خاص العهد
لم يعد ارتفاع الأسعار في لبنان تفصيلًا عابرًا في المشهد المعيشي، بل تحوّل إلى عبء يومي يثقل كاهل المواطن، في وقت تتداخل فيه عوامل الغلاء بين ارتفاع أسعار المحروقات وكلفة النقل والكهرباء والإنتاج، وبين فلتان في الأسواق يستغل الظروف القائمة لفرض زيادات لا تجد ما يبررها.
وفيما يجد المواطن نفسه أمام فاتورة معيشية تتسع يومًا بعد يوم، تتجه الأنظار إلى قدرة الجهات الرقابية على ضبط الأسواق، في ظل اعتراف رسمي بأن المشكلة لا ترتبط بعامل واحد، وأن الرقابة وحدها لا تكفي لمعالجة ظاهرة بهذا الحجم.
وكان وزير الاقتصاد عامر البساط قد قال إن ارتفاع الأسعار العالمية للنفط ينعكس على الأسعار، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى وجود "فلتان في الأسواق" تعمل الوزارة على ضبطه. وأوضح أن الوزارة أجرت 17 ألفًا و500 كشف ميداني بواسطة 40 مراقبًا فقط، وسط إجراءات ومحاضر ضبط بحق المخالفين، مؤكدًا أن المشكلة كبيرة ولا تُحلّ بالرقابة وحدها.
هذا الواقع يؤكده مدير حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد والتجارة المهندس طارق يونس، الذي يوضح في حديث لموقع "العهد" الإخباري أنه "من الطبيعي أن ترتفع الأسعار بدرجة معينة، ولكن هناك تفلت في الأسعار من قبل البعض الذي يستغل هذه الأوضاع"، لافتًا إلى أن المشكلة تكمن في أن الغرامات غير عالية وغير رادعة فعليًا للمخالفين.
ويشير يونس إلى أن مديرية حماية المستهلك تقوم بدورها كجهاز رقابي، وأن المراقبين موجودون على الأرض بشكل دائم لمتابعة عدد كبير من المهام المتنوعة. ومن أبرز القطاعات التي تتم مراقبتها، بحسب يونس، قطاع المولدات الكهربائية، الذي يشهد مخالفات تعمل المديرية، قدر الإمكان، على ضبطها، بالتعاون مع عدد من المؤسسات، وعلى رأسها القضاء والنيابة العامة التمييزية، إضافة إلى القوى الأمنية ومديرية أمن الدولة والبلديات.
ويلفت إلى أهمية دور البلديات في هذا المجال، خصوصًا في حال استدعى الأمر مصادرة المولدات المخالفة، موضحًا أن مصادرة المولد وإيقافه عن الخدمة تحتاج إلى جهة تتولى إدارة المولد، حتى لا تتوقف الخدمة عن المواطنين، ولذلك فإن دور البلديات "كتير مهم" في هذا الموضوع.
ولا تقتصر مهام الرقابة على المولدات، بل تمتد إلى محطات المحروقات، لناحية السعر والكمية والجودة، فضلًا عن موضوع السلامة في مختلف قطاعات الغذاء، في السوبر ماركت والمطاعم والأفران والباتيسيري وغيرها، إضافة إلى موضوع الخبز وربطة الخبز وسعرها ووزنها.
كما تشمل الرقابة، بشكل أساسي، أسعار السلع الغذائية والسلع الاستهلاكية في نقاط البيع، إلى جانب السلع المستوردة، وهي نقطة أساسية تعمل عليها المديرية، وفق يونس. ويشرح أن المراقبين يتوجهون إلى نقاط البيع لمعاينة الأسعار والاطلاع على فواتير الشراء والبيع، وفي حال تبين أن هامش الأرباح يتخطى النسب المسموحة للسلع الأساسية، والتي قد تكون 10 أو 12 أو 15 في المئة، يتم تنظيم محاضر ضبط بحق المخالفين.
