خاص العهد
في ظلّ هجمة أميركية ـ صهيونية متواصلة تستهدف المنطقة، وتعمل على تفكيك المجتمعات وإشعال الفتن وإضعاف عناصر القوة فيها، يأتي أسبوع الوحدة الإسلامية هذا العام في ظرف بالغ الحساسية، يجعل من الوحدة بين أبناء الأمة أكثر من مناسبة أو شعار، ويضعها في صلب معركة الوجود والمواجهة.
فالوحدة التي أراد لها الإمام الخميني (قدس سره) أن تكون مشروعًا عمليًا، تتقدم اليوم كضرورة لحماية الأمة وقضاياها، ولا سيما في مواجهة الاحتلال الصهيوني ومن يقف خلفه، في وقت تُرتكب أبشع جرائم الإبادة بحق الشعوب، ويُراد للانقسامات المذهبية والسياسية أن تحجب حقيقة العدو الأساس.
وفي هذا السياق، يؤكد مسؤول العلاقات العامة في تجمع العلماء المسلمين الشيخ حسين غبريس، في حديث لموقع العهد الإخباري، أن أسبوع الوحدة الإسلامية يجب أن يتحول إلى محطة فعلية لإعادة ترتيب أولويات الأمة وتوحيد صفوفها، مشددًا على أن ما يجمع المسلمين أكبر بكثير مما يفرقهم، وأن المواجهة مع العدو تتطلب أن تتحول هذه القناعة إلى عمل وميدان.
أسبوع الوحدة.. مناسبة تتجاوز الاحتفال
يبدأ الشيخ غبريس حديثه بتوجيه التهنئة إلى عموم المسلمين بمناسبة ذكرى ولادة النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وحفيده الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، مؤكدًا أن هذه المناسبة تقود طبيعيًا إلى الحديث عن أسبوع الوحدة الإسلامية.
ويرى أن هذا الأسبوع كان من الأفكار المبدعة والخلاقة التي طرحها الإمام الخميني (قدس سره)، مؤكدًا أن الإمام لم ينظر إلى الوحدة باعتبارها مجرد عنوان عابر، بل جعلها جزءًا من مشروع متكامل لبناء الأمة ومواجهة التحديات.
ويشير إلى أن أسبوع الوحدة تحوّل مع مرور الوقت إلى محطة أنظار للجميع، وأصبح منعطفًا سنويًا يعيد التذكير بأن ما يجمع المسلمين أكثر مما يفرّقهم.
ومن هنا، يشدد على أن المطلوب ليس إقامة الاحتفالات فقط، بل «دراسة ما يمكن جمعه بين المتناقضات وبين المذاهب الإسلامية التي كلها تدين بدين الإسلام»، بما يسمح بتحويل الوحدة إلى واقع اجتماعي وسياسي وميداني.
في مواجهة الهجمة.. وحدة الأمة أولًا
يضع غبريس أسبوع الوحدة في سياق المواجهة الكبرى التي تعيشها الأمة، مبيّنًا أن الهجمة عليها تأتي من أكثر من محور، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ومن يدور في فلكهما.
ويستحضر وصف الإمام الخميني للولايات المتحدة بـ"الشيطان الأكبر"، مؤكدًا أن واشنطن و"ربيبتها الصهيونية "إسرائيل"، إلى جانب حلفائهما، يخوضون مواجهة مفتوحة ضد شعوب المنطقة.
ويلفت إلى أن هذه المواجهة لم تعد محصورة في المجال العسكري، بل تتجسد أيضًا في الجرائم والقتل واستباحة الدماء والكرامات، متسائلًا عن موقف من يرفعون شعار "الوسطية" في ظل هذه الجرائم.
ويقول إن المطلوب موقف واضح يرفع الصوت ويقول: «كفى هذا الإجرام»، مؤكدًا أن الصمت أمام الجرائم لا يمكن أن يكون موقفًا محايدًا عندما تكون الأمة مستهدفة في وجودها وكرامتها.
