اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي الاحتلال يصعّد عدوانه جنوبًا.. غارات وتفجيرات تستهدف بلدات عدة 

عربي ودولي

من
🎧 إستمع للمقال
عربي ودولي

من "لارك" إلى مضخات الوقود الأميركية.. إيران تحوّل العدوان الأميركي إلى كلفة اقتصادية

202

لم تقتصر ارتدادات العدوان الأميركي الأخير على الميدان العسكري، بل سرعان ما انتقلت إلى الاقتصاد والأسواق، في مشهد يعكس مجددًا حجم تأثير المعادلات الإيرانية في مواجهة واشنطن وقدرتها على تحويل أي تصعيد أميركي مباشر إلى كلفة تتلقاها الولايات المتحدة في الداخل قبل الخارج.

فالعدوان الأميركي الذي استهدف جزيرة "لارك" الإيرانية أشعل موجة جديدة من الاضطرابات في أسواق الطاقة، بالتزامن مع تصعيد التوتر في مضيق هرمز، لتبدأ تداعياته بالظهور سريعًا في أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة، بما يضيف ضغوطًا جديدة إلى اقتصاد يعاني أصلًا من حساسية مرتفعة تجاه تقلبات أسعار النفط.

وبعد أقل من 24 ساعة على العدوان، بدأت النتائج العكسية تظهر في السوق الأميركية. وأفاد موقع "أكسيوس" الأميركي بأن استهداف "لارك"، وما تبعه من رد إيراني، انعكس مباشرة على أسعار البنزين والديزل في الولايات المتحدة، موضحًا أن التصعيد في مضيق هرمز أدى إلى ارتفاعات متتالية في أسعار الوقود، بما يزيد الكلفة على السائقين والأسر الأميركية.

ولا يتوقف تأثير ارتفاع أسعار الوقود عند محطات التعبئة، إذ سرعان ما ينتقل إلى قطاعات الشحن والنقل والخدمات، بما يرفع كلفة حركة البضائع ويزيد الضغوط التضخمية على المستهلك الأميركي. ومن هنا تتحول المواجهة في الممرات البحرية وأسواق الطاقة إلى عامل ضغط مباشر على الإدارة الأميركية، التي تجد نفسها أمام معادلة يصعب احتواؤها سياسيًا واقتصاديًا.

وتكشف هذه التطورات عن تفاوت واضح في قدرة الطرفين على تحمل تداعيات التصعيد. فالاقتصاد الأميركي، بحكم حجمه وتشابك قطاعاته واعتماده الكبير على استقرار أسواق الطاقة، يبقى شديد التأثر بأي ارتفاع مفاجئ في أسعار النفط والوقود، فيما تملك إيران خبرة طويلة في التعامل مع العقوبات والحصار والضغوط الاقتصادية، إلى جانب امتلاكها موقعًا جغرافيًا يمنحها أوراقًا مؤثرة في حركة الطاقة العالمية.

وتتضح أهمية هذه الورقة أكثر عند النظر إلى مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية للطاقة عالميًا، حيث إن أي اضطراب في حركة الملاحة فيه لا يبقى محصورًا في المنطقة، بل يمتد سريعًا إلى أسعار النفط والتأمين والشحن وسلاسل الإمداد. وبذلك، يصبح الردع الإيراني قادرًا على إنتاج تأثير اقتصادي يتجاوز حدود الضربة العسكرية نفسها، من خلال رفع كلفة المخاطر التي تتحملها الأسواق والدول والشركات المرتبطة بحركة الطاقة.

وفي هذا السياق، صعد سعر خام "برنت" خلال الساعات الماضية بنسبة 2.51% ليبلغ 90.31 دولارًا للبرميل، فيما ارتفع خام "غرب تكساس الوسيط" بنسبة 2.19% إلى 85.23 دولارًا للبرميل. وتعكس هذه القفزة حساسية الأسواق تجاه أي تطور عسكري يمس أمن الملاحة وإمدادات الطاقة، ولا سيما عندما يرتبط التصعيد بمضيق هرمز.

وبذلك، لا تبدو تداعيات المواجهة بالنسبة إلى واشنطن محصورة في الخسائر أو الضغوط العسكرية في المنطقة، إذ تنتقل آثارها إلى الداخل الأميركي عبر أسعار الوقود والتضخم وكلفة النقل والاستهلاك، بما يضع الإدارة الأميركية أمام استحقاق سياسي واقتصادي متزايد.

وبالعودة إلى الأشهر الستة الماضية من العدوان الأميركي، تبدو المعادلة أكثر وضوحًا: واشنطن التي اعتادت خلال عقود استخدام التفوق العسكري والاقتصادي لفرض إرادتها على خصومها، تواجه خصمًا يمتلك قدرة على توزيع كلفة المواجهة خارج ساحته المباشرة. فكل تصعيد عسكري أميركي قد يفتح الباب أمام رد إيراني يرفع مستوى المخاطر في الملاحة، ويدفع أسعار التأمين والنفط إلى الارتفاع، ويزيد اضطراب سلاسل الإمداد، وصولًا إلى المواطن الأميركي الذي يلمس آثار المواجهة عند مضخة الوقود وفي أسعار السلع.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية: كلما اتسع نطاق التصعيد، اتسعت معه دائرة الكلفة التي تدفعها الولايات المتحدة. فالاستمرار في المسار العسكري يعني مزيدًا من الضغوط على أسعار الطاقة والتضخم والاقتصاد الداخلي، فيما يحمل التراجع بدوره كلفة سياسية وعسكرية تتمثل في الإقرار بعجز واشنطن عن فرض معادلتها أو تحقيق أهدافها بالقوة.

وبين هذين الخيارين، تجد إدارة ترامب نفسها أمام مأزق متزايد: عدوان لا تبقى كلفته داخل ساحات المواجهة، وردع إيراني لا يحتاج بالضرورة إلى معادلة عسكرية موازية في الحجم كي يترك أثرًا مباشرًا في الاقتصاد الأميركي والعالمي. وهكذا تتحول الطاقة والملاحة والأسواق إلى ساحات إضافية للصراع، وتصبح كل مغامرة عسكرية أميركية جديدة مرشحة لأن ترتد على الداخل الأميركي بكلفة سياسية واقتصادية متصاعدة.

الكلمات المفتاحية
مشاركة