اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي فلسطين في زمن الخذلان: لماذا اختار السيد نصر الله كسر قواعد الصمت؟

خاص العهد

🎧 إستمع للمقال
خاص العهد

"بدي شوف الجرحى أكتر".. أبوية السيد نصر الله في حكايات جرحى المقاومة 

"أحياءٌ كالشمس".. عن فيض الرعاية الأبوية من الشهيد الأسمى للجرحى
172

كان بينهم وبين الشهادة طرفة عين، لكنّ الله تعالى اختار لهم منزلة "الشهداء الأحياء"؛ لتبقى آثار دمائهم الشريفة أوسمةً ناطقة. كسائر الورود المتفتحة من بلسم الجراح، تغدو الابتسامة عنوانًا لكل محيّاهم، إذ تطالعنا بسمتهم النورانيّة، فكيف إذا كانت هذه الابتسامة المشرقة ترتبط بذاك القائد الأبويّ، "سيدهم وراعيهم"، والذي طالما استقبلهم ببسمةٍ تحيي القلوب، وتشدّ الأزر، وتزرع في الثغور طمأنينة الانتصار..

هم رجالٌ من صلب هذا الزمن، ولكل زمن؛ تشعر وكأن الله قد فتح أبواب الجهاد في أيامنا هذه لأنهم أولياؤه، وخاصّته ورايته، وعنوان نصره المبين. يقفون على شوامخ الصبر شهودًا أحياءً على أن الدماء والجراح لا تُهزم، بل تُزهر عزًا وكرامة.

سيد شهداء الأمة سماحة السيد حسن نصر الله أدرك بقلبه الكبير هذه الحقيقة، وأن من وقفوا على خطوط النار وعادوا بأوسمة الجراح، هم أمانة الله الغالية ودرعه الحصين... فكان لكل جرحٍ بلسمٌ من كلماته، ولكل كسرٍ في الروح جبرٌ من بسمته التي تحيي القلوب. يلتفت إليهم بعين الأب، فيرسم في محياهم أملًا، ويُشعرهم أن تضحياتهم ليست إلا مفاتيح للنصر القريب.

عن رعاية السيد نصرالله للجرحى وعوائلهم، يتحدث مدير عام مؤسسة الجرحى الحاج محمد دكروب لـ "العهد"، ويقول إن اهتمام سماحته بالجرحى لم يكن يومًا مجرد رعاية إدارية عابرة، لقد كان يمثل مدرسة إيمانية ورؤية رسالية راسخة. نظر إليهم بوصفهم "شهداء أحياء"، وشهودًا صادقين على صوابية المسار ووفاء العهد، لما يجسدونه من تضحيات وقيم وثبات في ميادين العطاء، فاحتلّ الجرحى موقعًا متقدمًا في فكر السيد واهتمامه وقراراته. إذ كان يرى أن ما ينعم به الوطن والمجتمع، من أمنٍ وعزّةٍ واستقرار، هو صنيعة الدماء الطاهرة والجراح التي حملها أصحابها في سبيل القيم والمبادئ.

ويضيف: "هذا الاهتمام لم يقتصر على الجريح وحده، فقد امتد ليشمل أسرته، لا سيما الأمهات والزوجات. أولى سماحته اهتمامًا خاصًا بالزوجات اللواتي اخترن، بإرادة ووعي، الارتباط بجرحى يحملون إصابات بالغة وصعبة. إذ كان ينظر إليهن بوصفهن مجاهدات في الصفوف الأولى، يقدّمن أسمى صور التضحية والصبر والإيثار، وتجسيدًا حيًّا للجهاد الزينبي".

بحسب دكروب، تجلّت توجيهات سماحته وقراراته المباشرة إزاء الجرحى في مسارات متعددة، أبرزها:

التطوير المؤسسي المستمر: بتأكيده الدائم على تعزيز قدرات "مؤسسة الجرحى" وتطوير بنيتها وتشكيلاتها، ما يمكّنها من مواكبة التحديات المتجددة والاستجابة للزيادة المستمرة في أعداد الجرحى مع اتساع ساحات المواجهة.

2. تفعيل الطاقات ومنع الانزواء: تشديده على ضرورة دمج الجرحى في ميادين العمل المختلفة، والإفادة من الإمكانات والقدرات التي يمتلكونها وعدم السماح للإصابة بأن تشكّل عائقًا أمام استمرار دورهم وعطائهم. شمل ذلك المجالات التعبوية والإعلامية والإدارية والثقافية، ما يحفظ حضورهم الفاعل في مسيرة المقاومة والمجتمع.

