مقالات مختارة
علي محمود الموسوي - صحيفة الأخبار
في خضم الجدل اللبناني حول التفاوض مع "إسرائيل"، انحصر النقاش غالباً في سؤال: هل يملك رئيس الجمهورية صلاحية التفاوض؟ والجواب الدستوري واضح من حيث المبدأ. فالمادة 52 من الدستور تنص على أن رئيس الجمهورية «يتولى المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة»، فيما لا تصبح المعاهدة مبرمة إلا بعد موافقة مجلس الوزراء، وتخضع فئات معينة منها لموافقة مجلس النواب. كما تجعل المادة 65 الاتفاقات والمعاهدات الدولية من المواضيع الأساسية التي يتولاها مجلس الوزراء.
لكن هذا الجواب، على أهميته، لا ينهي المسألة. ففي دولة القانون لا يكفي أن نسأل: هل تملك السلطة الاختصاص؟ بل ينبغي أن نسأل أيضاً: كيف استُعمل هذا الاختصاص؟ ولأي غاية؟ وهل بقي استعماله مرتبطاً بالمصلحة التي منح الدستور السلطة من أجل تحقيقها؟ وهنا تبدأ المسألة القانونية الأكثر دقة.
الصلاحية ليست شيكًا على بياض
المادة 52 لا تمنح رئيس الجمهورية تفويضاً شخصياً مفتوحاً في السياسة الخارجية، بل ترسم مساراً دستورياً متكاملًا. فرئيس الجمهورية يتولى التفاوض «بالاتفاق مع رئيس الحكومة»، بينما لا تصبح المعاهدة مبرمة إلا بموافقة مجلس الوزراء، وقد تحتاج فئات منها إلى موافقة مجلس النواب. ومن ثم، فإن وصف التفاوض بأنه «حق لرئيس الجمهورية» يجب ألا يقود إلى تحويله إلى سلطة شخصية مستقلة عن المؤسسات الدستورية. إنه، في جوهره، اختصاص وظيفي؛ والاختصاص الوظيفي لا يمنح لممارسة السلطة لذاتها، بل لتحقيق الغاية التي أنشئ من أجلها.
وهنا تبرز قاعدة أساسية في القانون اللبناني. فالمادة 124 من قانون الموجبات والعقود لا تحصر التعسف في استعمال الحق بقصد الإضرار بالغير، وإنما تربطه أيضاً بتجاوز الغرض الذي من أجله منح الحق. وهذه نقطة جوهرية، لأن حسن النية الشخصية لا يحسم المسألة دائماً. فقد يكون صاحب السلطة غير راغب في الإضرار بأحد، ومع ذلك يستعمل الاختصاص في غير الغاية التي شُرّع من أجلها. وعندها يمكن أن يثار قانوناً مفهوم التعسف أو الانحراف عن الغاية.
ليس كل فشل في التفاوض تعسفًا
لا يعني فشل المفاوضات، بمجرده، وجود سوء استعمال للسلطة. فالتفاوض بطبيعته يقوم على الاحتمال، ولا يمكن تحميل المسؤول الدستوري مسؤولية عدم قبول الطرف الآخر بالمطالب اللبنانية، متى دخل التفاوض بحسن نية ولأسباب وطنية معقولة.
لذلك لا يجوز بناء المسؤولية القانونية على النتيجة وحدها. فثمة فرق بين مفاوضات صعبة لم تحقق نتائج نهائية بعد، مع وجود أسباب موضوعية تبرر استمرارها، وبين استمرار مسار فقد مبرراته ولم يعد ينتج منفعة وطنية معقولة.
فقد تبدأ المفاوضات بأسباب جدية، ثم تتغير الظروف، وتتبدل المعطيات، ويتضح بعد جولات متتالية أن الطرف المقابل لا يقدم ما يحقق الغاية المتوخاة. عندها يصبح السؤال مشروعاً: هل ما زال استمرار ممارسة الاختصاص التفاوضي يحقق الغاية التي منح من أجلها؟ وهذا سؤال قانوني قبل أن يكون سياسياً.
من خيار التفاوض إلى سؤال الجدوى
المسألة ليست نظرية. فقد أعلن رئيس الجمهورية جوزيف عون في حزيران 2026 أنه اتخذ قرار المفاوضات وسيستمر فيها، رابطاً خيار التفاوض باستعادة دور الدولة وتجنب خسائر الحرب. كما أعلنت الرئاسة أن الأهداف اللبنانية تشمل وقفاً نهائياً للنار، والانسحاب "الإسرائيلي"، وانتشار الجيش، وعودة الأسرى.
