نقاط على الحروف
لم تُبنَ "المناطق التجريبية" على معادلة متوازنة بين لبنان والعدو "الإسرائيلي". فكل ما يقدمه لبنان فوري وقابل للعد، من انتشار الجيش وإقامة الحواجز. أما ما يفترض أن تقدمه "إسرائيل"، فمؤجل ومشروط وخاضع لتقييمها، من دون موعد ملزم أو انسحاب محدد يقابل كل خطوة لبنانية.
نجح الاحتلال في تحويل انسحابه من أرض لبنانية، وهو واجب وليس منة، إلى مكافأة يمنحها بالتقسيط إذا اقتنع بأداء الجيش. أصبح لبنان مطالبًا بإثبات أهليته لاستعادة أرضه، فيما يحتفظ العدو بالأرض والنار وحق تقييم التنفيذ.
ظهر هذا الاختلال منذ إعلان الاتفاق على وقف النار وإنشاء المناطق في الثالث من حزيران. فقد وافق لبنان على مناطق يتولى فيها الجيش السيطرة الحصرية، لكن الغارات "الإسرائيلية" قتلت في اليوم نفسه ستة أشخاص على الأقل في الجنوب واستهدفت سيارة جنوب بيروت. وبين 17 نيسان و7 حزيران، سجلت وزارة الدفاع اللبنانية 3491 غارة "إسرائيلية" و407 عمليات تفجير وست عمليات تجريف واسعة. كان الاحتلال يفاوض على ترتيبات أمنية جديدة، فيما يواصل نسف وقف النار.
جاء اتفاق الإطار في 26 حزيران ليمنح هذا الواقع غطاء مكتوبًا. الجيش اللبناني مطالب أولًا بإزالة السلاح والمخازن والأنفاق ومراكز القيادة. بعد ذلك تخضع النتيجة للتحقق، ثم يثبت الجيش سيطرته المنفردة. أما الاحتلال، فلا يبدأ خفض قواته و"إعادة انتشارها" إلا بعد إنجاز لبنان هذه المراحل.
ولا يتحدث الاتفاق عن انسحاب "إسرائيلي" فوري، بل عن إعادة انتشار تدريجية. وهذا يسمح للاحتلال بإخراج قواته من قرية ونقلها إلى قرية لبنانية أخرى، ثم تقديم الحركة بوصفها تنفيذًا للاتفاق. كذلك، لا توجد مهلة تلزم العدو، ولا موقع محدد عليه إخلاؤه بعد كل إنجاز لبناني، ولا وقف للاعتداءات خلال عمل الجيش.
حتى يوم التوقيع، كانت "إسرائيل" توسع وقائعها الميدانية. واصلت ضرباتها وألقت منشورات إخلاء فوق المنصوري، فيما قال مسؤول عسكري لبناني إن البلدة أضيفت إلى المنطقة التي تحتلها. وبينما كان لبنان يوقع اتفاقًا يفترض أن يعيد إليه أرضه، كان العدو يوسع المساحة التي يمنع اللبنانيين من العودة إليها.
بيع لبنان انسحابًا لم يحصل
بدأت التجربة في منطقتين تضمان ثلاث قرى فرون وصريفا وزوطر الغربية. لكن فرون وصريفا لم تكونا محتلتين بريًا. وكان الجيش اللبناني منتشرًا فيهما قبل الإعلان، وينفذ دوريات ويقيم حواجز ويفتش السيارات. ومع ذلك، احتسبت القريتان ضمن نجاح التجربة، من دون أن تنسحب "إسرائيل" من متر واحد لأنها لم تكن موجودة داخلهما أصلًا.
عمليًا، قدم لبنان قريتين تحت الاختبار، بينما حاول الاحتلال بيع عدم وجوده فيهما على أنه تنازل. خضع أداء الجيش للتقييم، فيما لم يترتب على العدو أي إجراء مقابل. وهكذا سُوّقت ثلاث قرى على أنها بداية انسحاب "إسرائيلي"، مع أن الاختبار الحقيقي اقتصر على زوطر الغربية.
