اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي موازين القوى في لبنان: بين إدارة البدائل والخضوع لمنطق الأقوى

مقالات

الخط الأصفر والخط الرمادي لمحو الخط الأخضر والخط الأزرق
🎧 إستمع للمقال
مقالات

الخط الأصفر والخط الرمادي لمحو الخط الأخضر والخط الأزرق

101

Former Lebanese government coordinator to UNIFIL .Former Director General of Administration . Former President of the Permanent Military Court

عميد متقاعد في الجيش اللبناني/ منسق الحكومة اللبنانية السابق لدى قوات الطوارئ الدولية 
ورئيس المحكمة العسكرية السابق  

لم تعد حرب الجنوب اللبناني تُقاس فقط بعدد الغارات أو المواقع التي تتقدم إليها القوات الإسرائيلية أو القرى التي تُدمَّر. ثمة حرب أخرى، أكثر هدوءاً وأشد خطورة، تجري فوق الخرائط: أيُّ خط سيبقى مرجعاً للحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة، وأيُّ خط سيُفرض كأمر واقع جديد؟

 الأخضر، و الأزرق ، والأصفر، والرمادي... أربعة ألوان تبدو للوهلة الأولى مصطلحات تقنية، لكنها في الواقع تختزن أربعة مستويات مختلفة من التاريخ والقانون والواقع العسكري.

فالخط الأخضر يرتبط بخط الهدنة لعام ١٩٤٩، والخط الأزرق هو خط الانسحاب الذي اعتمدته الأمم المتحدة عام ٢٠٠٠. أما الخطان الأصفر والرمادي، بالمعنى الذي يُتداول اليوم، فهما نتاج الواقع العسكري الإسرائيلي الجديد في الجنوب.

ومن هنا تبرز المسألة الأخطر:

هل يجري تدريجياً استبدال الخطين اللذين شكّلا المرجعية التاريخية والأممية للحدود الجنوبية للبنان بخطوط جديدة ترسمها إسرائيل بالنار والجرافات والوجود العسكري؟

إذا كان الأمر كذلك، فإن القضية لا تعود قضية منطقة أمنية أو بضعة كيلومترات إضافية، بل تصبح محاولة لإعادة صياغة الجغرافيا السياسية للحدود اللبنانية نفسها.

الخط الأخضر: عندما ثُبَّتت الحدود بعد حرب ١٩٤٨

لفهم ما يجري اليوم، لا بد من العودة إلى عام ١٩٢٣. فقد جرى في ذلك العام ترسيم الحدود بين منطقة الانتداب الفرنسي على لبنان ومنطقة الانتداب البريطاني على فلسطين. وكان هذا الخط سابقاً على قيام دولة إسرائيل عام ١٩٤٨.

ثم جاءت حرب ١٩٤٨، وانتهت إلى اتفاقات الهدنة بين إسرائيل والدول العربية.

وفي ٢٤ آذار ١٩٤٩ وُقِّع اتفاق الهدنة بين لبنان وإسرائيل في رأس الناقورة.

وهنا تبرز نقطة أساسية كثيراً ما يجري تجاهلها: اتفاق الهدنة لم ينشئ حدوداً جديدة للبنان، بل ربط خط الهدنة بالحدود الدولية القائمة.

ومن هنا ظهر ما اصطلح على تسميته لاحقاً الخط الأخضر، أي خط الهدنة الذي فصل القوات اللبنانية والإسرائيلية بعد حرب ١٩٤٨.

والخط الأخضر، بهذا المعنى، ليس خطاً إسرائيلياً فرضته إسرائيل على لبنان، بل جزء من منظومة

وهذا مهم جداً في النقاش الحالي. لأن القول إن الخط الأزرق هو الحدود الوحيدة بين لبنان وإسرائيل، أو إن ما يقع خارجه يمكن أن يصبح تلقائياً منطقة إسرائيلية، هو تبسيط لا يعكس التعقيد التاريخي والقانوني للمسألة.

الخط الأزرق: ليس حدوداً جديدة

بعد أكثر من نصف قرن، جاءت سنة ٢٠٠٠. انسحبت إسرائيل من معظم الأراضي اللبنانية التي كانت تحتلها، وكان على الأمم المتحدة أن تتحقق من حصول الانسحاب. ولأن مسألة الحدود بقيت موضع خلاف في عدد من النقاط، قامت الأمم المتحدة بتحديد خط عُرف باسم الخط الأزرق.