ويرى الشيخ غبريس أن اللحظة الراهنة تستدعي إعادة اكتشاف عناصر الوحدة التي تجمع المسلمين، مؤكدًا أن الأمة من أقصى الأرض إلى أقصاها يجمعها النبي والقرآن والإسلام والحق والجهاد، فضلًا عن الصلاة والصيام وسائر القيم الدينية الجامعة.
ويشدد على أن هذه المشتركات يجب أن تتحول إلى قوة فعلية، لا أن تبقى عناوين عامة، وصولًا إلى توحيد الصفوف في مواجهة العدو.
ويعبّر عن ذلك بقوله إن المطلوب أن تكون «الأيدي موحدة لنقاتل عدونا حتى لو استطعنا بأظافرنا»، في إشارة إلى أن قوة الأمة تبدأ من وحدتها وإرادتها، لا من حجم الإمكانات المادية وحدها.
معركة شرسة.. والعدو لا يميّز بين أحد
ويصف غبريس المواجهة الحالية بأنها "شديدة القسوة"، مؤكدًا أن العدو استخدم فيها مختلف أنواع الأسلحة المتطورة والفتاكة.
ويشير إلى أن الاعتداءات لم تميز بين كبير وصغير، ولا بين طفل وشيخ، ولا بين مقاتل ومدني، مؤكدًا أن طبيعة هذه المواجهة تكشف حقيقة العدو، وتؤكد أن استهدافه لا يقتصر على طرف أو فئة بعينها.
ومن هنا، يوجه دعوة إلى أبناء الأمة، بمختلف مذاهبهم وانتماءاتهم، لاستثمار أسبوع الوحدة باعتباره فرصة لإعادة ترتيب الصفوف في مواجهة هذا العدو.
ويشدد على أن من يحب رسول الله (ص) حقًا، عليه أن يجعل من هذه المناسبة محطة عملية للالتقاء حول ما يجمع المسلمين، لا مناسبة لتجديد الخلافات.
ويؤكد أن التجارب السابقة والحروب أثبتت قدرة الأمة الإسلامية على إلحاق الضربات بالعدو عندما تتوافر الإرادة الموحدة، مشيرًا إلى أن التطورات الأخيرة قدمت، بحسب تقييمه، نماذج على قدرة محور المقاومة على الصمود والمواجهة.
إيران.. تجربة نقلت الوحدة من النظرية إلى الميدان
يتوقف الشيخ غبريس عند تجربة الثورة الإسلامية في إيران، موضحًا أنها تقدم نموذجًا يمكن الاستفادة منه في مختلف الأزمنة والمجتمعات.
ويشير إلى أن الثورة قامت على الإيمان بالله، وجعلت الإسلام قدوة ونهجًا، واعتمدت القرآن الكريم وسيرة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيت العصمة (عليهم السلام) مرجعية لها.
ويشدد على أن الإمام الخميني (قدس سره) لم يقدم نفسه بوصفه مجرد رجل سياسي، بل كان واضحًا في هويته ومشروعه، وأعلن صراحة أنه مسلم، وعمل على إقامة دولة تقوم على الإسلام.
ويرى أن المنهج الذي اعتمده الإمام الراحل منذ انتصار الثورة، واستمر بعده بمتابعة من الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي (رض)، أثبت أن الأفكار التي تبدو في بدايتها نظرية يمكن أن تتحول إلى واقع إذا توفرت الإرادة والإيمان والعمل.
حين تحولت الشعارات إلى فعل
ويستشهد الشيخ غبريس بما يعده نموذجًا على التحول من النظرية إلى التطبيق، مشيرًا إلى الإقبال الشعبي الواسع في إيران على الاستعداد للدفاع عن البلاد والثورة والنظام الإسلامي خلال المواجهات.
