إيران
اهتمت الصحف الإيرانية الصادرة اليوم السبت (05 أيلول/سبتمبر 2026)، بتحليل الأوضاع المتشابكة والمتوترة في المنطقة وقد أخذ لبنان مجالًا أوسع من السابق في التحليلات، كما اهتمت ببيان الحقائق غير المعلنة حول سوق النفط في إيران وآليات التصدير في ظل العقوبات الاقتصادية.
أميركا في فخ سوء التقدير
بداية، كتبت صحيفة وطن أمروز: "دخلت الحرب الأمريكية ضد إيران مرحلةً لم يعد بالإمكان فيها قياسها بمجرد عدد الغارات الجوية أو الصواريخ المُطلقة أو الأهداف المُدمرة. المسألة الأهم هي ما إذا كانت واشنطن لا تزال قادرة على الحفاظ على المعادلة نفسها التي وضعتها لنفسها في بداية الحرب. تمتلك الولايات المتحدة معدات عسكرية متطورة، لكن امتلاك القوة لا يعني بالضرورة القدرة على تحويلها إلى "نتيجة سياسية". ربما تكون ساحة المعركة الأهم اليوم ليست سماء إيران، ولا حتى مضيق هرمز، بل "الحسابات الاستراتيجية الأمريكية". للحفاظ على مصالحها الوطنية، لا يتعين على إيران بالضرورة هزيمة الولايات المتحدة في جميع المجالات؛ يكفي زيادة تكلفة ووقت ومخاطر النصر الأمريكي المتوقع إلى حدٍّ يجعل تحقيق هدف واشنطن الأولي مستحيلاً بالوسائل المتاحة.
[...] كل حرب تقوم على سلسلة محددة: القوة العسكرية، وتقدير رد فعل الطرف الآخر، والوقت اللازم لتحقيق الهدف، والتكلفة المقبولة. إذا انهار أحد هذه الروابط، فإن التفوق العسكري وحده لا يؤدي بالضرورة إلى نصر سياسي. المهم اليوم هو هذه النقطة. السؤال الحاسم هو: هل نجحت هذه الهجمات في إجبار طهران على قبول المطالب السياسية الأمريكية؟ تشير الحقائق على أرض الواقع إلى أن الإجابة هي لا. ففي الأول من أيلول\ سبتمبر، شنت الولايات المتحدة سلسلة من الهجمات على دفاعات إيران، وراداراتها، وبنيتها البحرية، وقدراتها على زرع الألغام، وشبكات اتصالاتها، وردت إيران بمهاجمة أهداف وقواعد أمريكية وحليفة في المنطقة. تُظهر هذه الدورة أن حسابات أمريكا، أي استسلام إيران الاستراتيجي، لم تتحقق.
هذه هي النقطة التي يجب على إيران استغلالها؛ ليس بادعاء النصر، بل بتحويل الحرب إلى معادلة تكلفة/فائدة للطرف الآخر. إذا اضطرت واشنطن إلى بذل المزيد من القوة، والمزيد من الوقت، والمزيد من الموارد، ومخاطرة سياسية أكبر لتحقيق كل هدف جديد، فإن حسابات أمريكا الأصلية تتلاشى في الواقع. لا ينبغي أن تكون الحرب بالنسبة لإيران مجرد سباق "للضرب بقوة أكبر"، بل يجب أن تكون سباقًا لفرض المزيد من التكاليف على صانع القرار الأمريكي.
[...] ورغم ادعاء الولايات المتحدة "بضمان أمن الممر المائي"، فإن واقع السوق وسلوك شركات الشحن يشيران إلى عكس ذلك؛ إذ لا تستطيع القوة العسكرية الأمريكية مرافقة سفينة ولا كسب ثقة السوق.
هذه النقطة بالغة الأهمية للمصالح الوطنية الإيرانية: يجب ألا يتحول مضيق هرمز إلى أداة لإلحاق الضرر الاقتصادي بإيران، كما لا ينبغي الاستهانة بأهميته الاستراتيجية. على إيران أن تختار بين "إغلاق مضيق هرمز" و"القدرة على التأثير في أمنه". الخيار الأول يُكبّد الاقتصاد العالمي تكاليف باهظة، وتتحمل إيران هذه التكاليف أيضاً، وهو أمر طبيعي، أما الخيار الثاني فيمكن أن يكون رادعاً. الهدف الذكي لإيران هو تحويل مضيق هرمز إلى قوة ردع، وبالطبع، ينبغي النظر إلى هذه المسألة على المدى البعيد، لأن هرمز ليس ساحة معركة دائمة.