وفي حال تبين أن رفع السعر من المصدر يتم بصورة غير منطقية، تعود المديرية إلى الشركة الموردة للتحقق من أسباب رفع الأسعار والأسس التي استندت إليها. كما يتم الاطلاع على البيانات الجمركية التي جرى على أساسها استيراد السلع والمنتجات، للتأكد مما إذا كان ارتفاع الأسعار قد حصل خلال عملية الاستيراد، أو إذا كان المستورد يحقق أرباحه خارج نطاق القانون.
ويؤكد يونس أن جميع هذه العوامل تدخل ضمن عمل المديرية، مشيرًا إلى أن الغلاء له أسباب متعددة، كما قال وزير الاقتصاد. فهناك ما يمكن وصفه بـ"الغلاء المستورد"، الناتج عن التضخم العالمي وارتفاع أسعار النفط، وهو ما انعكس على أسعار النفط في لبنان، وبالتالي على الأسعار بشكل عام.
كما ينعكس ارتفاع الأسعار العالمية على أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية المستوردة نتيجة ارتفاع كلفة الشحن والتأمين على البواخر في ظل الأوضاع الأمنية في البحار. وهذه العوامل، بحسب يونس، تؤدي إلى حالة من التضخم وغلاء في أسعار السلع المستوردة، وهي زيادات مبررة، إلا أن هناك في المقابل حالات غير مبررة لرفع الأسعار بهدف تحقيق أرباح غير مشروعة.
وهنا يأتي دور وزارة الاقتصاد، التي تعمل على تنظيم محاضر الضبط وإحالتها إلى القضاء.
الغرامات غير رادعة
ويرى يونس أنّ إجراءات الرقابة وتسطير محاضر ضبط بحق المخالفين لا تكفي لضبط الأسواق، موضحًا أن الغرامات التي تصدر عن القضاء بموجب النصوص القانونية "غير عالية وغير رادعة فعليًا" للمخالفين بشكل متكرر ومتمادٍ. ويشير إلى أن من يرفع الأسعار قد يعتبر أن دفع قيمة محضر الضبط أمام القضاء لا يشكل نسبة ذات أهمية من هامش الأرباح غير القانونية وغير الشرعية التي يحققها.
مشروع قانون لرفع قيمة الغرامات
في ما يتعلق بدور القضاء، يؤكد يونس أن القضاء متعاون، وأن المديرية تتعاون بصورة مباشرة مع النيابة العامة التمييزية والنيابة العامة المالية، خصوصًا في موضوع المولدات، إضافة إلى البلديات التي تتعاون في مصادرة المولدات المخالفة.
أما في الملفات الأخرى، فيتم إرسال محاضر الضبط إلى القضاء، الذي يتخذ الإجراءات اللازمة، إلا أن النقص في عدد القضاة يساهم، بحسب يونس، في تأخير إصدار الأحكام القضائية.
إلى جانب ذلك، تبقى قيمة الغرامات الصادرة بموجب هذه الأحكام غير عالية، لأن الغرامات المفروضة حاليًا تستند إلى النصوص القانونية وإلى قانون حماية المستهلك، وما زالت تُحتسب على أساس قانون عام 2006، وعلى سعر صرف يبلغ 1500 ليرة للدولار الواحد، وليس على أساس سعر صرف اليوم.
وفي هذا الإطار، يلفت يونس إلى أن المديرية قدمت مشروعًا لتعديل قانون حماية المستهلك إلى اللجان النيابية، ولا سيما المواد المرتبطة بالأحكام وقيمة الغرامات، بهدف رفع قيمتها لتصبح رادعة فعليًا للمخالفين.
وبين ارتفاع أسعار المحروقات، وارتفاع كلفة الشحن والتأمين، والتضخم العالمي، وبين حالات رفع الأسعار غير المبررة، تبقى الأسواق اللبنانية أمام تحديات متشابكة، فيما تواصل مديرية حماية المستهلك عمليات الرقابة وتنظيم محاضر الضبط وإحالتها إلى القضاء، بانتظار تعديل قانون حماية المستهلك ورفع قيمة الغرامات بما يجعلها أكثر قدرة على ردع المخالفين.