اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي رضائي: لن تخرج قطرة نفط من الخليج إذا بدأت واشنطن حربًا اقتصادية

خاص العهد

عندما يصبح الصعتر البلدي بـ 30 دولارًا.. العدوان يضرب سلّة مؤونة الجنوبيين
🎧 إستمع للمقال
خاص العهد

عندما يصبح الصعتر البلدي بـ 30 دولارًا.. العدوان يضرب سلّة مؤونة الجنوبيين

77

في جنوب لبنان، لم تقتصر تداعيات العدوان على تراجع الإنتاج الزراعي أو تضرر المواسم، بل امتدت إلى واحدة من أبرز العادات المتجذرة في حياة أبناء القرى الجنوبية، وهي المؤونة البلدية التي اعتادت العائلات إعدادها اعتمادًا على ما تنتجه أرضها من حبوب وبقوليات وألبان ومشتقاتها وغيرها من المنتجات التي تشكل جزءًا أساسًا من مؤونة المنزل على مدار العام.

وقد تضافرت مجموعة من العوامل القاسية بفعل العدوان الصهيوني لتُعطّل دورة إنتاج المؤونة في الجنوب كليًا، بدءًا من احتراق مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، مرورًا بحركات النزوح القسري، وصولًا إلى تعذّر وصول الأهالي إلى حقولهم، وهو ما انعكس سلبًا على مختلف المراحل بدءًا من الزراعة والقطاف وحتى التصنيع والبيع، وأدّى هذا النقص الحاد في المعروض إلى ارتفاع قياسي في أسعار المنتجات المتبقية، حيث ارتفع سعر كيلو الصعتر البلدي على سبيل المثال ليصل إلى 30 دولارًا، بعدما كان سعره في العام الماضي يناهز 20 دولارًا فقط.

في كفر رمان – قضاء النبطية، تعكس الحاجة أم عباس صورة مباشرة عن التحولات التي طرأت على حياة المزارعين وعائلاتهم، بعدما كانت الأرض مصدرًا أساسًا لما تحتاج إليه الأسرة من مؤونة، فيما باتت اليوم عملية الإنتاج مرتبطة بكلفة مرتفعة وظروف أمنية واقتصادية قاسية.

وتؤكد أم عباس أن أبناء المنطقة اعتادوا منذ سنوات الاعتماد على أرضهم، ليس فقط لتأمين مصدر دخل، وإنما أيضًا لإنتاج ما يحتاجون إليه من المونة البلدية، إلا أن الاعتداءات الصهيونية الظالمة فرضت واقعًا مختلفًا، بعدما تضررت الأراضي وتعطلت القدرة على زراعتها بصورة طبيعية.

وبالنسبة إلى أم عباس، فإن هذه المشكلة لا ترتبط بالموسم الحالي وحده، بل تهدد قدرة العائلات الجنوبية على الاستمرار في نمط حياتها الذي يقوم على إنتاج جزء من احتياجاتها داخل المنزل.

فالمؤونة البلدية بالنسبة إلى أبناء الجنوب ليست مجرد منتجات غذائية تُخزّن لفصل الشتاء، وإنما تقليد اجتماعي واقتصادي قائم على علاقة مباشرة بين العائلة والأرض، وعلى إنتاج الحبوب والبقوليات والحليب ومشتقاته وغيرها من المواد التي تدخل في إعداد مؤونة الأسرة.

ومع تراجع القدرة على الإنتاج، يصبح تأمين هذه المواد مرتبطًا بالأسواق والأسعار والقدرة على الشراء، بعدما كانت العائلة تؤمن جزءًا كبيرًا منها من أرضها.

محمد الحسيني: تراجع الإنتاج يهدد المؤونة الجنوبية

ومن جانبه، يضع رئيس تجمع المزارعين في الجنوب محمد الحسيني أزمة المؤونة البلدية في إطار تداعيات أوسع أصابت القطاع الزراعي والثروة الحيوانية في الجنوب.

ويشير الحسيني إلى أن الغالبية العظمى من أبناء القرى الجنوبية كانت تعتمد على ما تنتجه الأرض في تأمين مؤونتها، وهو ما جعل المؤونة البلدية جزءًا أساسًا من الحياة اليومية للعائلات.

