خاص العهد
لم تعد الوحدة الإسلامية، في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، عنوانًا لمناسبة عابرة أو شعارًا يُرفع في موسم ديني فحسب، بل باتت أمام اختبار حقيقي في مواجهة مشروع يعمل على إعادة رسم المنطقة وفق منطق التجزئة والصراع الداخلي. وبينما تتسع دائرة الاستهداف الأميركي ـ الصهيوني، تتقدم الحاجة إلى تحصين المجتمعات من أدوات التفكيك، وفي مقدّمها الفتن المذهبية والقومية.
ومنذ إطلاق الإمام الخميني (قدس سره) أسبوع الوحدة الإسلامية، كان الرهان على تحويل المشتركات بين المسلمين إلى قوة فعلية في مواجهة أعداء الأمة.
واليوم، يرى الأمين العام لحركة الأمة الشيخ عبد الله جبري، في حديث لموقع العهد الإخباري، أن المرحلة تجاوزت مجرد السعي إلى تعطيل مشاريع العدو أو تأخيرها، وباتت تتطلب وعيًا قادرًا على إسقاطها وإفشالها، مؤكدًا أن الوحدة هي المدخل الأساس أمام أمة تواجه مشروعًا لا يستثني مكوّنًا ولا جغرافيا.
أسبوع الوحدة.. مشروع يتجاوز المناسبة
يرى الشيخ عبد الله جبري، أن الإمام الخميني (قدس سره) عندما أطلق أسبوع الوحدة الإسلامية، انطلق من حاجة الأمة إلى حماية نفسها من الفتنة والتشرذم، مستفيدًا من مناسبة ولادة النبي محمد (ص) لتكون مساحة جامعة بين المسلمين.
ويشير إلى أن فكرة أسبوع الوحدة لم تأتِ منفصلة عن المنظومة الإسلامية التي تحث على الاعتصام والوحدة، بل جاءت لترجمة هذا المبدأ إلى مناسبة عملية تلتقي فيها المذاهب الإسلامية حول المشتركات التي تجمعها.
ويؤكد أن هذه المبادرة التي أطلقها الإمام الخميني ورُسّخت لاحقًا في عهد الإمام الخامنئي (قدس سره)، باتت اليوم أكثر أهمية من أي مرحلة سابقة، في ظل طبيعة المشروع الذي تواجهه المنطقة.
مشروع لا يستثني أحدًا
يعتبر جبري أن خطورة المرحلة الحالية تكمن في أن العدو لم يعد يخفي أطماعه ومشاريعه، بل بات يطرحها بصورة علنية، مشيرًا إلى خرائط العدو التي أعلنها والمتعلقة بمشاريع تستهدف المنطقة بأكملها.
وبحسب رؤيته، فإن هذه المشاريع لا تستهدف دولة بعينها أو شعبًا دون سواه، بل تمتد لتشمل مختلف جغرافيا المنطقة، من الخليج إلى مصر وتركيا وسواها.
ومن هنا، يشدد على ضرورة أن تدرك الأمة أن العدو لن يترك طرفًا لمصلحة طرف آخر، وأن مشروع التفتيت إذا نجح في موضع فلن يتوقف عنده.
ويقول الشيخ جبري، إن "على الجميع أن يفهم أن دائرة الاستهداف واحدة، وأن الرهان على استثناء هذه الفئة أو تلك من المشروع المعادي رهان خاسر".
التفتيت شرط للمشروع الصهيوني
ويرى الأمين العام لحركة الأمة، أن مشروع ما يسمى "إسرائيل الكبرى" لا يمكن أن يتحقق، دون تفكيك المنطقة وتحويلها إلى كيانات متنازعة. ويشير إلى أن أدوات التفتيت متعددة، وقد تأخذ طابعًا عرقيًا أو مذهبيًا أو قوميًّا أو مرتبطًا بالجنسيات والهويات المحلية.
ويحذر من أن الاحتلال يسعى إلى التعامل مع هذه الأدوات باعتبارها أدوات يمكن تحريكها متى شاء، بما يؤدي إلى إضعاف المجتمعات وإشغالها بصراعات داخلية بدل مواجهة المشروع الأساس الذي يستهدف المنطقة.