[...] من منظور استراتيجي، باتت حقيقة واضحة: الحرب الإيرانية الأمريكية لم تعد مجرد حرب في إيران، بل سينتقل جزء من تكاليفها إلى سوق الطاقة العالمي، وفي نهاية المطاف إلى المستهلك الأمريكي. هذه هي النقطة التي غابت عن حسابات واشنطن. إذا أدى استمرار الحرب إلى ارتفاع أسعار الطاقة، والتضخم، والضغط على المستهلكين، وزيادة الإنفاق العسكري، فسيكون الرئيس الأمريكي مضطرًا للموازنة بين تحقيق أقصى قدر من الأهداف الخارجية وتحمل التكاليف المحلية، مما يعني أن خيارات أمريكا ستكون محدودة.
[...] مع ذلك، لا ينبغي إغفال حقيقة مهمة: في الحرب الاقتصادية، ليس الوقت بالضرورة في صالح إيران. فإذا استطاعت إيران إرباك الحسابات العسكرية الأمريكية دون التفكير في محاصرتها اقتصاديًا، فقد تخسر جزءًا من مكاسبها في مجال الردع. لذا، فإن الدفاع عن المصالح الوطنية في هذه المرحلة لا يعني فقط زيادة القوة العسكرية؛ بل يشمل أيضًا الدفاع عن شبكة التصدير، وعائدات النقد الأجنبي، والتجارة مع الشركاء الأجانب، والأمن الغذائي، واستقرار السوق المحلية. يجب على إيران أن تثبت أن الحصار الاقتصادي لا يمكنه شلّ اقتصادها، وإلا فقد تحقق الولايات المتحدة بعض أهدافها من خلال التآكل الاقتصادي دون تحقيق نصر عسكري حاسم.
[...] من الأخطاء الاستراتيجية في مثل هذه الحرب أن يضع الطرف الآخر قواعد اللعبة وأن تكتفي إيران بالرد عليها. فإذا استهدفت الولايات المتحدة رادارًا، فعلى إيران أن تستهدف رادارًا آخر؛ وإذا استهدفت الولايات المتحدة قاعدة عسكرية، فعلى إيران أن تستهدف قاعدة أخرى. إذا فرضت الولايات المتحدة عقوبات، فلن ترد إيران إلا بالعقوبات... في النهاية، ستظل اللعبة تُدار على الأرض التي رسمتها واشنطن. تتمثل الاستراتيجية الأكثر فعالية لإيران في توسيع نطاق حسابات الولايات المتحدة. أي أن واشنطن ستُجبر على حساب ليس فقط الرد العسكري الإيراني، بل أيضًا أسعار النفط، وأمن الملاحة البحرية، وتكلفة القواعد الإقليمية، وردود فعل الدول العربية، والعلاقات مع الصين وروسيا، وضغط الرأي العام، والتكاليف السياسية الداخلية عند اتخاذ قرارات بشأن كل هجوم. لقد حققت إيران نجاحًا أكبر عندما تمكنت من تحويل قضية أرادت الولايات المتحدة إبقاءها ثنائية ومحدودة إلى قضية إقليمية ودولية.
[...] لا ينبغي أن يعني فشل حسابات الولايات المتحدة أن تصبح إيران طرفًا يرغب في استمرار الحرب إلى الأبد. تتطلب المصالح الوطنية الإيرانية عكس ذلك تمامًا. فالحرب الطويلة، حتى وإن كانت مكلفة للولايات المتحدة، فهي مكلفة أيضًا للاقتصاد والمجتمع الإيرانيين. لذا ينبغي أن تكون استراتيجية طهران المفضلة مزيجاً من الردع القوي والدبلوماسية النشطة: رفع تكلفة العدوان دون رفع تكلفة إنهاء الحرب بلا داع. هذا يعني أن على إيران أن توجه رسالتين في آن واحد: أولاً، لا يمكن لهجوم عسكري أن يجبر إيران على قبول الشروط المفروضة؛ ثانياً، إذا عاد الطرف الآخر إلى اتفاق متوازن ومضمون مصحوب برفع حقيقي للضغوط الاقتصادية، فإن طريق المفاوضات سيظل مفتوحاً. هذه السياسة تُخرج الحرب من ثنائية "الاستسلام/مواصلة الحرب" الخطيرة. كما أنها تعزز مصداقية السياسة الخارجية والدفاعية الإيرانية في الرأي العام الدولي، وتخلق خياراً ثالثاً: المقاومة لتحقيق المصالح الوطنية من موقع قوة.
