خاص العهد
كاتب من العراق
تلقت مختلف الأوساط والمحافل السياسية والشعبية والنخبوية العراقية حدث إنهاء الوجود الأجنبي في البلاد، في الموعد النهائي المحدد له، المتمثل في الثلاثين من أيلول-سبتمبر الماضي، بارتياح وترحيب كبيرين، وتجلى ذلك واضحًا عبر التجمعات والاحتفالات الجماهيرية الحاشدة في أغلب محافظات البلاد، إلى جانب الفعاليات الحكومية الرسمية، والبيانات السياسية لشتى القوى والتيارات والأحزاب الفاعلة في الساحة.
ووصفت الكثير من الأطراف والشخصيات العراقية هذا الحدث التاريخي الكبير بأنه نقطة تحول، ومحطة مفصلية في مسار استعادة السيادة الوطنية، وطي صفحة الوجود الأجنبي المرفوض، والاتجاه إلى معالجة آثار ومخلفات وتراكمات حقبة الاحتلال الأميركي وعموم الوجود الأجنبي.
وفي تصريح خاص لموقع "العهد" الإخباري بهذا الشأن، يقول أستاذ العلوم السياسية، الدكتور أحمد سعدون العتبي: "إن الخروج الكامل والنهائي للقوات الأجنبية يعد إنجازًا كبيرًا، ما كان له أن يتحقق لولا إرادة العراقيين، وشجاعة المقاومة، التي أرغمت الولايات المتحدة على الإذعان للأمر الواقع، خصوصًا وأن الخسائر والضربات التي تلقتها خلال حربها مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية دفعتها إلى اتخاذ خطوات تجنبها المزيد من الهزائم والخيبات والانكسارات".
ويرى العتبي أن "الفرصة الآن مواتية للعراقيين لكي يثبتوا قدرتهم على إدارة شؤون بلادهم بحكمة وعقلانية، وتغليب المصالح العامة على المصالح الخاصة، من أجل قطع الطريق، وإغلاق الأبواب أمام أي سيناريوهات مماثلة أو شبيهة بسيناريو داعش الإرهابي عام 2014".
ولا شك أن إنهاء الوجود الأجنبي ليس نهاية المطاف، بل إن هناك خطوات أخرى لا بد من اتخاذها حتى تكتمل مقومات السيادة الوطنية، وهي، كما يراها الباحث في الشؤون الاقتصادية، كريم حسين الفياض، في حديثه لـ"العهد"، تتمثل "بتحرير الأموال العراقية من قبضة وهيمنة بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، واتجاه العراق لبناء شراكات اقتصادية استراتيجية مع دول مهمة وقوية، كالصين وروسيا والاتحاد الأوروبي والهند، بعيدًا عن إملاءات واشتراطات الولايات المتحدة"، وأكثر من ذلك، كما يؤكد الفياض، "الانضمام إلى تكتلات اقتصادية عالمية ثقيلة ومؤثرة، مثل منظمة بريكس، ومنظمة شنغهاي للتعاون، وغيرهما"، فضلًا عن "الشروع بإجراءات اقتصادية مدروسة من شأنها أن تحرك عجلة الاقتصاد الوطني، وتقلل من الاعتماد على الخارج في كل شيء".
وفيما يتعلق بحصر وتنظيم السلاح بيد الدولة، يشير الخبير الأمني أحمد عبد الرحمن، في حديث لموقع "العهد"، إلى أن اجتماعات عديدة عقدت مع قادة فصائل المقاومة، وأن هناك تفهمًا وتفاهمات جيدة من قبل مختلف الأطراف في هذا السياق، وأن الضمانات والتطمينات والاشتراطات التي تطرحها وتطالب بها الفصائل مبررة وواقعية.
ويؤكد عبد الرحمن أنه "من غير المعقول ولا المقبول مطالبة فصائل المقاومة بالتخلي عن سلاحها الذي كان له الدور الكبير والمحوري في هزيمة تنظيم داعش، بينما تبقى قوى أخرى محتفظة بسلاحها"، في إشارة إلى بعض تشكيلات قوات البيشمركة الكردية، وقوات حماية سنجار المتشكلة من المكون الإيزيدي، وقوات حزب العمال الكردستاني التركي المعارض (PKK) المتواجدة في مناطق من نينوى، الذي تؤكد مصادر قريبة من أوساط الحكومة أن هناك لجانًا معنية بمتابعة ملفات هذه التشكيلات.
في ذات السياق، أكدت فصائل المقاومة أنها حريصة كل الحرص على أمن البلاد واستقرارها، بقدر حرصها على إنهاء كل مظاهر الوجود الأجنبي، وعدم رهن تسليم سلاحها بأي توقيتات زمنية قبل أن تتضح الصورة بشكل كامل. فضلًا عن ذلك، فإنها حذرت في مناسبات عديدة من الوقوع في فخ أساليب الخداع الأميركية التي لم تعد خافية على أحد بعد ثلاثة وعشرين عامًا من الغزو والاحتلال الذي جلب مختلف المآسي والكوارث على العراق والعراقيين، بل وعلى عموم شعوب ودول المنطقة.