وهنا يجب التشديد على مسألة أساسية:

الخط الأزرق ليس حدوداً دولية جديدة بين لبنان وإسرائيل. إنه خط حددته الأمم المتحدة لغرض التحقق من الانسحاب الإسرائيلي. ولهذا فإن الخط الأزرق لا يلغي الحدود الدولية لعام ١٩٢٣، ولا يلغي الإطار الذي نشأ مع اتفاق الهدنة لعام ١٩٤٩.

بل هو، في الأساس، خط أممي للانسحاب والمراقبة. ومن هنا أيضاً جاءت أهمية هذا الخط طوال السنوات الماضية، إذ أصبح المرجع الميداني الذي تتحرك على أساسه قوات اليونيفيل، وتُقاس من خلاله الخروقات والانسحابات والاحتكاكات على الحدود.

لكن الخط الأزرق كان دائماً يحمل في داخله مشكلة: أنه ليس ترثبيتاً نهائياً للحدود اللبنانية ــ الفلسطينية المحتلة.

وهذا ما يجعل استبداله بخطوط عسكرية جديدة أكثر خطورة.

من الأخضر والأزرق إلى الأصفر

بعد الحرب الأخيرة، بدأت إسرائيل تتعامل مع الجنوب اللبناني بمنطق مختلف.
لم تعد المسألة مجرد انتشار عسكري مقابل انتشار عسكري. بدأ الحديث عن منطقة أمنية داخل الأراضي اللبنانية، وعن خط يفصل هذه المنطقة عن باقي الجنوب.

وهنا ظهر الخط الأصفر. واللون هنا ليس مجرد تسمية تقنية. فالخط الأصفر، وفق الصيغة الإسرائيلية المتداولة، يرسم حدوداً لمنطقة عسكرية تريد إسرائيل الاحتفاظ بالسيطرة عليها أو بمنع اللبنانيين من الوصول إليها.

وهنا ينبغي طرح السؤال البسيط:

من الذي رسم هذا الخط؟ إذا كان الجواب أن إسرائيل رسمته بقوة جيشها، فإن الخط الأصفر لا يستطيع أن يتحول، بمجرد وجوده على الأرض، إلى حدود دولية للبنان.

فالحدود لا يرسمها الجيش الذي يحتل الأرض. الحدود تُرسم بالاتفاقات والمرجعيات القانونية الدولية. المشكلة ليست في اللون الأصفر... بل في ما بعده.

قد يقول البعض إن الخط الأصفر مؤقت. وهذا هو بالضبط ما يجعل المسألة أكثر أهمية، لا أقل.
لأن التاريخ مليء بالخطوط التي بدأت باعتبارها مؤقتة، ثم تحولت إلى أمر واقع، ثم أصبح التعامل معها وكأنها حقيقة ثابتة.

الخط العسكري يبدأ مؤقتاً. ثم تصبح حوله منطقة أمنية. ثم تُمنع عودة السكان إليها. ثم تُهدم المنازل الواقعة فيها. ثم تُشق الطرق العسكرية. ثم تُنشأ مواقع مراقبة. ثم يصبح وجود الجيش في المنطقة جزءاً من (الترتيبات الأمنية).

وبعد سنوات يصبح السؤال:
كيف نُخرج إسرائيل من هذه المنطقة؟
بدلاً من أن يكون السؤال:
لماذا دخلت إسرائيل إليها أصلاً؟
وهذا هو الفارق بين مقاومة الأمر الواقع وبين التفاوض على شروطه.

الخط الرمادي: مرحلة جديدة من الخطة؟

الأخطر أن الحديث لم يعد يتوقف عند الخط الأصفر. برز في الآونة الأخيرة الحديث عن (الخط الرمادي) بوصفه صيغة محتملة لإعادة تنظيم الوجود الإسرائيلي في الجنوب.

وهنا تظهر الفكرة الاستراتيجية بوضوح أكبر:

قد تنسحب القوات الإسرائيلية من جزء من المنطقة التي دخلتها، لكنها تحتفظ بمنطقة أمنية أضيق، قد تمتد عدة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، مع إبقاء القدرة على الرصد والضرب والتوغل عند الحاجة.

وهنا ينبغي ألا ننخدع بفكرة الانسحاب الجزئي. ليس كل تراجع عسكري انسحاباً. قد تتراجع الدبابات عشرة كيلومترات، لكنها تبقى على بعد أربعة كيلومترات من الحدود.