ومن هنا، يرى أن الوحدة الإسلامية ليست ترفًا سياسيًا، بل تمثل خط دفاع أساسيًا في وجه مشروع يقوم على تفكيك المنطقة من الداخل.
الفتنة.. سلاح متجدد
وفي حديثه، يلفت جبري إلى أن محاولات إثارة الفتن لا تتخذ شكلًا واحدًا، بل تتغير بحسب طبيعة كل مجتمع.
ويشير إلى محاولات استثمار العلاقة بين العرب والأكراد، أو بين العرب والأتراك، إضافة إلى إثارة الخلافات بين أبناء المجتمع الواحد، فضلًا عن إعادة إحياء الفتن المذهبية كلما سنحت الفرصة.
ويؤكد أن الهدف من كل ذلك واحد: ضرب مفهوم الأمة الواحدة وتحويل التعدد الطبيعي داخل المجتمعات إلى صراع دائم.
ويشدد على أن المسلمين يتحملون مسؤولية كبيرة في مواجهة هذه المحاولات؛ لأن كل خطاب أو موقف يسهم في تعميق الانقسام قد يتحول، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى خدمة للمشروع الذي يستهدف المنطقة.
المطلوب إسقاط المشروع لا تأخيره
ويؤكد جبري أن قوى المقاومة نجحت خلال مراحل مختلفة في تعطيل مشاريع العدو وتأخيرها، إلا أن المرحلة الحالية تتطلب الانتقال إلى مستوى آخر من المواجهة.
ويشدد على أن المطلوب لم يعد مجرد تأخير المشروع الأميركي ـ الصهيوني، بل العمل على "إلغائه وإفشاله بشكل تام".
ويوضح أن الوصول إلى هذه المرحلة يحتاج إلى وعي حقيقي بطبيعة المعركة، وإلى إدراك أن المشاريع العسكرية والسياسية والاقتصادية للعدو لا تنفصل عن محاولاته زرع الانقسام داخل المجتمعات.
ويؤكد أن الأمة مطالبة بإعادة النظر في طريقة تعاملها مع هذه المشاريع، وعدم الاكتفاء بردود الفعل، بل بناء وعي قادر على مواجهة المشروع وإسقاط أدواته.
طوفان الأقصى .. نقطة تحول
ينظر الشيخ جبري إلى عملية طوفان الأقصى في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 باعتبارها محطة مفصلية غيّرت الكثير من المعادلات.
ويشير إلى أن العالم بعد طوفان الأقصى ليس كما كان قبله، سواء على مستوى الحركة الإسلامية أو المزاج الشعبي العالمي أو النظرة إلى الاحتلال "الإسرائيلي".
ويؤكد أن الجرائم التي ارتكبها الاحتلال في غزة جعلت صورته أكثر وضوحًا أمام الرأي العام العالمي، بعدما أصبحت مشاهد القتل والدمار والانتهاكات حاضرة أمام الشعوب بصورة يومية. ويرى أن ذلك أسهم في إحداث تحول ملحوظ في الرأي العام الدولي، كما كشف طبيعة الدعم الأميركي للاحتلال.
غزة أعادت جمع ساحات المقاومة
يشدد جبري على أن أحد أبرز مظاهر الوحدة التي ظهرت خلال السنوات الماضية تمثل في وقوف قوى المقاومة إلى جانب غزة.
ويشير إلى عدة قوى من بينها الجمهورية الإسلامية في إيران، والمقاومة في لبنان، ومحور المقاومة بصورة عامة، مبيِّنًا أن هذه القوى لم تتعامل مع الحرب على غزة باعتبارها شأنًا فلسطينيًا منفصلًا، بل انخرطت في مسار المساندة والدعم.
ويرى أن هذا التلاقي بين ساحات متعددة يؤكد أن القضية الفلسطينية لا تزال قادرة على جمع مكونات الأمة، وأن المقاومة استطاعت أن تجعل منها محورًا يتجاوز الحدود والجغرافيا والانتماءات.
