل علاقتنا نحن بهذه القوة. لماذا يصفّق له بعض ساستنا؟ ليس بالضرورة لأنهم يصدّقونه، بل لأنهم فقدوا القدرة على تخيّل سياسة لا تبدأ من واشنطن. هنا يتحول الاعتماد إلى تبعية، والتعامل مع القوة الكبرى إلى انتظار لحلولها، ويصبح السؤال: «ماذا نريد؟» تابعاً لسؤال آخر: «ماذا يريد ترامب؟». وهذه ليست واقعية سياسية، بل عجز عن إنتاج البديل.

الواقعية الحقيقية لا تعني معاداة الولايات المتحدة، كما لا تعني الارتماء في أحضانها. تعني معرفة ما تريده واشنطن، وما نستطيع نحن أن نفعله، وأين تتقاطع المصالح وأين تتعارض. الدولة التي تدخل التفاوض بلا أوراق تتحوّل إلى موضوع للتفاوض. أمّا الدولة التي تعرف أوراقها، فتستطيع أن تفاوض حتى وهي في موقع أضعف. الفارق ليس في امتلاك القوة وحدها، بل في امتلاك إرادة استخدامها.
لهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل حديث عن وعود ترامب هو: ماذا يريد في المقابل؟ ما ثمن الصفقة؟ من يدفعه؟ من يضمنها؟ وماذا يحدث عندما تتغيّر الإدارة الأميركية؟ فالدول لا تبني استراتيجياتها على شخصية رئيس، ولا تجعل مستقبلها رهينة مزاج انتخابي في واشنطن. الوعود الأميركية كذبة أخرى، ليست ضمانة تاريخية، والمصلحة الأميركية ليست نسخة أخرى من المصلحة العربية.

وهنا تتضح سيكولوجيا التبعية: حين تفقد النخبة ثقتها بقدرتها على الفعل، تبحث عن «المنقذ» خارجها. يصبح الأقوى أكثر صدقاً لمجرد أنه أقوى، وتصبح الصفقة أفضل لمجرد أن واشنطن اقترحتها، ويصبح الإملاء مقبولاً لأنه صادر عن مركز القوة. إنها ليست مشكلة ترامب وحده؛ إنها مشكلة صورة الذات السياسية التي ترى نفسها عاجزة عن إنتاج حل، فتبحث عن حل في إرادة الآخر.
ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يفعله ترامب بنا ليس أن يخدعنا، بل أن يجعلنا نعتاد أن نعيش بلا مشروع مستقل. حينها لا تعود واشنطن مجرد قوة خارجية تؤثّر فينا، بل تصبح جزءاً من طريقة تفكيرنا: ننتظر موقفها، ونقيس الممكن عليه، ونستبق رغبتها قبل أن تعلنها. وهنا تكون الهيمنة قد انتقلت من السياسة إلى الوعي؛ وهذه هي صورتها الأكثر رسوخاً.

«الجميع يكذب… ما عدا ترامب»، إذاً، ليست مقولة عن صدق رجل أو كذبه، بل عن زمن سياسي أصبحت فيه الحقيقة نفسها ساحة للصراع. ترامب لا يحتاج إلى أن يقنع الجميع بأنه صادق؛ يكفي أن يجعلهم يشكّون في كل شيء آخر. وحين يصبح الشك شاملاً، يتحوّل الكذب من عيب إلى أداة، ومن أداة إلى نظام، ومن نظام إلى ثقافة سياسية.

لكنّ الرد على ترامب لا يكون بالانفعال الأخلاقي وحده، ولا بترديد كذبه أو تكذيبه على مدار الساعة. الردّ هو امتلاك معيار مستقل للحقيقة، ومشروع مستقل للمصلحة، وأوراق بل إرادة مستقلة للتفاوض. نتعامل مع الولايات المتحدة باعتبارها قوة كبرى، لا باعتبارها قدراً سياسياً. نفاوضها حين نحتاج، ونختلف معها حين تتعارض مصالحها مع مصالحنا، ولا نمنحها حق تعريف الممكن نيابة عنا.
المشكلة ليست أن ترامب يكذب. وتجار السياسة يكذبون، وقوى الهيمنة الإمبريالية تناور، والدول المراوغة تخفي أوراقها. المشكلة تبدأ عندما يصبح كذب الآخر أكثر قدرة على تنظيم واقعنا من قدرتنا نحن على تنظيمه. فالجميع قد يكذب، لكنّ الأخطر أن نصدّق الكذبة لأننا لم نعد نملك الحقيقة التي نواجهها بها.

الكلمات المفتاحية
مشاركة