وقد تنسحب من قرية، لكنها تحتفظ بالسيطرة على المرتفعات المحيطة بها. وقد تخرج من منطقة، لكنها تحتفظ بحق ضربها متى شاءت.

وفي هذه الحالة ينتقل الاحتلال من صورة إلى صورة. من احتلال مباشر إلى منطقة أمنية.
ومن منطقة أمنية إلى سيطرة بالنار والمراقبة. ومن السيطرة بالنار والمراقبة إلى ما تسميه إسرائيل حرية العمل العسكري.

وهنا يصبح الرمادي أخطر من الأصفر، الأصفر واضح. إنه يقول: هنا منطقة عسكرية. أما الرمادي، إذا تحول إلى صيغة دائمة، فقد يكون أكثر التباساً.

فالمنطقة الرمادية تعني عملياً مساحة لا تكون فيها إسرائيل موجودة بالضرورة بكل قواتها، لكنها لا تكون خارجها أيضاً.

وهذا هو النموذج الذي يمكن أن يحقق لإسرائيل هدفاً استراتيجياً بالغ الأهمية:

الاحتفاظ بالقدرة على التحكم في المنطقة من دون تحمل كلفة احتلالها الكامل.

وهنا تصبح الطائرات المسيَّرة، وطائرات الاستطلاع، وأجهزة الرصد، والمدفعية، والغارات الجوية، والقوة البرية السريعة أدوات لإدارة منطقة لا تحتاج إسرائيل إلى احتلال كل شبر منها. أي أن السيطرة لا تعود بحاجة إلى جنود على كل متر من الأرض.

من يملك الحق في تحريك الخط؟

وهذه ربما أهم نقطة في القضية كلها. إذا كان الخط الأزرق مرجعاً أممياً، فمن يملك حق تغييره؟ وإذا كان الخط الأخضر مرتبطاً باتفاق الهدنة والحدود الدولية، فمن يملك حق إلغائه؟
وإذا كان الخط الأصفر إسرائيلياً، فهل تستطيع إسرائيل أن تحركه شمالاً كلما رأت أن (ضروراتها الأمنية) تقتضي ذلك؟ وإذا أصبح هناك خط رمادي، فمن يضمن أنه لن يصبح لاحقاً خطاً أسود أو أحمر أو خطاً أمنياً جديداً؟

المشكلة الحقيقية ليست في مكان الخط فقط، بل في الجهة التي تمتلك حق تحريكه. إذا كانت إسرائيل هي التي تحدد مكانه، وتحدد المنطقة الواقعة وراءه، وتقرر من يدخل إليها ومن يخرج منها، فمعنى ذلك أن إسرائيل لا ترسم فقط منطقة أمنية، بل تحاول أن تمنح نفسها دوراً في إعادة تعريف جغرافيا الجنوب اللبناني.

لماذا تريد إسرائيل تغيير قواعد الحدود؟

الإجابة تكمن في التجربة التي عاشتها إسرائيل مع الجنوب اللبناني منذ انسحابها عام ٢٠٠٠.
الانسحاب إلى الخط الأزرق لم يمنحها، من وجهة نظرها، البيئة الأمنية التي كانت تريدها.
ولهذا عاد مفهوم (المنطقة الأمنية) بقوة بعد الحرب.

لكن هناك فارقاً جوهرياً:
في الماضي كانت إسرائيل تحتل شريطاً جنوبياً معروفاً.
أما اليوم، فالمسعى يبدو مختلفاً:
منطقة أقل اتساعاً، لكنها أكثر تحصيناً، وأكثر اعتماداً على التفوق التكنولوجي والناري، وأكثر قابلية للدفاع عنها سياسياً باعتبارها (ضرورة أمنية).
وهذه الصيغة قد تكون أكثر جاذبية لإسرائيل من الاحتلال التقليدي.

تدمير القرى جزء من معركة الخط

وهنا لا يمكن فصل مسألة الخطوط عن عمليات تدمير القرى الحدودية. فالجغرافيا ليست خطوطاً على الخريطة فقط. لجغرافيا هي أيضاً:
البيوت.
الطرقات.
المدارس.
الأشجار.
المزارع.
المقابر.
أماكن العبادة.
والذاكرة التي تربط الإنسان بالأرض.

عندما تُدمَّر قرية حدودية بكاملها، ثم يُمنع سكانها من العودة، ثم تتحول إلى منطقة عسكرية، فإن الأمر يتجاوز الضرر العسكري.

