عين على العدو
شكّكت تصريحات مسؤول أمني "إسرائيلي" سابق رفيع المستوى في الرواية المتداولة بشأن محاولة اغتيال يائير نتنياهو، نجل رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، في الولايات المتحدة، معتبرًا أن طريقة كشف القضية وتوظيفها سياسيًا تثير علامات استفهام جدية داخل الكيان.
وكان نتنياهو قد ادعى، في مقابلة مع القناة 14 في إعلام العدو أن إيران حاولت استهداف أحد أبنائه، من دون أن يحدد في حينه أيًّا منهما أو يكشف تفاصيل العملية المزعومة.
وفي مقابلة مع إذاعة "103FM"، انتقد المسؤول الأمني السابق أفنار فيلان طريقة تناول القضية، معتبرًا أن نشر تفاصيل حساسة رغم اعتراض الرقابة العسكرية يمثل سابقة خطيرة، ولا سيما إذا كانت المعلومات الاستخبارية قد جرى توظيفها في سياق سياسي.
وقال فيلان: "في نهاية المطاف، نحن اغتلنا زعيم دولة ذات سيادة. قررنا شن حرب شاملة ضد إيران. ماذا كنا نتوقع أن يحدث؟ أن يجلسوا صامتين؟"، مشيرًا إلى أن من الطبيعي، وفق تقديره، أن تحاول إيران الرد على الاستهدافات "الإسرائيلية" والأميركية.
وأضاف أن الرواية المتعلقة بمحاولة اغتيال نجل نتنياهو تثير لديه تساؤلات، قائلًا إن هناك احتمالين: "إما أن الحادثة وقعت بالفعل، أو أن الإيرانيين كانوا قريبين منه وكانوا يراقبونه".
وانتقد فيلان بصورة خاصة الطريقة التي كُشفت بها القضية، معتبرًا أن تجاوز الرقابة العسكرية ونشر المعلومات عبر القناة "14" وبطريقة ذات طابع سياسي، يعني استخدام مواد حساسة من صميم المنظومة الأمنية لأهداف سياسية.
وقال: "لقد أخذوا جوهر سرّ دولة إسرائيل"، معتبرًا أن موظفًا استخباراتيًا أمضى حياته في خدمة المؤسسة الأمنية يجد عمله يُستخدم بطريقة وصفها بأنها "ساخرة وابتذالية".
ولم يكتفِ المسؤول السابق بذلك، بل وجّه انتقادًا مباشرًا إلى نتنياهو، معتبرًا أن استخدام هذه المعلومات في السجال السياسي يعرّض مصادر العمل الاستخباري للخطر، وقال: "ماذا نريد أن يحدث؟ هذا ضرب من الهذيان".
وأكد فيلان أن المشكلة لا تتعلق فقط بحادثة يائير نتنياهو، بل بنمط أوسع من التعامل مع الأسرار الأمنية، محذرًا من أن تسييس المعلومات الاستخبارية ينعكس على قدرة المؤسسة الأمنية على حماية نفسها ومصالحها.
وفي قراءة أوسع للسلوك الإيراني، رفض المسؤول الأمني السابق الصورة التي تحاول بعض الأوساط في الكيان تقديمها عن إيران باعتبارها دولة مضطربة أو تتصرف بصورة عشوائية، وقال إن إيران، وفق تقديره، "ليست دولة تتصرف في حالة من الفوضى"، بل تحكم تحركاتها "استراتيجية متماسكة".
وأشار إلى أن طهران، بحسب تقييمه، تعرف متى تضغط ومتى تخفف الضغط، وكيف تدير المسار الدبلوماسي والإعلامي بالتوازي مع عملياتها، معتبرًا أن التحركات الإيرانية خلال الأشهر الماضية تظهر وجود عملية صنع قرار منظمة ومدروسة.
وشدد فيلان على أن إيران "ليست دولة على وشك الانهيار"، في رد واضح على التقديرات التي تراهن على أن الضغوط العسكرية والاقتصادية ستدفع القيادة الإيرانية إلى الاستسلام أو تقديم تنازلات جوهرية.
وفي ما يتعلق بالعقوبات والضغط الاقتصادي، أقرّ بأن الضغوط تؤثر في الاقتصاد الإيراني، لكنه حذّر من المبالغة في تقدير قدرتها على إسقاط النظام، موضحًا أن إيران اعتادت العيش تحت العقوبات، وأن السؤال الأساسي يجب أن يكون حول الهدف النهائي للولايات المتحدة.
وسأل: هل تريد واشنطن إسقاط النظام الإيراني أم التوصل إلى اتفاق نووي؟ معتبرًا أن الجمع بين الهدفين قد يكون متناقضًا، لأن إدراك طهران أن الهدف الأميركي هو إسقاط النظام سيجعل تقديم التنازلات أقل احتمالًا، لا سيما أن الاستسلام، وفق منطقه، لن يضمن بقاء النظام.
وحذّر المسؤول الأمني السابق من تجاهل المسار النووي الإيراني، معتبرًا أن التركيز على مضيق هرمز لا ينبغي أن يحجب ما وصفه بـ"الساعة النووية" التي تواصل التقدم.
وأشار إلى تقارير تتحدث عن نقل أجهزة طرد مركزي ووجود مواد يورانيوم مخصبة في مواقع إيرانية، محذرًا من أن استكمال هذه العمليات قد يعيد إيران إلى وضع استراتيجي قريب من المرحلة التي سبقت الحرب الأخيرة، مع امتلاكها بنية وقدرات يمكن، بقرار سياسي، تطويرها باتجاه إنتاج سلاح نووي.
وفي هذا السياق، قال إن "الساعة النووية لا تتوقف"، محذرًا من احتمال أن تكون بعض التحركات الإيرانية جزءًا من استراتيجية لكسب الوقت وتعزيز القدرة النووية، بما يمنح طهران، في حال امتلاك قدرة نووية فعلية، هامشًا أكبر في مواجهة الضغوط الأميركية.
وتكشف تصريحات المسؤول الأمني السابق، في جانب منها، حجم القلق داخل المؤسسة "الإسرائيلية" من تداعيات المواجهة مع إيران، ليس فقط على المستوى العسكري، وإنما أيضًا على مستوى إدارة المعركة الاستخبارية والسياسية، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات "الإسرائيلية" وتصاعد استخدام الملف الإيراني في الخطاب السياسي الداخلي.
وفي الوقت الذي يحاول فيه نتنياهو تقديم رواية عن تهديد إيراني مباشر لعائلته، تبرز داخل الكيان أصوات تحذر من تحويل المعلومات الأمنية الحساسة إلى مادة للمناكفات السياسية، معتبرة أن مثل هذا السلوك قد يرتد على المؤسسة الأمنية نفسها ويكشف هشاشة في إدارة الملفات الأكثر حساسية.