اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي اليمن: شعب الأنصار يختتم "الربيع المحمدي" بثبات على طريق الجهاد

نقاط على الحروف

ما حقيقة العتب الفرنسي على السلطة اللبنانية؟ 
🎧 إستمع للمقال
نقاط على الحروف

ما حقيقة العتب الفرنسي على السلطة اللبنانية؟ 

 كواليس العتب الفرنسي على لبنان  
189

دكتوراه في علوم الإعلام والاتصال 

يقول أحد المتابعين للشأن السياسي في مجلس خاص: "لو أردنا أن نعرف سبب ما يرزح تحته لبنان اليوم من احتلال وتدمير ومآسٍ، فليستحضر المرء أقوال وأفعال رئيسَي الجمهورية جوزاف عون والحكومة نواف سلام". ويتابع: "هذان الرجلان لم يأتيا، منذ تولّيهما المسؤولية، بما ينفع الناس، وكأنهما فُصّلا على قياس المشروع الأميركي في لبنان". لم يأت المتابع المذكور بسبق صحفي، ولا قدّم معطيات حصرية، لكنّه تحدّث بكل بساطة وعفوية، ونطق ربما بما يقوله كثيرون يوميًا. 

قد ينظر البعض إلى هذا الكلام وكأنّ فيه شيئًا من المبالغة، فيما يرى آخرون أنّه أقلّ ما يمكن أن يُقال في معرض تقييم ما جنت يدا الرجلين منذ وصولهما إلى السلطة. وبين الرأيين، ثمة وقائع ومواقف واضحة وضوح الشمس، من طريقة مقاربة الملفات، إلى إدارتها، وصولًا إلى الدور المتنامي للضغوط الأميركية و"الإسرائيلية" في رسم اتجاهات السياسة اللبنانية.

ولعلّ ما يستحق التوقف عنده اليوم ليس فقط ما إذا كان عون وسلام يتعرضان لضغوط خارجية، فهذا أمر لا يكاد يختلف عليه اثنان، بل السؤال الأكثر حساسية: إلى أي حدّ تحوّلت هذه الضغوط إلى سياسات ووقائع؟ وهل باتت السلطة تنفّذ ما يُراد منها بدل أن تفاوض على ما يخدم مصلحة لبنان؟. وفي هذا السياق، يبرز ملف العلاقة مع فرنسا بوصفه نموذجًا لافتًا. فالدور الفرنسي، الذي لطالما كان حاضرًا بقوة في الساحة اللبنانية ــ سواء اتفق اللبنانيون معه أو اختلفوا ــ يبدو اليوم أمام محاولة لتقليص مساحته، فيما تتقدم الولايات المتحدة و"إسرائيل" لفرض ترتيبات جديدة، ليأتي السؤال الأكثر إحراجًا لرئيس الجمهورية والحكومة: هل يجري تقليص الدور الفرنسي لأنّ لبنان اختار ذلك وفق مصلحته الوطنية، أو لأن عون وسلام اختارا الانحياز إلى ما تريده واشنطن وتل أبيب؟. 

ما سبق ذكره ليس مجرد استنتاج سياسي. مصدر فاعل على خط العلاقة اللبنانية ـ الفرنسية يقرّ  في حديث لموقع "العهد" الإخباري بوجود "ضغوط أميركية وإسرائيلية"، ويشير إلى أن العلاقة بين الإدارة الأميركية الحالية وفرنسا "ليست في أفضل حالاتها"، وأن لهذه التطورات "تأثيرًا مباشرًا" في الملف اللبناني. كما يقول في المقابل "إن فرنسا لا ترى أن علاقتها بلبنان اختُزلت بهذا الظرف، وأن دعمها للبنان وجيشه وإصرارها على الإصلاحات الاقتصادية والمالية مستمر". 

يسترجع المصدر بدء انطلاق مسار المفاوضات المباشرة بين لبنان و"إسرائيل" قبل أشهر، ويذكّر بأنّ الحكومة الفرنسية في حينها دعمت هذا المسار التفاوضي، وحيّت خطوة الحكومة اللبنانية.  وفي إطار هذه المفاوضات المباشرة، بدأ الحديث عن حلول محتملة لمعالجة الاحتلال "الإسرائيلي"، والانسحاب من المناطق المحتلة، ومسألة المناطق التجريبية. وهنا، يشير المصدر إلى أنه، وفي إطار حلقة ضيقة جدًا، جرى نقاش حول "مذكرة تفاهم" أمنية بين لبنان و"إسرائيل". ومن ضمن هذا المسار، طُرحت فكرة إنشاء قوة دولية تتولى المراقبة أو تقديم ضمانات للطرفين بشأن تطبيق "مذكرة التفاهم". وهنا بيت القصيد، يقول المصدر، حيث كان واضحًا السعي لإقصاء فرنسا من هذه القوة الدولية، وظهرت لائحة تضم أربع دول، من بينها إيطاليا وسويسرا، مع وجود معلومات متضاربة حول هذا الموضوع. لكن كل ذلك بقي ضمن إطار ضيق، وهو أضيق بكثير من الإطار الأوسع المتعلق بإرساء الأمن عند الحدود الجنوبية للبنان، يقول المصدر.