[...] ربما في النهاية، ليس السؤال الأهم هو عدد الصواريخ الإضافية التي تمتلكها الولايات المتحدة في يوم معين، أو عدد الطائرات المسيرة والصواريخ التي أطلقتها إيران. السؤال الأهم هو: بعد عدة أشهر من الحرب، أي طرف لا يزال بإمكانه التنبؤ بثقة بأن أفعاله ستحقق النتيجة المرجوة؟ إذا لم تستطع أمريكا تحديد موعد انتهاء الحرب، وإذا لم تستطع السيطرة على تكلفة الطاقة، وإذا أصبح أمن قواتها في المنطقة قضية دائمة، وإذا تطلبت كل مرحلة جديدة من العملية حساب عشرات المتغيرات، فحينها حتى بدون "هزيمة عسكرية" تقليدية، تكون حسابات أمريكا قد فشلت".
استمرار المقاومة مقابل نزع السلاح
بدورها، كتبت صحيفة رسالت: "ما زال جنوب لبنان مجدداً محوراً لواحدة من أهم المواجهات الأمنية في غرب آسيا؛ مواجهة ظاهرها بين الكيان الصهيوني وحزب الله، لكنها في جوهرها تحولت إلى صراع على موازين القوى المستقبلية في المنطقة. لم يُنهِ وقف إطلاق النار الذي أُعلن في حزيران/ يونيو القتال، ولم يوقف الاحتلال "الإسرائيلي" لجنوب لبنان. تتواصل الهجمات والعمليات العسكرية "الإسرائيلية"، وأصبحت مرتفعات علي الطاهر في الأيام الأخيرة من أكثر النقاط حساسية في هذا الصراع.
في الوقت نفسه، وضعت الحكومة اللبنانية، تحت ضغط من الولايات المتحدة والغرب، قضية نزع سلاح حزب الله على جدول الأعمال؛ وهي عملية قد تُجبر المقاومة اللبنانية على دفع ثمن حرب لم يكن لها دور في إشعالها. تتضح أهمية التطورات الأخيرة في مرتفعات علي الطاهر من هذا المنطلق. فقد كانت هذه المرتفعات الاستراتيجية في جنوب لبنان بؤرة للصراع بين "إسرائيل" وحزب الله لأشهر. كثّف النظام "الإسرائيلي" عملياته حول المنطقة في الأيام الأخيرة، وأعلن يوم الأربعاء سيطرته العملياتية على المرتفعات بعد تطهير شبكة من الأنفاق تحت الأرض. ويزعم الجيش "الإسرائيلي" أن هذه البنية التحتية كانت جزءًا من شبكة قيادة وسيطرة حزب الله؛ إلا أنه لا يمكن التحقق بشكل مستقل من تفاصيل المزاعم العسكرية "الإسرائيلية" والوضع الدقيق للقوات على كلا الجانبين في المنطقة. ولم يُصدر حزب الله بعدُ بيانًا رسميًا كاملًا بشأن المزاعم "الإسرائيلية" الأخيرة.
ومع ذلك، فإن حتى إعلان "إسرائيل" السيطرة على علي الطاهر يُعد مؤشرًا على استمرار الأزمة أكثر من كونه نهاية للمعركة. فمنذ وصول قواتها إلى جنوب لبنان، سعت "تل أبيب" إلى تحويل وجودها العسكري إلى "منطقة أمنية"؛ وهي منطقة، وفقًا للتقارير المتاحة، تمتد في بعض الأماكن لمسافة تصل إلى 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية. وقد اشترطت "إسرائيل" انسحابها بنزع سلاح حزب الله، وهي غير مستعدة لإنهاء احتلال المناطق المتبقية بمجرد إنهاء القتال.
بمعنى آخر، تسعى "تل أبيب" إلى تحويل مسار الحرب من الساحة العسكرية إلى طاولة المفاوضات، وتحويل الاحتلال إلى أداة لانتزاع تنازلات سياسية من لبنان.
[...] في غضون ذلك، وعلى عكس الصورة التي تُقدّمها بعض وسائل الإعلام الغربية، لم يُستبعد حزب الله بعد من المعادلة اللبنانية. رغم الضغوط العسكرية المكثفة، حافظت هذه الحركة على قدرتها العملياتية والسياسية، ولم تُبدِ استعدادًا للتخلي عن أسلحتها طالما بقيت "إسرائيل" متواجدة في جنوب لبنان. حتى في قضية علي الطاهر، حذّر حزب الله من أن أي عملية "إسرائيلية" واسعة النطاق ضد هذه المنطقة قد تُؤدي إلى عودة الحرب الشاملة.
