مقالات
كاتب فلسطيني من غزة
حاصل على شهادتي بكالوريوس علوم قانونية وإدارية
ودورة في القانون الدولي
"مقر الأسطول الخامس في البحرين، تمّ تدميره بشكلٍ هائل". هذا تصريحٌ على لسان وكيل وزارة البحرية الأميركي هونغ كاو. و"هائل" في هذا السياق لا تعني سوى التدمير الكامل، وهذا الاعتراف ينسحب على جميع القواعد الأميركية في المنطقة، حيث تعرضت لعملية تدمير ممنهجة، قامت بها إيران عن سبق اقتدار.
ولكن سنسأل فقط عن مقر الأسطول الخامس موضع الاعتراف، فما أهمية تلة علي الطاهر، مقارنةً بمقر الأسطول الخامس؟ الذي يُعتبر أهم منشأة إمبراطورية ترمز للهيبة، وتؤدي دورًا محوريًا في الهيمنة على العالم؟ وما هي أصول علي الطاهر وموجوداته مقارنةً بأصول مقر الأسطول الخامس وموجوداته؟ وما هي آثار التدمير الكامل لمقر الأسطول الخامس على مسار الحرب مقارنة بآثار تفجير موقع في تلة علي الطاهر على نتائج الحرب؟ وكم تكلفة منشأة علي الطاهر مقارنة بتكلفة مقر الأسطول الخامس؟
وماذا لو قُيّضَ لنا مشاهدة "فيديو" لمقر الأسطول الخامس أثناء عملية تدميره؟ حيث أصوات الانفجارات الهائلة، التي تصمّ الآذان، ومشاهد النيران التي تخطف الأبصار، أو مشاهدة المقر بعد عملية التدمير وهو أثرٌ بعد عين؟ وما أثر هذه المشاهدة على إدراكنا؟ وكيف وكم سيكون تأثيرها في مداركنا؟ ولماذا نهمل الاعتراف الأميركي؟ كأن لم يكن، على قاعدة "لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرةً"، بينما نجترّ فيديو نشره العدو باعتباره الهزيمة القصوى.
هذه الأسئلة أعلاه، ذات الإجابات البديهية، ليست من باب تقليل أهمية تلة علي الطاهر، فكل ذرة ترابٍ يسلبها العدو، هي خسارة فادحة، ومأساة حقيقية، لا جابر لها سوى استعادتها، ولكنها أسئلة من باب الابتعاد شيئًا ما عن مركز الحدث، حتى يتسنّى لنا رؤية الصورة الكاملة. فالولايات المتحدة التي خسرت جلّ قواعدها في المنطقة، قواعدها التي تكبدت عناء بنائها على مدار ثلاثة عقود، تريد هزيمتنا إدراكيًا، كمقدمة ضرورية لهزيمتنا عسكريًا وسياسيًا ونفسيًا.
ومحاولة الهزيمة الإدراكية هذه ذات سوابق في العراق إبان الغزو، وفي فنزويلا مؤخرًا وغيرها، وجرى تطبيق ذات المحاولة في إيران، اعتقادًا من أميركا أنّ عملية "قطع الرؤوس"، ستؤدي لهزيمة إدراكية، فيخرج الشعب الإيراني للشوارع تحت وطأة الهزيمة الإدراكية، بعضه يدفعه الخارج، يثير النقمة على النظام، وثانٍ اعتقادًا بسقوط النظام، وثالث احتجاجًا على الحرب، فتسقط البلاد فعليًا في القبضة الأميركية.
وهذا التصور هو ما حدا بالأميركيين و"الإسرائيليين" للحديث عن ثلاثة أو أربعة أيام لسقوط النظام في بداية الحرب، ولكنّ ما حدث كان خارج التصورات الأميركية و"الإسرائيلية"، حيث كان اختراق الوعي الإيراني عملية مستحيلة، فحدث العكس تمامًا، إذ خرج الناس إلى الشوارع، في أضخم التظاهرات احتجاجًا على العدوان، وتأييدًا للنظام، حتى من أشدّ معارضيه، بل ومطالبين بالانتقام وردّ الصاع صاعين.
وتفجير تلة علي الطاهر لا تبتعد عن محاولة العبث بإدراك بيئة المقاومة وتهشيم مداركها، لأنّ هذه البيئة هي الحصن الحصين، الذي يحمي المقاومة بهذا الإدراك قبل الأرواح والأجساد، وهي التي توازي بأهميتها ألف تلةٍ وألف موقع، بل هي الضمانة الثابتة للصمود وتحقيق الإنجازات وحماية البيئة وحماية لبنان، ويدرك العدو أنّ سقوط هذه الحاضنة، هي الشرط الأول لاستباحة لبنان شعبًا وأرضًا وثروات.
ولو ابتعدنا عن مشهد تفجير تلة علي الطاهر قليلًا، لأدركنا أنّ المعركة في الإقليم وعليه، رغم تعدد ساحاته،ا هي معركة واحدة، فحين كان العدو يقوم بعملية استعراضية على المستويين العسكري والأمني، وينشر مشاهد التفجير، كان يخسر خسائر استراتيجية هائلة، حيث سيطر أنصار الله في اليمن على ما يربو على 5000كم²، مع إحكام القبضة على باب المندب، استتباعًا لخسارة مضيق هرمز.
يسيطر شبح خسارة الانتخابات على سلوكيات صانع القرار في "تل أبيب"، فيتصرف على قاعدة إنتاج الصورة المبهرة لإرضاء الناخب، حتى لو كان المضمون فارغًا، بينما يتصرف صانعو القرار في محور المقاومة، على قاعدة أن العبرة بالنتائج، وأنّ تحقيق الأهداف أو منع العدو من تحقيق أهدافه، ليس مجرد صورة، وليس لغوًا وتبجحًا، إنّما طريقٌ محفوفٌ بالصبر والعرق والدم.
إنّ مشاهد التفجير الانتقامي في تلة علي الطاهر، أدمت قلوب الكثيرين، ولكن تخيُّل مشهد الأسطول الخامس ركامًا، سيشفي صدورهم ويدمي قلوب أعدائهم، وهم لا يفرجون عن تلك الصور، لإدراكهم بمفاعيل تلك المشاهد على هشاشة مجتمعاتهم، بينما يصدِّرون لنا مشاهد تفجير تلة علي الطاهر، وتفجير البيوت والمدارس، ليجعلوا منّا مجتمعًا هشًا.
ولكن هذه معركة مصير، والوعي أمضى أسلحتها، وإنّ محاولات زرع الهزيمة، بالتوازي بين واقع الناس المؤلم ومشاهد التفجير والتدمير، مع التبجحات بالتصريحات الرسمية الانتخابي منها والفعلي، لن تؤتي أُكلها إلّا إذا نجحوا في تغيير المدارك والسيطرة على الإدراك، وبالتالي انفضاض البيئة ثم الهزيمة، ولكن من يقدم دمه وماله وبيته، ليس في وارد ترك مداركه في مهب ريح "الفيديوهات"، ليعبث بها نتنياهو أو ترامب.