ترجمات
محمد حمود- قسم اللغة الإنكليزية
التطور الأكثر كشفًا في الحرب الأميركية على إيران لم يأت من طهران، أو من ساحة المعركة، أو حتى من البيت الأبيض؛ إنما من داخل البنتاغون؛ حيث حذّر قادة عسكريون أميركيون كبار، وفقًا لتقارير وزير الحرب بيت هيغسيث، بأن استمرار العمليات واسعة النطاق، في جنوب غرب آسيا _الشرق الأوسط)، قد يضعف قدرة الولايات المتحدة على الاستجابة للتهديدات في أماكن أخرى. تكشف هذه المخاوف، والتي أوردتها واشنطن بوست، بصورة غير مسبوقة، القلق المتزايد داخل القيادة العسكرية بشأن مدى قدرة الولايات المتحدة على تحمّل التزاماتها العالمية والاستمرار فيها.
وفقًا لـ"واشنطن بوست"، خلص تقييم سري حديث إلى أن الجيش يواجه صعوبة في الحفاظ على المستوى الحالي من العمليات، ما يحوّل ما قدّمته واشنطن على أنه استعراض للقوة الساحقة إلى اختبار متزايد لمدى قدرة هذه القوة على الصمود فعليًا.
بحسب الصحيفة الأميركية، قدّم عدد من كبار القادة العسكريين اعتراضات رسمية على إطالة أمد العمليات عالية الكثافة في المنطقة. تسلّط هذه المخاوف، والتي وثقت في كتاب أوامر وزير الدفاع السري بتاريخ 14 أغسطس/آب، الضوء على الضغط الشديد الذي تتعرض له الأساطيل البحرية وأنظمة الدفاع الجوي ودورات انتشار القوات. لقد أشار القادة الميدانيون إلى أن الحفاظ على هذا الإيقاع يضعف قدرة الجيش على الاستجابة لتهديدات محتملة في آسيا وأوروبا وداخل الولايات المتحدة نفسها. تاليًا، الاحتكاك المتزايد داخل المؤسسة الدفاعية يؤكد حقيقة واضحة؛ وهي أن التوسع الجيوسياسي غير المحدود له تكاليف داخلية واستراتيجية لا يمكن تجنّبها.
إجهاد الأسطول وانقسام الموارد
وفقا للتقارير؛ فإن القادة المسؤولين عن مناطق العمليات، في المحيط الهادئ وأوروبا والجنوب، قدّموا اعتراضات رسمية على استمرار تحويل الموارد إلى القيادة المركزية الأميركية. لقد عارض الأدميرال صامويل بابارو، وهو قائد القيادة الأميركية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بصورة صريحة الاستمرار في تحويل مجموعات حاملات الطائرات ومدمرات الصواريخ الموجّهة بعيدًا عن المسارح الآسيوية الحيوية. أما رئيس العمليات البحرية الأدميرال داريل كاودل، فقدّم التقييم الأكثر قتامة، محذرًا هيغسيث من أن 25 في المئة تقريبًا من أسطول المدمرات الأميركي لا يزال في حال تسمح بنشره بسبب متطلبات العمليات المتواصلة.
هذا؛ وتواصل تراكمات الصيانة الحادة، إلى جانب الاستنزاف الكبير في مخزونات صواريخ توماهوك الجوالة، خلق مخاطر كارثية على جاهزية الأسطول. كذلك حذّرت قيادات الجيش والقوات الجوية من أن تمديد انتشار القوات، حتى العام 2027 يعرّض وحدات برية، مثل الفرقة 82 المحمولة جوًا، وأسراب المقاتلات، لإرهاق عملياتي لا يمكن تحمّله. تعكس هذه التحذيرات نمطًا متكررًا في الاستراتيجية العسكرية الغربية في إطلاق حملات عدوانية مفتوحة النهاية، من دون احتساب العواقب بعيدة المدى بصورة كاملة.