إنه إعادة تشكيل للبيئة البشرية التي يفترض أن تعيش على جانبي الحدود. وفي حالة القرى الحدودية اللبنانية، يصبح اقتلاع السكان أو منعهم من العودة عاملاً إضافياً في تثبيت المنطقة الأمنية.

فالأرض الخالية أسهل عسكرياً من الأرض المأهولة. والقرية المدمرة أسهل في السيطرة من القرية التي يعود إليها أهلها. وهكذا تلتقي الجرافة مع الخريطة.

كفركلا مثال صارخ

كفركلا ليست مجرد قرية جنوبية. هي إحدى أبرز النقاط التي تكشف الصراع على معنى الحدود.
قرية تقع مباشرة على تخوم فلسطين المحتلة، وتحولت خلال الحرب إلى واحدة من أكثر المناطق تعرضاً للقصف والتدمير.

وعندما تُدمَّر قرية حدودية بهذا الشكل، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: كم منزلاً تهدم؟
بل:

ماذا يعني أن تختفي قرية من الخريطة الاجتماعية والعمرانية لمنطقة حدودية؟
لأن الحدود الدولية لا تحمي الأرض فقط.
إنها تحمي أيضاً حق أهل الأرض في العيش عليها.
ولهذا فإن إبقاء المناطق الحدودية مدمرة أو فارغة يخدم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فكرة المنطقة العازلة.

الخطوط الأربعة تكشف مساراً واحداً

إذا وضعنا الألوان الأربعة جنباً إلى جنب، تصبح الصورة أكثر وضوحاً:
الأخضر
خط الهدنة الذي ارتبط بترتيبات عام ١٩٤٩ وبالحدود الدولية السابقة.
الأزرق
خط الأمم المتحدة الذي حدد الانسحاب الإسرائيلي عام ٢٠٠٠.
الأصفر
خط أمني إسرائيلي جديد يحدد منطقة انتشار أو منع داخل الأراضي اللبنانية.
الرمادي

صيغة أكثر تطوراً لفكرة الاحتفاظ بمنطقة أمنية مع تقليص الوجود العسكري المباشر.
وهنا يمكن قراءة المسار على النحو الآتي:

من خط دولي، إلى خط هدنة، إلى خط انسحاب أممي، إلى خط أمني إسرائيلي، إلى منطقة نفوذ عسكري.

وهذا هو جوهر المسألة. هل المطلوب محو الأزرق والأخضر؟

قد لا تقول إسرائيل رسمياً إنها تريد (محو) الخط الأزرق أو الأخضر. وقد تقول إنها تريد فقط ضمان أمنها.

لكن السياسة لا تُقاس دائماً بما تقوله الدول، بل أيضاً بما تفعله على الأرض. وعندما يصبح الخط الذي ترسمه إسرائيل ميدانياً هو الذي يحدد أين يتوقف الجيش اللبناني، وأين يبدأ الانتشار الإسرائيلي، وأين يستطيع المواطن العودة، وأين يستطيع المزارع الوصول إلى أرضه، وأين تستطيع اليونيفيل التي تنتهي مهمتها نهاية هذا العام ،  التحرك، فإن هذا الخط يصبح عملياً أكثر أهمية من الخط الموجود على الورق.

وهنا تحديداً تكمن محاولة محو الأزرق والأخضر بالوقائع، لا بالقرار الرسمي. ليس المطلوب أن تمزق إسرائيل خريطة الأمم المتحدة. يكفي أن تصنع خريطة جديدة على الأرض.

المعركة الحقيقية هي ألا يصبح الأمر الواقع قانوناً

لبنان أمام تحدٍ دبلوماسي وقانوني وسياسي كبير. فالخطوط التي ترسمها إسرائيل يجب ألا تدخل إلى الوعي اللبناني والدولي باعتبارها (حدوداً جديدة).

يجب التفريق دائماً بين:
خط عسكري مفروض بالقوة
وحدود دولية معترف بها.

الأول يمكن أن يتغير بالقوة. أما الثاني فلا يتغير إلا وفق قواعد القانون الدولي والاتفاقات ذات الصلة. ولهذا فإن أي مفاوضات مقبلة حول الجنوب يجب ألا تبدأ من السؤال: أين سيكون الخط الإسرائيلي الجديد؟ بل من سؤال أكثر جوهرية: ما هو المرجع الحدودي الذي تنطلق منه المفاوضات؟

والجواب اللبناني يجب أن يكون واضحاً: المرجعيات الدولية القائمة، وليس الخط الذي فرضته إسرائيل خلال الحرب.