يُظهر هذا الموقف أن المقاومة، على الأقل في حساباتها، لا تعتبر مسألة الحرب منتهية بعد، وهي مستعدة للتمسك بخطوطها الحمراء.
وهنا يبرز دور إيران. فعلى عكس الصورة النمطية التي قد تُصوّر إيران كدولة سلبية أو مُتفرجة، فقد وجّهت طهران رسالتها مباشرةً إلى واشنطن في الأيام الأخيرة. ووفقًا لتقرير "رويترز"، حذّرت إيران الولايات المتحدة عبر عُمان من أنها ستواجه ردًا إيرانيًا قويًا وواسع النطاق إذا شنّت "إسرائيل" عملية شاملة ضد مرتفعات علي الطاهر.
هذه الرسالة، التي يُقال إنها نُقلت في آب/أغسطس، تُوضح أن طهران لا تنظر إلى التطورات في جنوب لبنان على أنها مجرد شأن داخلي بين بيروت و"تل أبيب".
تزعم تقارير منشورة وجود عدد من قوات الحرس الثوري الإيراني إلى جانب قوات حزب الله في منطقة علي الطاهر؛ وهو ادعاء لم تُعلن إيران موقفها الرسمي بشأنه بالتفصيل، ونفاه الجيش "الإسرائيلي" أيضاً. لذا، لا يمكن اعتبار هذا الجزء حقيقةً قاطعة. لكن الأهم هو الرسالة السياسية لطهران: فالتوسع "الإسرائيلي" في جنوب لبنان وتحويله إلى واقع دائم ليس قضية يمكن تجاهلها من وجهة نظر إيران.
[...] والآن، في ظل تصاعد الضغط العسكري والاقتصادي الأمريكي على إيران، لا تزال طهران تحاول التمييز بين جبهات الصراع المختلفة، وفي الوقت نفسه تمنع "إسرائيل" من استغلال انشغال إيران لفرض واقع جديد في لبنان.
من هذا المنطلق، لا ينبغي النظر إلى الأحداث في لبنان في سياق صراع محلي فحسب. تتمثل القضية الرئيسية في ما إذا كان بإمكان "إسرائيل"، ولأول مرة بعد حرب مكلفة، الاحتفاظ بأجزاء من أراضي دولة عربية، ثم الضغط على الطرف الآخر، بالاعتماد على الوساطة الأمريكية، لتسليم معداتها الدفاعية. إذا ما ترسخ هذا النمط، فلن تقتصر الرسالة على حزب الله فحسب، بل ستعم المنطقة بأسرها، مفادها أن الحرب قد تكون وسيلة لتغيير الجغرافيا الأمنية للدول المستقلة، وأن المفاوضات السياسية يمكن أن تصبح وسيلة لترسيخ المكتسبات العسكرية.
[...] في المقابل، يقوم نهج حزب الله وإيران على مبدأ مختلف. نزع سلاح المقاومة ليس بديلاً عن إنهاء الاحتلال. وقد أوضح حزب الله ذلك جلياً، كما أظهرت إيران بتحذيرها الأخير أنها لن تسمح لـ"إسرائيل" باستغلال فراغ وقف إطلاق النار لرسم حدود جديدة لوجودها العسكري في لبنان. إن الخلاف حول علي الطاهر ليس خلافاً على تلة، بل هو خلاف حول من له الحق في وضع قواعد مرحلة ما بعد الحرب.
بالطبع، الواقع على الأرض ليس سهلاً. فقد عانى جنوب لبنان من أضرار جسيمة في الأشهر الأخيرة، ولا يزال مئات الآلاف من النازحين، وتستمر الأزمة التعليمية والاجتماعية في المناطق التي مزقتها الحرب. ووفقًا لتقارير حديثة، لا يزال أكثر من 340 ألف شخص نازحين في جنوب لبنان، ولا تزال بعض المدارس تُستخدم كمخيمات للنازحين عشية بدء العام الدراسي الجديد. هذا الضغط الإنساني قد يُقيّد قدرة الحكومة اللبنانية على اتخاذ قرارات مستقلة، ويُمهّد الطريق لمزيد من الضغوط الخارجية. لكن هذا الوضع يجعل الحفاظ على الردع أكثر ضرورة، لا أقل. ففي منطقة أثبتت فيها "إسرائيل" قدرتها على استخدام وقف إطلاق النار لترسيخ موقعها العسكري، فإن إلقاء أسلحة المقاومة قبل نهاية الاحتلال لن يُحقق أمنًا دائمًا. القضية في لبنان لا تقتصر على من يسيطر على موقع مرتفع في لحظة معينة، بل تتعداها إلى ما إذا كان جنوب لبنان، في نهاية المطاف، سيبقى جزءًا من لبنان أم سيصبح منطقة تُملي عليها قواعدها القوات "الإسرائيلية".