ويقول: إن "ما تعرضت له المناطق الجنوبية من تدمير وحرق وأضرار خلال العدوان الصهيوني أدى إلى تراجع القدرة على إنتاج العديد من المواد التي كانت تدخل في صناعة المؤونة، الأمر الذي دفع الأهالي إلى البحث عن مصادر بديلة".

وبحسب الحسيني، فإن البدائل باتت تأتي من القرى والمناطق اللبنانية الأخرى، أو من مناطق أبعد، وصولًا إلى سورية وغيرها من مصادر الاستيراد، خصوصًا أن الإنتاج المحلي في لبنان لا يغطي كامل الطلب حتى في الظروف الطبيعية.

لكن المشكلة، كما يوضح، أن الاعتماد على الخارج يعني ابتعاد العائلة الجنوبية عن مصدرها التقليدي للمؤونة؛ أي الأرض التي كانت توفر لها جزءًا كبيرًا من احتياجاتها.

ويشير إلى أن المواطن اللبناني يفضل المنتج المحلي، ليس فقط بسبب جودته، وإنما لأن المؤونة البلدية مرتبطة بنمط حياة متوارث في القرى، إلا أن تراجع الإنتاج نتيجة الحرب يجعل تأمينها محليًا أكثر صعوبة.

الحبوب والبقوليات.. أساس المؤونة

ويلفت الحسيني إلى أن الحبوب والبقوليات تشكل جزءًا أساسيًا من الزراعات التي تدخل في دورة المؤونة، وهي من الزراعات التي يمكن إعادة إنتاجها بصورة أسرع من الأشجار المثمرة.

فزراعة الحبوب والبقوليات، وفق ما يوضح، تبدأ خلال المواسم الزراعية المناسبة، ويمكن أن تعطي إنتاجًا خلال موسم واحد، ما يجعل إعادة إحياء هذا الجزء من الإنتاج ممكنة نسبيًا إذا عادت الأراضي إلى دائرة الاستثمار الزراعي وتوفرت للمزارعين الإمكانات اللازمة.

إلا أن استمرار الاعتداءات الصهيونية على بعض الأراضي يجعل العودة إلى الإنتاج الطبيعي أكثر صعوبة، ويؤخر قدرة العائلات على استعادة دورة المؤونة التي كانت تعتمد عليها.

وفي المقابل، فإن الأشجار التي تدخل منتجاتها في المؤونة تحتاج إلى سنوات طويلة لتعويض الخسائر.

ويشير الحسيني إلى أن أشجار الزيتون والحمضيات والأفوكادو وغيرها من الأشجار المثمرة تحتاج إلى ما بين خمس وسبع سنوات تقريبًا قبل أن تبدأ الأشجار الجديدة بالإنتاج، ما يعني أن خسارة هذه الأشجار لا يمكن تعويضها خلال موسم واحد.

وهذا الأمر ينعكس بصورة مباشرة على المؤونة، لأن بعض المنتجات التي كانت العائلات تخزنها أو تستخدمها على مدار العام ترتبط بإنتاج الأشجار والمواسم الزراعية.

ومن أبرز مظاهر الأزمة التي تطاول المؤونة، وفق الحسيني، إنتاج الكشك الذي يحتاج إلى كميات كبيرة من الحليب.

وهنا تدخل الثروة الحيوانية مباشرة في دورة المؤونة؛ إذ إن تراجع أعداد المواشي والإنتاج الحيواني يعني تراجع كمية الحليب المتوافرة لصناعة الكشك وسائر مشتقات الألبان التي تعتمد عليها العائلات الجنوبية.

وبالتالي، فإن الحرب لا تؤثر فقط على الأرض التي تنتج الحبوب والبقوليات، وإنما تمتد إلى الحيوانات التي توفر الحليب ومشتقاته، ما يضرب أكثر من حلقة في سلسلة إنتاج المؤونة البلدية.

وتصبح العائلة أمام خيارين: إما إنتاج كميات أقل من مؤونتها، أو البحث عن منتجات بديلة في الأسواق، وهو ما يغيّر تدريجيًا نمط الحياة الذي اعتاد عليه أبناء الجنوب.

