مقالات مختارة
يحيى دبوق - صحيفة الأخبار
على بُعد 35 يوماً من الانتخابات “الإسرائيلية”، تبدأ «الأخبار» نشر سلسلة مقالات تتناول البيئة السياسية والاجتماعية التي تجري فيها هذه الانتخابات، وشكل الخريطة السياسية عشيّة الاقتراع، والسيناريوات المتوقّعة بنتيجته، فضلاً عن تعقيدات اليوم التالي.
لا تشبه الانتخابات الإسرائيلية المُقرَّرة في 27 تشرين الأول المقبل أيّ انتخابات سابقة شهدها الكيان؛ إذ إن مفاعيلها لن تقتصر على شكل الحكومة المقبلة فحسب، بل ستمتدّ لتطاول هويّة «الدولة»، ومستقبل نظامها السياسي، والاتّجاه الذي ستسلكه بعد سنوات من الحروب والأزمات والانقسامات الداخلية. وعلى الرغم من أن هذه الانتخابات تأتي، للمرّة الأولى منذ عام 1988، بعد إكمال «الكنيست» ولايته القانونية الكاملة، في ما قد يوحي بقدر من الاستقرار الحكومي قلّ نظيره في "إسرائيل"، فإن الواقع مختلف تماماً عمّا يبدو عليه في الظاهر، إذ يتزامن الاستحقاق مع واحدة من أكثر المراحل اضطراباً في تاريخ الكيان، شهدت إشعال حروب - ما زالت مستمرّة - على جبهات قريبة وبعيدة، فيما بقيت الأزمة السياسية الداخلية مفتوحة، متّخذةً عناوين كثيرة من بين أبرزها الاستقطاب الحادّ، والهيمنة الواضحة للخطاب اليميني وما يرافقه من توجّهات متطرّفة، فضلاً عن غياب البرامج الانتخابية، وخلافات المعسكر الواحد، وبروز الشخصانية في القيادة والحكم. ومن هنا، تبدو انتخابات تشرين الأول، على الرغم من ما يبدو انجراراً جماعياً خلف ذلك الخطاب، اختباراً لمستقبل التوازنات السياسية والمؤسّساتية، وللقدرة على إعادة إنتاج نظام الحكم، الذي يغلب عليه الآن بُعد عقائدي عدائي وإقصائي، في الداخل والخارج على حدّ سواء.
ويتنافس في الانتخابات معسكران رئيسان: الأول يقوده رئيس الحكومة الحالي، بنيامين نتنياهو، ويضمّ أحزاب «الليكود» و«شاس» و«يهدوت هتوراة» و«القوة اليهودية» بقيادة وزير «الأمن القومي» إيتمار بن غفير، و«الصهيونية الدينية» بقيادة وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، إلى جانب قوائم يمينية صاعدة من مثل «عمخا يسرائيل ــ شعبك إسرائيل» بقيادة عوفر فينتر، الذي أسّس حزبه الجديد وقرّر خوض الانتخابات بقائمة مستقلّة. أمّا المعسكر المقابل، فيضمّ كتلاً من اتجاهات يمينية ووسطية ويسارية تقليدية، ويتقدّمه حالياً - وإن لم يكن متّفَقاً عليه باعتباره زعيم المعسكر - رئيس الأركان السابق، غادي آيزنكوت، الذي يرأس حزب «يشار» المؤسّس حديثاً، فيما ينافسه نفتالي بينت عبر تحالف «بياحد - معاً»، الذي يضمّ، إلى جانب بينت، يائير لابيد. كذلك، يبرز، ضمن المعسكر نفسه، حزب «الديمقراطيون» بقيادة يائير غولان - الذي نتج من ائتلاف حزبَي «العمل» و«ميرتس» -، وحزب «إسرائيل بيتنا» بقيادة أفيغدور ليبرمان، إلى جانب كتل أصغر من مثل كتلة «هندل - زليخا».
الاستمرار في تصدُّر المعسكر اليميني لا يقلّ أهمية بالنسبة إلى نتنياهو عن الفوز في الانتخابات
وإذا كان معسكر نتنياهو يبدو أكثر تماسكاً، فإن هذا التماسك الظاهري لا يخفي توترات متكرّرة بين «الليكود» وحلفائه. وفي المقابل، لم يُحسم الصراع على زعامة معسكر المعارضة بين آيزنكوت وبينت، مع اختلاف مواقف مكوّناته من قضايا محورية، ولا سيما مسألة الاعتماد على أحزاب فلسطينيّي الـ48 في تشكيل الحكومة، والنظرة إلى «الحريديم»، وشروط أخرى ترتبط بـ«الدولة» ومؤسّساتها. وفي هذا السياق، يشير أحدث استطلاعات الرأي المنشورة إلى استمرار حالة التقارب بين المعسكرَين؛ إذ يحصد ائتلاف نتنياهو ما بين 50 و54 مقعداً، مقابل 52 إلى 54 للأحزاب المعارِضة الصهيونية، ونحو 12 إلى 14 مقعداً لفلسطينيّي الـ48. وفي وقت لا تمنح فيه الاستطلاعات، أيّاً من الفريقَين، القدرة على الوصول منفرداً إلى عتبة الـ61 مقعداً اللازمة لتشكيل حكومة، يبدو أن نتنياهو لا يستهدف بالضرورة الفوز بالأغلبية، بقدر ما يهمّه منع خصومه من تأمين الأغلبية، وكذلك الحفاظ على موقع «الليكود» باعتباره القوة الأكبر داخل معسكره.
وبالنظر إلى ضيق الفارق بين المتنافسين، وتعدّد القوى داخل كلّ معسكر وتباين مواقفها، وما يبدو أنه صراع داخلي في «البيت الواحد»، يَصعب من الآن، قبل نحو شهر من موعد الانتخابات، تقدير مَن سيكون الفائز ومَن سيكون الخاسر، أو مَن سيُكلّف بتشكيل الحكومة وأيّ ائتلاف سيكون قادراً على تكوينها. ومن شأن حال عدم اليقين هذا أن يمتدّ إلى ما بعد إعلان النتائج؛ فحتى بعد فرز الأصوات، يتعذّر تحديد ما ستؤول إليه الأمور، خصوصاً أن تصدّر حزب ما لا يعني بالضرورة أن رئيسه سيُكلّف، كما أن تفوّق أيّ من المعسكرَين لا يعني تلقائياً قدرته على التشكيل. لكن في حال تقاربهما، تبدو الأحزاب الفلسطينية في الداخل هي القادرة، نظرياً، على ترجيح الكفّة لمصلحة أيٍّ منهما. غير أن هذه الأحزاب لا تزال مُستبعدة من حسابات الطرفَين في الوقت الراهن، ولن تعود إليها ما لم تُفتح قنوات للتفاهم معها، وهو ما يمثّل مهمّة شائكة وصعبة للغاية.
وبذلك، لن تكون الانتخابات المقبلة نهاية للصراع السياسي، مع تثبيت الائتلاف الحالي أو استبداله، بل ستمثّل بداية لمرحلة جديدة من المساومات وإعادة ترتيب التحالفات، لا يُستثنى من سيناريواتها انتقال كتل وأحزاب من معسكر إلى آخر، أو تعذّر تشكيل حكومة جديدة من الأساس والذهاب مُجدّداً إلى انتخابات؛ علماً أن هذا هو أحد الرهانات التي يعوّل عليها نتنياهو للبقاء في السلطة، أسوةً بما جرى عام 2019.