خاص العهد
تقليص اعتمادات الصحة والإسكان في الموازنة.. تحذيرات من تفاقم الأعباء المعيشية
عبد الله والأسمر لـ"العهد": لا تقليص للرعاية الاجتماعية على حساب الناس
تُشكّل الموازنة العامة مرآة للخيارات السياسية والاجتماعية للدولة، غير أن مقاربة الحكومة الأخيرة لبعض الملفات الحيوية عكست إخفاقًا في ترتيب الأولويات؛ إذ أخطأت الحكومة عند إقرارها مشروع الموازنة عندما عمدت إلى تخفيض اعتمادات وزارة الصحة والمؤسسة العامة للإسكان. فبينما تُعدّ التغطية الصحية والدوائية أولوية للمواطنين في لبنان، تأتي معضلة الإيجارات وتعثر قوانينها لتفاقم الأزمة المعيشية، في وقتٍ كانت فيه هذه القضية تحتاج حكمًا إلى سياسة إسكانية واضحة المعالم عمادها القروض الميسّرة عبر المؤسسة لا تقليص دورها. وأمام هذا الواقع المأزوم، يبرز دور البرلمان بوصفه خط الدفاع الأخير لتصويب البوصلة، لتكون كلمة الفصل ومسؤولية التعديل معقودةً على التصويب في مجلس النواب.
وفي حديثين لموقع العهد الإخباري، تناول عضو لجنة الصحة النيابية النائب بلال عبد الله ورئيس الاتحاد العمالي العام في لبنان ورئيس مجلس إدارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بشارة الأسمر تداعيات ما شمله إقرار الموازنة على صعيدي القطاعين الصحي والإسكاني، ودور الدولة في حماية الفئات الاجتماعية الأكثر هشاشة.
عبد الله: كيف نخفض موازنة الصحة فيما الأعباء الدوائية تتزايد؟
يرى عبد الله أن القطاع الصحي يواجه أعباء متزايدة لا تسمح بخفض الاعتمادات المخصصة له، مشيرًا إلى أن كلفة الأدوية التي كانت مشمولة بالتغطية ارتفعت، بالتوازي مع إدخال أدوية جديدة، ولا سيما أدوية السرطان والأمراض المستعصية.
ويقول عبد الله، إن هذه التطورات تفرض زيادة الاهتمام بالقطاع الصحي بدل تقليص موازنته، متسائلًا عن كيفية خفض الإنفاق في وقت تتزايد الحاجات الصحية والدوائية للمواطنين.
ويلفت إلى أن هناك مطالب لقطاعات أخرى، إلا أن العمل على الملفات الصحية والاجتماعية يهدف إلى تخفيف الأعباء اليومية عن المواطنين، مؤكدًا ضرورة أن تكون لدى الحكومة سياسة اجتماعية وإسكانية واضحة تتعامل مع هذه الملفات باعتبارها جزءًا أساسيًا من مسؤولية الدولة.
ويشدد عبد الله على أن مفهوم الدولة الراعية يصبح أكثر أهمية في ظل الأزمة الاقتصادية، منبّهًا إلى أن الظروف الصعبة التي يعيشها المواطنون لا تسمح بالتخلي عن الرعاية الاجتماعية.
ويؤكد أن الرعاية الاجتماعية يجب أن تشمل مختلف القطاعات وتفرعاتها، الصحية والتربوية والإسكانية، إلى جانب سائر المجالات التي ترتبط بالحاجات الأساسية للمواطنين.
الأسمر: لم تُخفض الاعتمادات بل أُخذ جزء من مخصصات الصحة والإسكان
من جهته، يلفت رئيس الاتحاد العمالي العام في لبنان ورئيس مجلس إدارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بشارة الأسمر إلى أن ما جرى، لا يتمثل في خفض الموازنة المخصصة لهذه القطاعات بصورة مباشرة، بل في اقتطاع جزء من الأموال التي كانت مخصصة للإسكان والقطاع الصحي لتأمين اعتمادات أخرى، بينها أجور العاملين في القطاع العام.
ويؤكد الأسمر أن الصحة والإسكان قطاعان مهمان وأساسيان، وليس من الممكن التعامل معهما باعتبارهما من الكماليات، متسائلًا عن كيفية تعامل المواطن مع هذا الواقع، خصوصًا في ظل الأعباء المعيشية المتزايدة.
ويشير الأسمر إلى أن الزيادات على الأجور كانت مطلوبة أيضًا، لكنه يربط النقاش حولها بضرورة تأمين إيرادات ومداخيل مقابلة، في ظل ما يُطرح بشأن شروط صندوق النقد الدولي.
ويضيف أن المشكلة تكمن في عدم وجود مداخيل كافية، فيما يجري اللجوء إلى أموال كانت مخصصة لقطاعات أخرى، مشيرًا إلى اقتطاع نحو 80 مليون دولار من أصل 100 مليون دولار كانت مخصصة للإسكان، إضافة إلى اقتطاعات أخرى من الاعتمادات المرتبطة بالقطاع الصحي.
ويرى أن هذا الواقع يطرح أسئلة حول قدرة هذه القطاعات على الاستمرار في تأمين الخدمات والحاجات الأساسية للمواطنين.
وفي ما يتعلق بتداعيات المساس بمخصصات القطاع الصحي، يؤكد الأسمر أن الطبقات الفقيرة هي التي تتحمل عادةً الجزء الأكبر من كلفة السياسات التي وصفها بغير المدروسة.
ويقول: "الطبقات الفقيرة تدفع ثمن السياسات غير المدروسة"، مشيرًا إلى أن المواطن يجد نفسه أمام أعباء متزايدة في الاستشفاء والدواء والسكن، في وقت تتراجع قدرة الدولة على توفير الحماية الاجتماعية اللازمة.
وفي ختام حديثه، ينتقد الأسمر الاكتفاء بالحلول المرحلية والمؤقتة، مبينًا أنها لا تعالج جذور الأزمة، ويشبهها بـ"إبرة البنج" التي تخفف الألم لفترة قبل أن يعود الواقع إلى ما كان عليه.
ويؤكد أن المطلوب لا يقتصر على الخطابات، قائلًا إن كثرة الخطابات لا تؤدي إلى نتيجة إذا لم تقترن بحلول فعلية ومستدامة تعالج أصل الأزمة، وتحمي القطاعات الصحية والإسكانية والاجتماعية من مزيد من التراجع.
وفي المحصلة، يلتقي موقفا عبد الله والأسمر عند أهمية إبقاء الصحة والإسكان والرعاية الاجتماعية ضمن أولويات النقاش حول الموازنة، في ظل أزمة اقتصادية تجعل انعكاسات أي تغيير في مخصصات هذه القطاعات أكثر مباشرة على المواطنين، ولا سيما الفئات التي تعتمد بصورة أكبر على الخدمات والحماية التي يجب أن توفرها الدولة.