ويؤكد أن المعركة لم تنتهِ، وأن المرحلة المقبلة قد تحمل تطورات أكبر، ما يجعل الحاجة إلى وحدة الموقف والجهوزية أكثر إلحاحًا.
إيران.. استعداد لمواجهة طويلة
يتوقف جبري عند تجربة الجمهورية الإسلامية في إيران، مؤكدًا أن ما أظهرته خلال المواجهة الأخيرة يثبت أنها كانت تستعد منذ سنوات لاحتمالات الحرب.
ويشير إلى أن الشهيد الإمام الخامنئي (قدس سره) عمل على بناء منظومة متكاملة من الاستعداد، شملت الجوانب التعبوية والاقتصادية والصناعية والعسكرية.
ويرى أن هذا الاستعداد هو الذي مكّن الجمهورية الإسلامية من الصمود أمام الحرب، مؤكدًا أن ما ظهر في المواجهة لم يكن نتيجة قرارات آنية، بل ثمرة مسار طويل من الإعداد.
كما يشير إلى أن الدعم الإيراني للفصائل الفلسطينية لم يقتصر على الجانب السياسي، بل شمل التدريب والمساندة اللوجستية وغيرها من المجالات المرتبطة بالمواجهة.
الصمود في مواجهة الاستنزاف
يرى جبري أن صمود الجمهورية الإسلامية، إلى جانب وحدة قوى المقاومة، يضع الولايات المتحدة أمام معركة استنزاف طويلة.
ويشير إلى أن الحديث عن تراجع أو إرهاق الاقتصاد الأميركي بات حاضرًا في النقاش العام، ويصف المرحلة الحالية بأنها مرحلة "عض أصابع"، مؤكدًا أن كل طرف يحاول اختبار قدرة الطرف الآخر على الصمود.
ومن هنا، يدعو إلى عدم التعامل مع المرحلة باعتبارها مرحلة حسم نهائي، بل مرحلة حذر وترقب، خصوصًا أن احتمال حصول تطورات جديدة لا يزال قائمًا.
مخاض فجر جديد
ويصف جبري المرحلة الراهنة بأنها "مخاض فجر جديد للأمة"، مؤكدًا أن الطريق نحو هذا التحول لن يكون بالضرورة سهلًا أو خاليًا من الأزمات.
ويحذر من احتمال حصول مزيد من التأزم والتعقيدات، لكنه يرى في الوقت نفسه أن هذه المرحلة تحمل فرصًا جديدة أمام الأمة، شرط أن تحافظ على وحدتها وأن تتعامل مع التطورات بوعي ومسؤولية.
وبالنسبة إليه، فإن النصر يصبح أقرب كلما ازدادت قدرة الأمة على تجاوز خلافاتها الداخلية، وتحويل التنوع إلى مصدر قوة بدل أن يكون مدخلًا للصراع.
الوحدة شرط مواجهة المشروع
في ختام حديثه، يؤكد الشيخ عبد الله جبري أن أسبوع الوحدة الإسلامية يجب أن يتحول من مناسبة سنوية إلى ثقافة دائمة في وعي الأمة.
فالمشروع الأميركي ـ الصهيوني لا يواجه مذهبًا دون آخر ولا شعبًا دون سواه، وإنما يستهدف المنطقة بمكوناتها المختلفة، ما يجعل تفويت فرصة الوحدة خدمة مجانية للعدو.
ويرى أن المطلوب اليوم هو الانتقال من مجرد تعطيل مشاريع الاحتلال والولايات المتحدة إلى إسقاطها وإفشالها، وهو ما يحتاج إلى أمة متماسكة تعرف أولوياتها وتدرك أن معركتها الحقيقية ليست مع اختلافاتها الداخلية.
وبينما تدخل المنطقة مرحلة جديدة من الصراع، يراهن جبري على أن وحدة المسلمين وقوى المقاومة يمكن أن تشكل قاعدة أساسية لتحولات أكبر، مؤكدًا أن التمسك بالوحدة هو الطريق الذي يحفظ للأمة قدرتها على الصمود، ويمنحها فرصة الانتقال من تأخير مشاريع العدو إلى إفشالها وإسقاطها.