لا يجوز أن تتحول (حرية العمل) إلى سيادة بديلة

ثمة مصطلح إسرائيلي يتكرر كثيراً: حرية العمل العسكري. لكن هذا المصطلح، إذا طُبق داخل الأراضي اللبنانية، يطرح مشكلة سيادية مباشرة.

كيف يمكن لدولة أن تكون صاحبة سيادة على أرضها، بينما تحتفظ دولة أخرى بحق دخول مجالها الجوي، أو ضرب أهداف فيها، أو التوغل إليها، أو منع سكانها من الوصول إلى مناطق منها؟
إنها معادلة مستحيلة.

إما أن تكون الأرض لبنانية وتخضع للسيادة اللبنانية، أو أن هناك طرفاً آخر يمارس عليها سلطة عسكرية. أما القول إن الأرض لبنانية، لكن لإسرائيل حق التحرك فيها متى شاءت، فهو في الحقيقة سيادة منقوصة.

الجنوب أمام معركة خرائط لا تقل خطورة عن معركة الميدان

قد يبدو للبعض أن الحديث عن الألوان والخرائط ترف سياسي أمام القصف والدمار.
لكن العكس هو الصحيح. الخرائط هي خلاصة نتائج الحروب. الجندي يستطيع أن يسيطر على موقع لساعات. والدبابة تستطيع أن تتقدم كيلومترات. والطائرة تستطيع أن تدمر مبنى.لكن عندما تُرسم الخريطة الجديدة، يصبح ما كان مؤقتاً قابلاً لأن يتحول إلى دائم. ولهذا فإن الصراع اليوم ليس فقط على التلال والقرى. إنه على المرجعية التي ستحدد هذه التلال والقرى لمن.

لا تسمحوا للون الجديد أن يمحو الحدود

الأخضر لا يمكن محوه بخط أصفر.
والأزرق لا يمكن إلغاؤه بخط رمادي.
والحدود الدولية لا يمكن أن تتغير لأن جيشاً رسم منطقة أمنية داخل أراضي دولة أخرى.
قد تستطيع إسرائيل أن تفرض أمراً واقعاً عسكرياً.
قد تستطيع أن تدمر قرية.
قد تستطيع أن تمنع عودة السكان.
قد تستطيع أن تحتفظ بمرتفعات استراتيجية.
وقد تستطيع أن ترسم خطاً أصفر أو رمادياً.
لكن كل ذلك لا يمنحها تلقائياً حق تحويل الأمر الواقع إلى حدود دولية.
وهنا يجب أن يكون الموقف اللبناني واضحاً:
لا تفاوض على لون الخط قبل تحديد مرجعية الخط.
لا تفاوض على حجم المنطقة الأمنية قبل حسم مبدأ السيادة.
ولا تفاوض على مقدار الأرض التي يمكن أن تبقى تحت السيطرة الإسرائيلية، لأن مجرد الدخول في هذا النوع من التفاوض قد يحول الاحتلال من قضية يجب إنهاؤها إلى قضية يجري التفاوض على حجمها.
فالخطر اليوم ليس أن يصبح الجنوب بين خطين.
الخطر أن يصبح بين خطين إسرائيليين جديدين، بينما يتحول الخطان الأزرق والأخضر إلى مجرد ذكرى في الوثائق.
ولهذا فإن عنوان المرحلة ليس:
أين ينتهي الخط الأصفر؟
ولا:
أين يبدأ الخط الرمادي؟
بل:
هل سيبقى الجنوب اللبناني محكوماً بمرجعية الحدود الدولية وخط الهدنة وخط الأمم المتحدة، أم ستنجح القوة العسكرية في فرض خريطة جديدة؟
ذلك هو السؤال الحقيقي.
لأن إسرائيل إذا نجحت في استبدال الأزرق بالأصفر، والأخضر بالرمادي، فلن تكون قد غيرت لوناً على الخريطة.
ستكون قد حاولت تغيير معنى الحدود اللبنانية نفسها.
والحدود التي تُمحى بالوقائع لا تُستعاد بسهولة بالبيانات.
لذلك، فإن معركة الجنوب اليوم هي أيضاً معركة منع إعادة رسم لبنان بالقوة.

الكلمات المفتاحية
مشاركة