أما الإطار الأوسع والواضح والمعروف، يتابع المصدر، والذي يحظى بدعم المجتمع الدولي، فهو القرار 1701. وعندما نتحدث عن هذا القرار، فإننا نتحدث عن الخط الأزرق وعن مرجعية دولية وأممية أوسع من إطار المفاوضات المباشرة. وهنا تأتي النقاشات على مستوى مجلس الأمن، باعتباره المرجعية الدولية والأممية والملاذ الأخير للدول التي تواجه "نزاعات وصراعات"، على حد تعبير المصدر، الذي يشدّد على أنّ فرنسا تحمل راية القرار 1701، ولديها نوع من المسؤولية في العمل على إيجاد توافق بشأن أي قرارات أو ترتيبات تندرج في إطار هذا القرار. ومن هنا يأتي الحديث عن بديل لـ"اليونيفيل". فما المقصود ببديل لليونيفيل؟ يسأل المصدر ويجيب على نفسه بالقول :" المقصود هو إمكان وجود قوة دولية تراقب وتوفر ضمانات لتطبيق القرار 1701، وكل ذلك يجري في ظل صراع إقليمي ودولي يؤثر بشكل مباشر في الوضع اللبناني وفي مسار تنفيذ القرار".  

ومن هنا ــ يقول متابعون ــ يندرج العتب الفرنسي على أداء السلطة، في ظل ما تعتبره باريس تراجعًا لدورها في صياغة البديل عن "اليونيفيل"، وهي التي ترى نفسها صاحبة دور أساسي في حماية مرجعية القرار 1701 والدفع نحو التوافق الدولي حوله. فالمسألة، بالنسبة إلى فرنسا، لا تبدو مجرد خلاف على اسم القوة المقبلة، بل على من يملك دورًا في تحديد شكلها ومهماتها ومرجعيتها، ومن ثمّ على موقع فرنسا نفسها في المعادلة الجديدة التي يجري رسمها للجنوب اللبناني.

وفي سياق حديثه، يلمّح المصدر إلى أنّ الكرة، في نهاية المطاف، هي في ملعب لبنان، وأنّ على بيروت أن تحدّد بوضوح ما تريده من أي وجود دولي في الجنوب، لا أن تكتفي بمواكبة ما يُطرح أو يفرض عليها من الخارج. فمهما كانت مواقف الحكومة "الإسرائيلية"، ومهما أبدت بعض الدول الأوروبية استعدادها للمشاركة، فإن أي وجود عسكري دولي يبدأ بطلب رسمي من لبنان، وهو الذي يحدد الصلاحيات والمهام. ويتابع المصدر "ما شهدناه الأسبوع الماضي خلال اجتماع مجلس الأمن الذي ترأسته فرنسا هو أن الطلب الرسمي اللبناني كان لتجديد ولاية "اليونيفيل". وقد كان هناك توافق دولي على عدم التجديد لهذه القوة المؤقتة بصيغتها الحالية، لكن ذلك لا يعني عدم الحاجة إلى إيجاد بديل لها، ربما تحت تسمية مختلفة". 

خلاصة هذا الموقف الذي يبديه المصدر هو أنّ الكرة تبدو في الملعب اللبناني أكثر مما هي في أي مكان آخر: فلبنان هو الذي يجب أن يطلب، وهو الذي يحدّد. ومن هنا، يصبح السؤال مشروعًا عن الخيارات التي تسير بها السلطة، وما إذا كانت وطنية أو عبارة عن طلبات أميركية لا تصب سوى في مصلحة "إسرائيل". هذه الخلاصة لم تأت من فراغ، ولا تنفصل عمّا يقوله المصدر نفسه عن طبيعة المرحلة. فهو يقرّ  -وبالفم الملآن- بوجود ضغوط، ويقول: "بالطبع، هناك ضغوط أميركية و"إسرائيلية" على السلطة اللبنانية. ولا يختلف اثنان على أن العلاقة بين الإدارة الأميركية الحالية، في ظل الرئيس دونالد ترامب، والدولة الفرنسية ليست في أفضل حالاتها، ولا سيما في ضوء الموقف الأوروبي والفرنسي تحديدًا من الحرب على إيران. كما لا يمكن تجاهل موقف الحكومة "الإسرائيلية" من الدول الأوروبية التي اعترفت بدولة فلسطين، ولا شك في أن كل ذلك له تأثير مباشر في الملف اللبناني".
 
لكن المصدر يتابع: "في النهاية، هناك تنظيم للاجتماع التحضيري لمؤتمر دعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي في 17 أيلول/سبتمبر 2026 في باريس. بالنسبة إلى فرنسا، فإن دعم لبنان، ودعم الجيش اللبناني بشكل خاص، سواء على الصعيد الدبلوماسي أو العسكري، لا يرتبط بالقرارات التي قد تتخذها إدارات الدول الأخرى. ويشمل الدعم الفرنسي مشاريع دعم للجنود، ومساعدات على الصعيد الإنساني، ومشاريع مخصصة للضباط"، وفق كلام المصدر الذي يختم حديثه بتأكيد المؤكد "بصراحة، هناك ضغوط، وهناك توتر في العلاقات الدولية المحيطة بالملف اللبناني، لكن لا يجوز اختزال العلاقة بين لبنان وفرنسا في ظرف مرحلي وموضعي كهذا".

ورغم تأكيد المصدر المتابع للعلاقة اللبنانية ـ الفرنسية استمرار الدعم، يرى البعض أن أداء عون وسلام قد يُخسّر لبنان هامشًا مهمًا في علاقاته الدولية. فالمشكلة، بحسب هذا الرأي، لا تكمن في غياب الدعم الفرنسي بقدر ما تكمن في استمرار "العناد اللبناني" في إدارة الملفات المهمة وفق ما تريده واشنطن و"إسرائيل"، بما يعني، حكمًا، اتخاذ خيارات لا تصبّ في مصلحة لبنان نفسه؛ وهو ما قد يدفع باريس، مع الوقت، إلى إعادة تقييم جدوى حضورها ودورها في لبنان.

الكلمات المفتاحية
مشاركة