خاص العهد
رسالة من مصر: البلد العربي الذي أحبَّه السيد نصر الله
الدكتور رفعت سيد أحمد لـ "العهد": السيد نصر الله بوصلة الأمة نحو فلسطين والمقاومة
من مصر إلى فلسطين. بقي سيد شهداء الأمة السيد حسن نصر الله (رض) في ذاكرة من عرفه قائدًا تاريخيًا، استطاع أن يتجاوز حدود بلده وحزبه وبيئته ليكون عنوانًا جامعًا للعرب والمقاومين. كانت فلسطين بوصلته التي التقت حولها التيارات، وفيها رأى الدكتور رفعت سيد أحمد قائدًا حمل قضية الأمة بقدر ما حمل قضية المقاومة.
الدكتور رفعت سيد أحمد؛ الكاتب والمفكر القومي المصري، ورئيس مركز يافا للدراسات والأبحاث في القاهرة، يستذكر عبر "العهد" سماحة السيد حسن نصر الله (رض) في ذكرى استشهاده الثانية، قائلًا: "باعتباري واحدًا ممن لهم شرف معرفة هذا السيد القائد ولقائه، أستطيع أن أقول، إن السيد حسن نصر الله (رض) كان، بالنسبة إلينا، رمزًا لامعًا لكل تيارات الأمة وطموحاتها. لم يكن ينتمي إلى تيار واحد بقدر ما كان، في تجربته ومسيرته، نقطة التقاء لتيارات الأمة على اختلافها وتنوعها؛ من القومي والناصري إلى الإسلامي والليبرالي".
كانت بوصلته واضحة منذ البداية: فلسطين، وعزة الأمة، ورفض التبعية للأميركي أو "الإسرائيلي". وحول هذه البوصلة اجتمعت التيارات والقوى، في مسيرة امتدت من عام 1993 حتى أيلول 2024. وبمعرفتي الشخصية به، لم أرَ في الرجل انحرافًا عن هذه البوصلة أو ترددًا في وجهتها. كانت فلسطين حاضرة في كلامه، وفي مواقفه، وفي رؤيته للأمة ومستقبلها.
يتابع الدكتور رفعت سيد أحمد: "لعل ما يجمع آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي (قده) وسماحة القائد العظيم السيد نصر الله (رض)، في الذاكرة السياسية والإنسانية، هو هذا الالتقاء في العزة والكرامة وفلسطين، وفي الروح الثورية التحررية التي رفضت أن تكون الأمة تابعة أو مستباحة.. حين أتذكر مسيرة هذا الرجل العظيم، أتذكر أولًا هذا الوضوح: نسقًا واحدًا، وبوصلة لا تتبدل، والالتقاء المحوري لكل التيارات حوله في كل المنطقة، وخاصة في انتصاراته العظيمة المتتالية في الفترة التي كان فيها أمينًا عامًا لحزب الله".
يقول:"أتذكر أيضًا حبَّه لمصر. كان يسألني كثيرًا، في لقاءاتنا الخاصة، عن مصر، وكان سؤاله عنها يحمل حبًا حقيقيًا وإيمانًا بدورها. كان يرى أن نهضة الأمة لا يمكن أن تبدأ من فراغ، وأن الدول الكبرى والرئيسة فيها، وعلى رأسها مصر، تملك دورًا أساسًا في استعادة الأمة لعافيتها ومكانتها".
ويضيف :"كان يحب كل قوى المقاومة في فلسطين؛ كل من يحمل البندقية في وجه الاحتلال. لم يكن يفرّق بينها، بل كان يرى فيها جميعًا وجهًا من وجوه المقاومة. ولهذا التقى حوله أكثر من خمسة عشر فصيلًا فلسطينيًا، على اختلاف مشاربهم، يجمعهم فلسطين والمقاومة ومواجهة الاحتلال".
ويصف عروبته، فيقول:"كانت عروبة صادقة. عروبة لا تعني التبعية، ولا تختزلها البيانات والشعارات، بل تعني التحرر والكرامة والاستقلال. كان عربيًا لأن فلسطين كانت في قلب عروبته، وكان إسلاميًا صادقًا. ولذلك استطاع أن يلتقي حوله العرب بكل تنوعاتهم".
كان سماحة السيد نصر الله (رض)، في نظره، العزة مجسدة والكرامة مجسدة. لم تكن هذه الكلمات عنده شعارات، بل كانت سيرة وحياة وموقفًا. ولهذا سيبقى، في الذاكرة العربية، مثالًا تاريخيًا فذًا لكل من يريد الصدق في عروبته وفلسطينيته، ولكل من يرى في التحرر قيمة إنسانية تتجاوز الحدود والتيارات. وسيبقى أيضًا مثالًا تاريخيًا للقائد الصلب، المجاهد والمضحي الذي بلغ به صدقه وإيمانه حد التضحية، حتى بأقرب الناس إلى قلبه. وسيظل مثالًا لمن يريد الصدق في عروبته وفلسطينيته ودعوته للتحرر على المستوى الإنساني.
ويختم الدكتور رفعت سيد أحمد بالقول:"هذه هي الصورة التي بقيت مرتسمةً في ذهني عن السيد حسن نصر الله (رض): رجلٌ كانت له بوصلة واضحة، ولم يساوم عليها؛ فلسطين، وعزة الأمة، والكرامة، والتحرر. ومن عرفه عن قرب، لا يستطيع أن يفصل الرجل عن هذه المعاني التي عاش لها ومضى فيها حتى النهاية".