ويقول، إن كثيرين كانوا يتوقعون أعدادًا محدودة من الراغبين في المشاركة، لكن المفاجأة كانت في حجم الإقبال الشعبي، مبيّنًا أن تسجيل أعداد ضخمة من الأشخاص المستعدين للدفاع عن إيران شكّل ترجمة عملية لقناعات تربت عليها الأجيال.
ويؤكد أن شعارات مثل "الموت لإسرائيل" و"الموت لأميركا" و"لا شرقية ولا غربية" لم تبقَ، بحسب رؤيته، في إطار الخطاب السياسي، بل تحولت إلى استعداد فعلي للتضحية.
ويشير إلى تقديم علماء ومتخصصين ومقاتلين وعناصر من مختلف المؤسسات الأمنية والعسكرية أرواحهم في سبيل ما يؤمنون به، موضحًا أن ذلك يمثل أحد أبرز وجوه انتقال الفكرة من النظرية إلى الميدان.
من إيران إلى لبنان وفلسطين واليمن والعراق
ويؤكد مسؤول العلاقات العامة في تجمع العلماء المسلمين أن التجربة لم تبقَ محصورة في إيران، بل امتدت إلى ساحات أخرى، حيث يؤكد أن هناك اليوم مجتمعات مقاومة في لبنان وفلسطين والعراق واليمن.
ويرى أن هذه التجارب تؤكد أن مشروع الوحدة والمقاومة قادر على إنتاج واقع جديد، وأن الفكرة التي كان بعض الانهزاميين يراها غير قابلة للتطبيق أصبحت «واقعًا وحقيقة».
ويشير إلى أن الجمهورية الإسلامية تمثل محورًا أساسيًا في هذا المسار، مؤكدًا أن الانتماء إلى هذا المحور هو مصدر اعتزاز.
ويقدم غبريس من لبنان مثالًا على التحول من القناعة إلى الاستعداد العملي، مشيرًا إلى ما يصفه بروح التضحية لدى شرائح واسعة من المجتمع.
ويلفت إلى أن الحديث عن الشباب المقاوم لا يقتصر على العشرينيات والثلاثينيات، بل يمتد إلى أعمار أكبر، حيث يروي أنه التقى خلال فعالية مرتبطة بذكرى ولادة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) رجلًا عرّف نفسه بأنه والد شهيد، وأكد له أنه، رغم تقدمه في العمر، مستعد لأن يكون في خدمة المقاومين وأن يقدم نفسه في سبيل المقاومة.
ويعتبر غبريس أن هذا النموذج يعكس طبيعة التحول الذي أحدثته مدرسة المقاومة في الوعي الاجتماعي، بحيث لم تعد التضحية مرتبطة بجيل واحد أو فئة عمرية محددة.
ما كان مستحيلًا أصبح واقعًا
ويختم الشيخ حسين غبريس بالتأكيد على أن المشروع الذي أسسه الإمام الخميني (قدس سره) لم يعد مجرد نظرية أو شعارات، بل تحول، وفق تعبيره، إلى واقع ملموس في أكثر من ساحة.
ويشير إلى أن الإمام الخميني، ثم القادة الذين واصلوا هذا النهج، تمكنوا من تحويل الكثير مما كان يبدو مستحيلًا إلى حقائق قائمة، مؤكدًا أن الأمة اليوم تمتلك من عناصر القوة والقدرة ما يؤهلها لمواجهة التحديات.
وبين أسبوع الوحدة الإسلامية وذكرى ولادة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، يبرز خطاب الشيخ غبريس باعتباره دعوة إلى تجاوز حدود المناسبة، والانتقال من الحديث عن الوحدة إلى ممارستها، ومن الاحتفال بها إلى الدفاع عنها، ومن الاعتراف بالمشتركات إلى بناء المواقف عليها.
ففي مواجهة عدو لا يميز بين مذهب وآخر، ولا بين طفل وشيخ، لم تعد الوحدة بالنسبة إلى الشيخ غبريس خيارًا سياسيًا فحسب، بل ضرورة لحماية الأمة، وترجمة عملية لما يجمعها من دين ونبي وقرآن وقضية ومصير.