3. الرعاية الصحية الشاملة: بمتابعته الحثيثة لتأمين منظومة رعاية متكاملة للجريح، تبدأ من لحظة الإسعاف الأولي في الميدان، مرورًا بالعلاجات والعمليات الجراحية، وصولًا إلى برامج التأهيل والمتابعة الصحية طويلة الأمد، ما يضمن صون كرامته وتلبية احتياجاته.

الجريح.. شاهد عزّ يُلهم الأمة

وفقًا لدكروب، كان الشهيد الأقدس يتعامل مع أصحاب الإصابات البالغة بتقديرٍ عميق لما يرافقهم من معاناة نفسية وجسدية تمتد سنوات طويلة؛ وكان يؤكد لهم دائمًا أن صبرهم على هذا الألم والابتلاء يُسجَّل عند الله جهادًا مستمرًا، تتعاظم فيه الأجور مع كل لحظة ونَفَس. كما كان يحرص على رفع معنوياتهم باستنهاض روح المشاركة لديهم، محذرًا من أن الانكفاء داخل المنازل قد يزيد من وطأة المعاناة النفسية، في حين أن خروج الجريح بكرسيه المتحرك أو بآثار جراحه، في الفعاليات والميادين الاجتماعية، يجعله حجةً إلهية وشاهد عزّ يُلهم الأمة بأكملها.

يسهب دكروب بالحديث عن تأثر سماحته عاطفيًا بموضوع الجرحى، فيقول: "كان خطاب السيد نصر الله (قده) مع الجرحى يعكس أسمى معاني التواضع والتقدير، مقرونًا بإجلالٍ دائم لتضحياتهم واعترافٍ صادق بمكانتهم وفضلهم. إذ كان سماحته يتحسس آلام الجرحى بعاطفة الأب الرحيم، وكان يرى في صور أجسادهم وأيديهم المقطّعة وعيونهم التي أُطفئت تجسيدًا حيًّا لواقعة كربلاء، ولنموذج أبي الفضل العباس (ع). كان يظهر افتخاره بهم، ويعبّر في لقاءاته المباشرة عن مشاعر مفعمة بالحب والحنان والاحتساب، مؤكدًا أن هؤلاء هم الأقرب إلى قلبه ونفسه، لأنهم جادوا بأجزاء من أجسادهم في سبيل الله، لكي يعيش المجتمع بكرامة وأمان". 

يضيف: "كان يمثّل للجرحى الأب الحاني، والقائد المُلهم، والسَّنَد المعنويّ والروحيّ الأعظم، فمن قبَس كلماته وتوجيهاته كان الجرحى وعوائلهم يستمدون الطمأنينة والقدرة على مكابدة الجراح ومواصلة مسيرة الصبر والعطاء، حتى ليحسّ كلُّ جريحٍ أن كلّ خطابٍ موَجَّهٌ إليه شخصيًا، لما عُرف عن سماحته من تقصٍّ دائمٍ واطلاعٍ دقيق على أدقّ تفاصيل أوضاعهم".

يردف: "لقد شكّل وجوده ضمانةً مستمرة لحفظ تضحياتهم من التهميش أو النسيان، إذ غرس في وجدانهم يقينًا ثابتًا بأن ما بذلوه لن يضيع عند الله، وأن ثمرته عزٌّ وانتصارٌ وكرامةٌ في الدنيا، ودرجاتٌ عُلا في الآخرة. كان يربط معاناتهم ونهج صبرهم بسِيَر الأنبياء والأولياء، فيحوّل الجراح من عنوانٍ للألم إلى وسام شرفٍ كربلائي يحمل معاني التضحية والثبات. لم تكن اللقاءات والاتصالات التي خصّ بها عددًا كبيرًا من الجرحى إلا تجسيدًا حيًّا لعلاقته الأبوية بهم؛ فقد كان حاضرًا بينهم بوصفه الأب والقائد والراعي، قبل أن يكون الأمين العام".

رسائل خاصة

من أعمق المواقف التي تروى عن سماحته، احتفاظه بـ "مجموعة من الرسائل الخاصة لبعض الجرحى" ممن أصيبوا بإعاقات صعبة أو إصابات بالغة، حيث كانوا يتوسلون إليه لكي يتيح لهم فرصة تنفيذ "عمليات استشهادية"، بحسب دكروب، وكان هذا الموقف يترك في نفسه أثرًا بالغًا. إذ يرى كيف أن الجريح الذي قدّم جزءًا كبيرًا من جسده لا يتسلل إليه اليأس أو التراجع، بل يطلب الفناء الكلي في سبيل الله.

