مقالات مختارة
رلى إبراهيم- صحيفة "الأخبار"
قبيل انتهاء مهلة «سوليدير»، يتحوّل ملف تمديدها إلى بازار للمصالح والامتيازات، فيما تبقى حقوق المساهمين الصغار وأملاك بيروت مُعلّقة، وسط مفاوضات حكومية قد تنتهي بتسوية جديدة.
مرّ شهر على طلب حكومة نواف سلام من الشركة اللبنانية لتطوير وإعادة إعمار وسط بيروت (سوليدير) استيفاء جميع المتطلبات القانونية والإجرائية اللازمة للشروع في إجراءات التمديد لها. ومن بين هذه المتطلبات تقديم إفادة براءة ذمة ضريبية حديثة تؤكد تسوية جميع الالتزامات المستحقة للخزينة اللبنانية، وإجراء تدقيق مستقل في حسابات الشركة وأصولها ورصيدها العقاري، بما يتيح التوصل إلى تقييم شفاف ومرجعي لوضعها، فضلاً عن إصدار قرار عن الجمعية العمومية لـ «سوليدير» يطلب تمديد عمر الشركة، خلافاً للآلية التي تقدّمت بها إلى الحكومة.
لكن الفريق النافذ داخل الشركة لم يتوقف عن ممارسة الضغوط السياسية داخل السلطة لتمرير قرار التمديد، فيما تبيّن أن رئيس الجمهورية جوزيف عون مهتمّ بالملف بصورة شخصية. فإلى جانب وعده بأن الوزراء المحسوبين عليه سيصوّتون لمصلحة التمديد، بدأ بإجراء اتصالات مع أعضاء اللجنة الوزارية المكلّفة درس واقع الشركة ومستقبلها. فيما أطلق رئيس مجلس إدارة «سوسيتيه جنرال» أنطون الصحناوي حملة ضد نائب رئيس الحكومة طارق متري ووزير الثقافة غسان سلامة، على خلفية مطالبتهما بإجراءات تحدّ من سلطة الشركة على الأملاك العامة، وتفرض عليها تقديم خدمات تعود بالنفع على جميع سكان بيروت. وعلمت «الأخبار» أن الرئيس عون، أثار الأمر مع متري وسلامة، وسمع منهما أن «التشدّد في المطالب» يهدف إلى تحقيق المصلحة العامة، وأنه لا يجوز ترك الأمر إلى من يمسك بغالبية الأسهم لإبقاء قلب المدينة عُرضة لبرنامج استثماري ريعي فقط.
أين الجمعية العمومية؟
ما هو واضح حتى الساعة أن «سوليدير» لم تدعُ إلى جمعية عمومية، ولم تتقدّم بأي من المستندات المطلوبة إلى الحكومة. والأوضح من ذلك أن ثمّة لوبي للشركة داخل مجلس الوزراء يضغط في اتجاه لفلفة الملف وتسوية وضع الشركة، وفق ما قاله أحد الوزراء لـ«الأخبار».
وفي موازاة ذلك، فتح طلب «سوليدير» شهية وزراء آخرين على امتيازات وتسهيلات مالية وعقارية يمكن مقايضتها بموافقتهم على التمديد، وبدأت مفاوضات ثنائية للاستحصال على مكاسب خاصة، في ما يبدو أقرب إلى توزيع للمغانم منه إلى نقاش في مصلحة عامة يُفترض أن تحكمه المعايير القانونية والمالية. أمّا رئيس الحكومة نواف سلام، فيعتمد استراتيجية «تنييم» الملف وإشباعه نقاشاً في الإعلام، إلى أن يعتاده الرأي العام ويملّ منه، فيمرّ في مجلس الوزراء بهدوء تام، على غرار ما حصل مع بنود وملفات مشابهة.
هكذا فُتِحَ بازار «سوليدير» قبل أكثر من عامين على انتهاء عمر الشركة، التي عُدّلت مهماتها من إعادة إعمار وسط بيروت إلى شراء العقارات وبيعها والاستثمار في لبنان والخارج. وبذلك، تكون قد خرجت عن الغاية والظروف التي أُنشئت من أجلها، لتتحوّل إلى شركة تخدم، عملياً، منافع خاصة.
وعلمت «الأخبار» أن إدارة الشركة، إضافة إلى بعض المساهمين النافذين، ومن بينهم الصحناوي، يرفضون طلبات المساهمين الصغار الحصول على حق التصرف بأسهمهم واستخدام عقارات، في حين تُسجَّل سرعة في تلبية طلبات الأثرياء والمتموّلين الخليجيين الراغبين في شراء العقارات، بحسب أحد أعضاء اللجنة الوزارية المُكلّفة بالتفاوض مع «سوليدير»، علماً أن صغار المساهمين هم، في جزء كبير منهم، من أهالي بيروت الذين جرى الاستحواذ على عقاراتهم بالقوة، مقابل منحهم أسهماً في الشركة.