في زوطر، دخل الجيش بعد تحرك القوات "الإسرائيلية" من البلدة، وبدأ مسح الذخائر وإزالة الركام ومواكبة انتشال الجثامين وتنظيم عودة الأهالي. أما "الانسحاب الإسرائيلي"، فتوقف عند نقل القوات مسافة قصيرة. بقي جنود الاحتلال على بعد مئات الأمتار في زوطر الشرقية والمواقع المحيطة، وأطلقوا طلقات تحذيرية قرب وحدات الجيش بعد ساعات من انتشارها.
كما رفض مسؤول عسكري "إسرائيلي" تحديد ما إذا كانت القوة التي غادرت زوطر الغربية قد خرجت من لبنان أم انتقلت إلى موقع لبناني آخر. لم يكن ما جرى انسحابًا من الأراضي اللبنانية، بل إعادة تموضع أبقت البلدة تحت التهديد والنار.
"إسرائيل" تطلب وتقيّم وتقرر المكافأة
في المقابل، تتحدث تقارير "إسرائيلية" عن إحداثيات قدمها الاحتلال إلى الجيش، وتزعم أن المؤسسة العسكرية لم تعالج بعضها كما يريد. لكن "إسرائيل" لم تنشر عدد هذه الإحداثيات أو تواريخها أو طبيعة المواقع، ولم تقدم ما يثبت صحة ادعاءاتها.
لا يوجد أيضًا سجل معلن يبين عدد الطلبات التي تسلمها الجيش وما نفذه منها ومن تحقق من النتائج. كما لم تُعيّن جهة التحقق ولم تُحدد المنطقة التي ستنسحب منها "إسرائيل" تاليًا. هذا الغموض يخدم الاحتلال وحده. فهو يقدم الإحداثيات ويعترض على النتيجة ثم يقرر ما إذا كان لبنان يستحق استعادة جزء جديد من أرضه. أما اعتداءاته واحتلاله القرى ومنعه السكان من العودة، فلا تخضع لأي معيار مماثل.
في هذا السياق، تفيد أوساط سياسية بأن قائد الجيش العماد رودولف هيكل أبلغ المعنيين أنه لن يمضي في توسيع "المناطق التجريبية" ما لم تقدم "إسرائيل" خطوة واضحة. هذا الموقف لا يعطل الاتفاق، بل يمنع الاحتلال من تحويل الجيش إلى منفذ مجاني لسلسلة لا تنتهي من الطلبات ا"لإسرائيلية".
الحصيلة واضحة. ثلاث قرى خضعت للاختبار اللبناني، اثنتان منها لم تكونا محتلتين، والثالثة شهدت إعادة تموضع محدودة لقوات الاحتلال. في المقابل، انتشر الجيش ونفذ أعمال المسح والتفتيش وإزالة الذخائر وتنظيم عودة الأهالي، فيما واصل العدو القصف والاحتلال ووضع الشروط.
رغم التحفظات الكبيرة على مسألة المناطق التجريبية فالمراقب لمسار الأمور على الارض يرى أن المشكلة ليست في بنيتها المنازل للاحتلال فحسب. فقد حولت "إسرائيل" حق لبنان في استعادة أرضه إلى جائزة مشروطة، وجعلت الجيش طرفًا يخضع للامتحان، فيما بقيت هي خارج أي محاسبة.
وحتى يقابل كل إجراء لبناني انسحاب "إسرائيلي" كامل ومحدد ومثبت، ستبقى "معادلة الخطوة مقابل الخطوة" غطاء لابتزاز لبنان وانتزاع خطوات منه تحت النار، من دون أن يتخلى الاحتلال عن أرض أو موقع أو حق مزعوم في مواصلة العدوان.