في إحدى المناسبات، حين طلبت إدارة برنامج الحفل تقليل فقرة عرض الجرحى، في ليلة السابع من محرم وكان السبب وقتها ضيق الوقت والحفاظ على وقت كلمة السيد، رفض ذلك، وطلب تقليص وقت كلمته هو، ومنح الوقت الكافي للجرحى، قائلًا بلغة مفعمة بالحنان: "بدي شوف الجرحى أكتر"، ما يعكس عمق الرابط الروحي والوجداني الذي كان يجمعه بهم.

تفجير البيجر

عند السؤال عن تلقي سماحته خبر تفجير البيجر، يتوقف دكروب قليلًا، لما لهذه المجرزة وقع في قلب سماحته، معرجًا على شجاعته واتخاذه القرار السريع، قائلًا: "إنّ تجربة سماحة السيد التاريخية في مواجهة الصدمات والابتلاءات الجسام كانت تنطلق دائمًا من الاستعانة بالصبر والرضا والتسليم المطلق بالقدر الإلهي، حين كان يتلقى الجراح الصعبة والمستجدة بروح المسؤولية والقوة القيادية، ناظرًا إلى كل ما يصيب المجاهدين بوصفه امتحانًا في الموقع والزمان الصحيحين". 

تجلّى هذا النهج بأبهى صوره في تعاطيه مع المجزرة الغادرة لأجهزة الاتصال، إذ أطلّ في خطابه الأخير بشجاعةٍ وواقعيةٍ استثنائية ليصف ما جرى بأنه "ضربةٌ كبيرة وقاسية وغير مسبوقة"، مستوعبًا حجم الصدمة من دون تجميل ليُحيل الفاجعة فورًا إلى طاقة ثبات واستنهاض. لقد أدار الأزمة بإصداره التوجيهات العاجلة باستنفار الإمكانات كافة لاحتواء المصابين طبيًا ومعنويًا، مشيدًا بالاحتضان الشعبي والتضامن الملحمي الذي أحاط بالجرحى وعوائلهم، ومؤكدًا أن هذه الجراح النازفة لم تكسر إرادة المقاومة ولن تُسقط بنيتها، بل حوّلت المصاب إلى قوة دفعٍ إضافية لمواصلة الطريق وإسقاط أهداف العدو، انطلاقًا من الإيمان الراسخ بأن جهاد الجرحى عمليةٌ مستمرة لا تتوقف أمام جراح الجسد.

ممّا يُروى عن عمق تلك اللحظات، أن سماحته فور وقوع الانفجار، وجّه بإرسال فرق توثيقٍ ميدانية إلى المستشفيات؛ لنقل الواقع بدقةٍ متناهية. وفقًا لدكروب، حين علمت إحدى الجريحات بأن المشاهد المعروضة مخصّصة لعينَي السيد، أرسلت إليه رغم سلبها النور من عينيها رسالةً تنبض بالثبات: "يا سيدنا لا تحزن، فنحن إن شاء الله صابرون ومحتسبون". ولم يكن جريحٌ آخر فاقدٌ لبصره يملك إلا أن يُرسل إليه رجاءه الصادق: "انتبه لنفسك يا سيد، فروحي لك الفداء". وقد أحدثت هذه المشاهد تأثيرًا عميقًا في وجدانه، فنقل موفده في اليوم التالي سلام سماحته وتأثره البالغ للجريحة، فبادرته بعتبٍ ملؤه الإيثار: "لمَ جعلتَهُ يتأذى؟ لقد أوصيتك أن تقول له إننا أقوياء!"؛ لتختصر هذه الواقعة عمق الرابط الاستثنائي بين الجرحى وأبيهم الحنون سيد شهداء الأمة.

يختم دكروب: "بشهادته، فقد الجرحى الراعيَ الأساس والأبَ الرؤوف الذي عاش هموم جراحهم وتفاصيل حياتهم، واللسانَ الصادق الذي أَبَى إلا أن يظلّ شاهدًا للأمة على جليل فضلهم. كما فقدوا إشراقة لقائه السنوي في "يوم الجريح"، ذلك اللقاء الذي كان محطةً روحية يستمدون منها زاد الإيمان والشحنات المعنوية، ويتزوّدون من أنواره بالقوة والسكينة. غير أن كلماته غدت بعد رحيله وصيةً خالدة وعهدًا وثيقًا يسير على نهجه الجرحى وأبناء المؤسسة؛ صيانةً للإنجازات، ووفاءً لدمائه الطاهرة، تحت قيادة الأمين العام الشيخ نعيم قاسم، والذي حفظ الأمانة الأبوية واحتضن الجرحى؛ ليكون خيرَ أمينٍ على أمانة الأمين".

الكلمات المفتاحية
مشاركة