الاستيراد بديل اضطراري

ومع تراجع الإنتاج المحلي، يرى الحسيني أن اللجوء إلى الاستيراد من سورية أو من دول أخرى يمكن أن يؤمن جزءًا من حاجات السوق، لكنه ليس حلًا يعالج أصل المشكلة.

ويشير إلى أن المنتجات المستوردة قد تكون في بعض الحالات أرخص من المنتجات اللبنانية، بسبب ارتفاع كلفة الإنتاج في لبنان، حيث يعتمد المزارع على بذار وأسمدة مستوردة، فضلًا عن ارتفاع كلفة الري والأرض واليد العاملة.

لكن انخفاض سعر المنتج المستورد لا يعوض خسارة القدرة على إنتاج المؤونة محليًا؛ لأن القضية تتجاوز السعر إلى الحفاظ على دورة الإنتاج الزراعي التي تقوم عليها حياة العائلات في القرى.

ويؤكد الحسيني أن استمرار الإنتاج المحلي يحتاج إلى دعم حقيقي؛ لأن المزارع اللبناني لا يستطيع منافسة المنتجات الخارجية في ظل ارتفاع كلفة الإنتاج، وهو ما يهدد تدريجيًا الزراعات التي كانت تشكل أساسًا للمؤونة البلدية.

الاعتداءات الصهيونية تعطل العودة إلى الأرض

يؤكد الحسيني أن هناك مزارعين لا يستطيعون الوصول إلى أراضيهم، نتيجة القصف والتهديد والحرق والاعتداءات، ما يحرمهم من زراعة أراضيهم وإنتاج المواد التي تحتاج إليها عائلاتهم.

ويرى أن هذه الممارسات تدفع المزارعين تدريجيًا بعيدًا عن أراضيهم، وتؤدي إلى قطع الطريق أمام إعادة بناء دورة الإنتاج المحلية.

وبالتالي، فإن الخطر لا يقتصر على خسارة موسم زراعي، وإنما يطاول قدرة العائلات على العودة إلى نمطها السابق في إنتاج المؤونة، ويجعلها أكثر اعتمادًا على الأسواق والاستيراد.

المؤونة.. ذاكرة الأرض وصمود العائلة

ما يجري في الجنوب اليوم يضع المؤونة البلدية أمام تحدٍ يتجاوز الجانب الغذائي، فهي تمثل جزءًا من ذاكرة العائلات الجنوبية، ومن العلاقة اليومية بين الإنسان وأرضه، وهي نتاج مواسم طويلة من العمل الزراعي وتربية المواشي وحفظ المنتجات للاستهلاك على مدار السنة.

وفي كفر رمان وسائر قرى الجنوب، بينما تحاول العائلات الحفاظ على هذا التقليد بما تملكه من إمكانات، يحاول المزارعون إعادة تشغيل أراضيهم رغم الخسائر والكلفة المرتفعة والمخاطر الأمنية.

وبين أم عباس التي تتحدث عن أعباء المزارع الذي يواصل العمل من جيبه، ومحمد الحسيني الذي يحذر من تراجع الإنتاج المحلي والثروة الحيوانية، تبرز أزمة المؤونة البلدية بوصفها أحد الوجوه غير المباشرة للاعتداءات الصهيونية الغاشمة.

فكل أرض لا يستطيع المزارع الوصول إليها، وكل موسم يتعذر إنتاجه، وكل شجرة تحتاج إلى سنوات لتعويضها، وكل رأس ماشية يُفقد، يعني في المحصلة تراجع قدرة العائلة الجنوبية على إنتاج مؤونتها بنفسها.

ولهذا، فإن حماية المؤونة البلدية تبدأ من حماية المزارع وأرضه، ودعم الإنتاج المحلي، وتعويض الخسائر، وتأمين مستلزمات الزراعة وتربية المواشي، وضمان قدرة أبناء الجنوب على الوصول إلى أراضيهم.

فالمؤونة في الجنوب ليست مجرد طعام يُخزّن في الجرار والعبوات؛ إنها حصيلة علاقة متجذرة بين الإنسان والأرض، ومحاولة مستمرة لتبقى العائلة قادرة على إنتاج حاجاتها بنفسها، وليبقى الجنوب قادرًا على إطعام أهله من خير أرضه.

الكلمات المفتاحية
مشاركة