مقالات
كاتبة من لبنان
تروي الجبال في عاملة حكاية المقاومة بلغة هي الأقرب إلى عبق التراب ساعة الاشتباك، وهي الأصدق في ترجمة الموقف الذي كُتب بالدم، على الصخر العصيّ. جبل الرفيع، الذي يتعرّض في هذه الأيام لنار العدوان، كرفاقه من جبال الجنوب، سبق أن وثّق حكاية المقاومة، حكاية لم تزل مع السنين تحفر لها محلًّا ساطعًا في مسار العمل المقاوم، وكانت الحجر الأساس لمعادلة "جيش وشعب ومقاومة" التي يبذل العدو الأميركي الصهيوني في محاولة تفكيكها كلّ جهد ممكن.
عصر ١٢ أيلول/سبتمبر ١٩٩٧، في جبل الرفيع (إقليم التفاح- جنوب لبنان)، وفي حِمى الشجر الشاهد على بطولة أهل أرضه، كمنت مجموعة السيد عباس الموسوي لمجموعة من وحدة إيغوز الخاصّة التابعة لجيش الاحتلال والتي كانت في طريقها إلى عربصاليم. عند المرتفعات، وفي اللحظة التي مرّت فيها القوّة المعادية، فتح رجال المقاومة النار واشتبكوا مع أفراد القوّة، لتحضر مجموعة الشهيدين حسين مريش وربيع وهبة في المقاومة وتقوم بتطويق مكان الاشتباك، وتلتف على جنود العدوّ وتشتبك معهم ومع مجموعات التأمين التي حضرت لنجدتهم. ومع سقوط العديد من أفراد القوّة المعادية بين قتيل وجريح في ظلّ سيطرة أسطورية لمجموعة المقاومة في الميدان، استقدم جيش الاحتلال تعزيزات إضافية، تعزيزات لم تسمح له بتغيير مسار الاشتباك، إذ هاجمتها مجموعة الشهيد أبو علي رضا ياسين بالأسلحة المباشرة.
حلّ الليل وصوت الاشتباك لم يزل يتردّد في أرجاء الجبل، ويصل أعتاب البيوت في القرى المجاورة، حيث ارتفع الدعاء لنصرة المجاهدين في كلّ دار، وعند كلّ سجادة صلاة. عند الساعة الثامنة مساء، بدأت قوات المدفعية "الإسرائيلية" بتكثيف قصفها على المنطقة المحيطة بمنطقة المواجهة، واستمرّ إرسال التعزيزات لإسناد القوّات المحاصرة داخل بقعة الاشتباك.
وفي الوقت نفسه، كانت طائرات العدوّ تشنّ غارات على المراكز العسكرية التابعة للجيش اللبناني في عربصاليم، وتصدّى حينها الجيش، بقيادة العماد إميل لحود، للقصف المعادي وارتقى منه ستة شهداء هم: الملازم أول جواد عازار، العريف خضر غية، والجنود ميلاد بطرس غالبرجي ووائل صوما ورفيق قنديل ومحمد تعباني، ليختلط في المواجهة نفسها دم المقاومين مع دم الجيش ودم المدنيين أيضًا، إذ استشهدت الحاجّة عزيزة مقلد، والدة الشهيد مصطفى حيدر، عند مفترق جرجوع. في تلك الليلة التي لم ينسها العدوّ ولن، تكرّست بالدم معادلة حمت لبنان، أرضًا وأهلًا، وكانت عنصرًا جليًّا في تحرير الجنوب في أيار ٢٠٠٠.
بالعودة إلى الجبل الرفيع، وعند منتصف اللّيل تحديدًا، فقدت غرفة عمليات المقاومة الاتصال بأربعة من المجاهدين المشتبكين. بعد قليل، تبيّن أن ثلاثة منهم استشهدوا، فيما تمكّن الرابع من سحب جثمان رفيقه الشهيد هيثم مغنية، فيما أسر جيش الاحتلال جثماني الشهيدين علي كوثراني وهادي حسن نصر الله.
في الصباح، استفاق أهل المقاومة على خبر تلّقوه بعزّ يختلط بالدموع، وبذهول طال البعض إذ لم يحدث قبلًا أن يُستشهد نجل أمين عام في مواجهة مباشرة مع العدوّ، وانتظر كثرٌ من المغرضين الذي ساءهم أن تكون قيادة المقاومة على هذا المستوى من الصدق والجهوزية للبذل، أن يلمحوا في عين السيد حسن نصر الله لحظة انكسار تتيح لهم الشماتة، أو لحظة تباهٍ تمكّنهم من النيل من قيمة ما بذل، أو ربّما ملامح غضب يريدون تفسيرها بأنها دليل عدم رضاه عن وجود نجله على خط المواجهة، فرأوا ورأى العالم، قائدًا ينعى شهداء المواجهات في جبل الرفيع، بهدوء وحياء واعتزاز، يتلو أسماءهم الثلاثية وحين يصل إلى اسم قرّة عينه هادي، يقوله بلا ذكر اسم أبيه. رأوا قائدًا تابع العملية لحظة بلحظة ولم يسأل بشكل مباشر عن مجاهد من صلبه، عن فلذة كبده، وأبًا يحمد الله أن قبِله في "المجمع المقدّس لعوائل الشهداء".
إذًا، لكلّ جبل وتلّة في أرض عاملة فيض حكايات لا تنتهي عن رجال أتقنوا قول "لا"، عن أبناء تراب يأبى الذلّة، وفي كلّ حكاية منها، تحضر أسماء ووجوه رجال صاروا هم الجبال التي تحت أطنان المتفجرات ونار العدا، لا تخضع، لا تنحني.