لذلك، فإن مستقبل لبنان يعتمد، أكثر من أي شيء آخر، على نتيجة الصراع حول "معادلة ما بعد الحرب". تسعى "إسرائيل" إلى فرض واقع جديد في الجنوب، وتحاول الولايات المتحدة ترسيخه عبر اتفاقيات سياسية، وتتعرض الحكومة اللبنانية لضغوط للتحرك نحو نزع سلاح المقاومة، بينما يرفض حزب الله التخلي عن هذه القوة الرئيسية قبل انتهاء الاحتلال".
معركة الحفاظ على استدامة قطاع النفط: الخاسر هو من يستسلم أولاً
هذا؛ وكتبت صحيفة همشهري: "بعض المسائل المتعلقة ببيع النفط الإيراني الحالي سرية، إلا أن اتباع مسارات مختلفة لمبيعات النفط رغم الضغوط يُظهر أن العقوبات لم تتمكن من وقف صادرات النفط الإيرانية. وقد حافظت إيران على بعض عملائها وتسعى لزيادة عددهم. كما تُجرى مشاورات أخرى مع دول مختلفة لتمكين إيران من بيع نفطها. في الأشهر الخمسة الأولى من هذا العام، تحققت غالبية إيرادات الميزانية، أي أكثر من 80%، من مبيعات النفط. وهذا يدل على استمرار مبيعات النفط وتوفير موارد النقد الأجنبي للبلاد رغم الظروف الصعبة.
ومن النقاط التي تُثار في نقاش صادرات النفط أن عائدات النفط عادةً ما تتأخر في دخول البلاد لمدة شهرين. وبناءً على ذلك، استمرت عائدات النفط الإيرانية بالتدفق لفترة طويلة، ودخلت مليارات الدولارات إلى البلاد خلال هذه الفترة.
كانت ميزانيات العام الجاري تعتمد على سعر النفط عند 50 دولارًا للبرميل، ولكن خلال الحرب، ارتفع سعر النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل، مما وفر ظروفًا تصديرية أفضل لإيران. وعلى عكس ما يعتقده البعض، فإن آثار الحرب على عائدات النفط الإيرانية ليست شديدة في الوقت الراهن. فقد وقّعت إيران والولايات المتحدة اتفاقية وقف إطلاق نار لمدة 60 يومًا لم تستمر لأكثر من ثلاثة أسابيع. وخلال هذه الفترة، تمكنت إيران من نقل جزء كبير من النفط الذي كانت تخزنه، بالإضافة إلى النفط الذي حمّلته السفن، عبر مضيق هرمز، والذي تشير التقارير الدولية إلى أنه بلغ 80 مليون برميل. هذا النفط متوفر الآن في المياه المفتوحة، وتقوم إيران ببيعه تدريجيًا. في الوقت الراهن، يُخزَّن بعض النفط، وسيتم نقله، بشكل رسمي وغير رسمي، إلى الجانب الآخر من خليج عُمان عند أول فرصة سانحة، لبيعه في البحار، بأي طريقة ممكنة.
لا ننسى أن إيران شهدت أيضاً فترة في عام 2019 بلغت فيها صادرات النفط حوالي 500 ألف برميل، بل و300-400 ألف برميل يومياً، وكانت البلاد تُدار بنفس الكمية. في ذلك الوقت، لم يكن سعر النفط كما هو عليه اليوم. أما الآن، فالأسعار جيدة، والبلاد لديها خبرة تلك الفترة، والظروف تحت السيطرة. ورغم احتمال انخفاض حجم مشاريع البناء، إلا أن هذا الأمر يُعوَّض بطرق مختلفة. كما يتم استلام بعض العملات الأجنبية التي لم يُحضرها الأمناء لتوفير موارد النقد الأجنبي اللازمة لإدارة البلاد. على المدى القريب، تكمن أهمية القدرة على الصمود".