البلدية والأسهم والمقايضة
وتقول مصادر في محافظة بيروت إن بلدية بيروت، شأنها شأن هؤلاء المساهمين، لم تستحصل على أي أرباح منذ عام 2006، ولم تتلقَّ جواباً من «سوليدير»، رغم توجيه محافظ بيروت مروان عبود إنذارات متكررة إلى الشركة. كذلك، تمتنع «سوليدير» عن تسديد الضرائب وتكاليف البنى التحتية، لا بل إن بلدية بيروت هي التي تدفع للشركة، وتتولى، مجاناً، رفع النفايات من العقارات الخاصة بها، إلى جانب محاولة تحايل الشركة على البلدية للاستحواذ على أسهمها.
رئيس بلدية بيروت إبراهيم زيدان أوضح لـ«الأخبار» أن «سوليدير» حاولت مقايضة الأرباح المستحقّة للبلدية بمنحها ملكية مسرح «تياترو الكبير». وبعد رفض البلدية هذا الطرح، عادت الشركة وكرّرت العرض نفسه، ولكن هذه المرة في مقابل الأسهم، فرفضت البلدية العرض أيضاً. وقال زيدان إن عدد أسهم البلدية في «سوليدير» يتجاوز ثلاثة ملايين سهم، مضيفاً: «لقد أرسلنا أكثر من كتاب استفسار إلى الشركة لاستيضاح المسألة. كما عرضت الشركة تسديد مستحقات الأرباح بموجب شيكات مصرفية، إلا أن المحافظ رفض».
وتطرّق زيدان كذلك إلى ملف رفع النفايات من المساحات الخاصة التابعة للشركة، مشيراً إلى أن «سوليدير» اختارت إزالة الحاويات الموجودة واستبدالها بحاويات تابعة لشركة «Verde»، المتفرّعة من «رامكو». وقال إن هناك تعاوناً قائماً بموجب عقد عمل جانبي بين «سوليدير» والشركة. علماً أن هناك معلومات تؤكد أن بلدية بيروت تدفع الـtonage بالنيابة عن «سوليدير». وإذا كانت البلدية تتحمّل، في هذا الملف، أعباءً مالية مرتبطة بمساحات الشركة الخاصة، فإن السؤال لا يعود مقتصراً على الأرباح المستحقّة لها، بل يمتد إلى مجمل حقوقها ومصالحها في «سوليدير».
أصحاب الحقوق
مخالفات «سوليدير»، وقضمها الأملاك العامة والخاصة وحقوق أصحاب الأراضي، لا تُعدّ ولا تُحصى. وعلمت «الأخبار» أن مطرانية الروم الأرثوذكس في بيروت تملك 270 ألف سهم في الشركة، مقابل أراضي الوقف التي جرى الاستحواذ عليها، إلا أن «سوليدير» ترفض طلب المطرانية استخدام تلك الأسهم، تماماً كما رفضت طلبات البيارتة.
ويبدو أن شركة صحناوي ورفاقه اتخذت قراراً بأن تكون المدينة حكراً على أصحاب رؤوس الأموال والمصرفيين والمستثمرين الأجانب، وسط حديث عن مطالبة إسرائيلية باستعادة عقارات كانت تعود إلى مالكين يهود لبنانيين.
من هنا، يكتسب ملف تمديد الشركة اليوم خطورة استثنائية، ولا سيما أن السلطة السياسية اعتادت اللجوء إلى التسويات على حساب الصالح العام. فشركة من طراز «سوليدير» يُفترض أن تكون موضع محاسبة قضائية شاملة، لا أن تتحوّل إلى «طبق حكومي» يُطبخ على نار هادئة لتوزيع المكاسب على مجموعة بورجوازية ضيقة، مقابل خسارة المساهمين الصغار حقوقهم، وخسارة العاصمة هويتها وتاريخها.
وفيما تبرّر الحكومة مفاوضاتها مع الشركة بأنها تضع شروطاً صارمة ومختلفة، وأن اللجنة الوزارية تعدّ ملفاً مُفصّلاً وقوياً لتذهب إلى التفاوض بموقف واضح، وعلى بيّنة من كل التجاوزات، لا يبدو أن رئيس مجلس الوزراء سيضرب بعصاه «الإصلاحية» ليستردّ أملاك البيارتة، ويعيد إليهم حقوقهم، ويعوّضهم عن الخسائر التي تسببت بها هذه الشركة. بل إن تاريخ «سوليدير» وسلوك إدارتها لا يوحيان بأنها شركة قابلة للإصلاح، رغم إبدائها «إيجابية مُطلقة» تجاه طلبات الحكومة، على ما يقول أحد الإداريين فيها، بما في ذلك «فتح الاستثمارات أمام الطبقة المتوسطة وتنفيذ كل المشاريع المُتّفق عليها».