استنزاف الدفاعات وثمن الالتزامات العالمية
يكشف هذا الاحتكاك الداخلي اتساع الفجوة بين المسؤولين المدنيين الذين يضعون أهدافًا استراتيجية هجومية، وبين القادة العسكريين الذين يتعين عليهم إدارة موارد محدودة. إذ استُنزفت كميات كبيرة من الذخائر الأساسية، منها صواريخ اعتراض أنظمة «ثاد» و«باتريوت» للدفاع الجوي، ما أثار مخاوف بشأن الجاهزية لمواجهة خصوم محتملين من ذوي القدرات العالية.
وفقًا لـ"واشنطن بوست"، واجه الرئيس دونالد ترامب وزير الدفاع هيغسيث بشأن هذه النواقص؛ بعد أن علم أن الخيارات العسكرية أصبحت محدودة بسبب نقص الذخائر. إضافة إلى ذلك، فُقد نحو 25 في المئة من أسطول طائرات «ريبر» المسيّرة التابع للبنتاغون خلال الحملة، ما كشف نقاط ضعف إضافية.
على الصعيد الدبلوماسي، أدّى نهج الاعتماد على الذات والتحرك المنفرد إلى توتير العلاقات مع المؤسسات الدولية والحلفاء التاريخيين. مع استمرار القوى الكبرى في تطبيق القانون الدولي، بصورة انتقائية، تبدو السلطة الأخلاقية، والتي طالما ادّعت التحالفات الغربية امتلاكها أكثر هشاشة من أي وقت مضى، تحت وطأة ازدواجية المعايير الظاهرة للعيان.
قوة عسكرية عالمية ممتدة إلى أقصى حدودها
تكشف الأزمة الاستراتيجية الحالية التناقضات الكامنة في الحفاظ على وجود عسكري عالمي ممتد إلى أقصى حدوده. وفقًا لـ"واشنطن بوست"؛ يتفق كبار المسؤولين العسكريين، على نطاق واسع، على أن الحملة ضد إيران استمرت لمدة أطول مما ينبغي وفرضت تكاليف أكبر مما ينبغي. لقد اكتسبت طهران، وهي تدرك استنزاف الترسانات الأميركية وتزايد الإرهاق الشعبي، نفوذًا أكبر على طاولة المفاوضات.
يُظهر إلغاء التدريبات المشتركة المخطط لها، مثل المناورات البرمائية الكبرى مع كوريا الجنوبية، كيف يمكن للاستنزاف، في منطقة جنوب غرب آسيا (الشرق الأوسط)، أن يضعف الالتزامات في مناطق أخرى. مع تراجع مخزونات صواريخ الاعتراض وانخفاض مستوى الجاهزية على جبهات متعددة، تواجه فكرة التفوق العالمي قيودًا صارخة. كما يجد صانعو السياسات في الغرب أنفسهم أمام قرار صعب: إما تقليص الطموحات الجيوسياسية الواسعة، أو قبول المزيد من التراجع العملياتي.
نقطة الانهيار أمام التدخل غير المحدود
في هذه الأثناء، رفض المتحدث باسم البنتاغون شون بارنيل التعليق على المداولات الداخلية السرية، مؤكدًا أن التزامات القوات لا تزال متوافقة مع تقييمات التهديدات العالمية. مع ذلك، فإن المعارضة الموثقة من جانب كبار القادة تشير إلى أن سياسة التوسع غير المحدود تقترب من نقطة الانهيار. من دون إعادة تقويم جوهرية لأولويات السياسة الخارجية، قد تؤدي دوامة التصعيد في نهاية المطاف إلى شلّ الجهاز الأمني نفسه الذي يفترض أن تحميه.
في النهاية، يشكّل هذا الاعتراض داخل المؤسسة الدفاعية تحذيرًا صارخًا؛ وهو أن التدخل العالمي غير المنضبط قد ينتهي به الأمر إلى تقويض استقرار أولئك الذين يسعون إليه.