لكن المسار لم يتحول إلى تسوية نهائية. فقد أُرجئت الجولة الثامنة من أيلول إلى تشرين الأول، فيما استمرت الاتصالات بين السفيرين اللبناني و"الإسرائيلي" في واشنطن لمتابعة التطورات وتنفيذ إطار التفاوض. وأعلن رئيس الجمهورية في 12 أيلول أنه «لا مفاوضات جديدة مع "إسرائيل" في الوقت الحالي»، مع تأكيده أن الانسحاب "الإسرائيلي" وعودة الأسرى والنازحين وإعادة الإعمار هي ثوابت وطنية.
هذه الوقائع تطرح سؤالاً لا يجوز الهروب منه بالشعارات: إذا كان التفاوض وسيلة، فما معيار الاستمرار في هذه الوسيلة عندما لا تتحقق الغاية؟
«عدم المنفعة» أوسع من «قصد الإضرار»
القول إن التعسف يحتاج دائماً إلى نية الإضرار يضيّق مفهوم إساءة استعمال الحق. فالحق قد يُساء استعماله من دون رغبة في الإضرار، وقد تكمن المشكلة في أن صاحب السلطة يستمر في ممارسة اختصاصه من دون منفعة عامة تبرر هذا الاستمرار.
عندما تتحول الصلاحية الدستورية من وسيلة لتحقيق المصلحة الوطنية إلى ممارسة بلا منفعة
وهنا ينبغي التمييز بين حالتين: الأولى، مفاوضات لم تحقق نتائج نهائية، لكن ثمة أسباب موضوعية وفرصة معقولة تبرر استمرارها؛ والثانية، استمرار في مسار فقد بصورة واضحة ومستمرة أي مردود وطني ملموس، بينما تتزايد كلفته السياسية أو الأمنية أو التفاوضية من دون ظهور منفعة مقابلة تبرر الاستمرار.
في الحالة الأولى لا يمكن الحديث عن التعسف لمجرد عدم تحقق النتائج. أما الثانية فتثير، على الأقل، سؤال الغاية من استمرار استعمال الاختصاص.
وهنا يمكن الاستئناس بنظرية الانحراف في استعمال السلطة في القانون الإداري، ومفادها أن السلطة، وإن كانت مختصة، لا يجوز أن تستعمل لتحقيق غاية غير الغاية التي منح القانون الاختصاص من أجلها. ولا يعني ذلك إسقاط قواعد القضاء الإداري آلياً على العمل الدستوري لرئيس الجمهورية، إذ يظل ثمة فارق بين العمل الإداري والعمل الدستوري، لكن المبدأ العام يبقى ذا قيمة: وجود الاختصاص لا يكفي، بل يجب أن يتجه استعماله نحو غايته المشروعة.
إذا كانت الغاية المعلنة للتفاوض هي حماية لبنان، وإنهاء الاحتلال، وتحقيق الانسحاب "الإسرائيلي"، ووقف الأعمال العسكرية، وعودة الأسرى والنازحين وإعادة الإعمار، فإن هذه الغايات تصبح معياراً موضوعياً لتقييم المسار التفاوضي.
ولا يعني ذلك أن عدم تحقيقها فوراً يجعل التفاوض غير دستوري، بل إن استمرار التفاوض ينبغي أن تكون له علاقة معقولة بإمكان تحقيقها.
وفي هذا المجال، تبرز ضرورة الشفافية: ما الذي حققه التفاوض؟ ما الذي حصل عليه لبنان؟ ما التنازلات المطلوبة منه؟ وما الالتزامات المقابلة؟ وما الإطار الزمني والمعايير التي تحدد استمرار المسار أو وقفه؟
فالقول إن «التفاوض أفضل من الحرب» لا يكفي وحده لتبرير تفاوض مفتوح بلا أفق، كما أن القول إن «الدولة هي التي تفاوض» لا يجيب عن السؤال الأهم: ماذا حققت الدولة من تفاوضها؟
بين الحق وواجب تبرير الاستمرار
في النهاية، لا يجوز تجريد رئيس الجمهورية من الاختصاص الذي منحه إياه الدستور، كما لا يجوز اعتبار مجرد فشل المفاوضات دليلاً تلقائياً على التعسف. لكن المادة 52 لا يمكن أن تتحول، في المقابل، إلى حصانة من المساءلة السياسية أو النقد القانوني لطريقة ممارسة السلطة. فالدستور لا يمنح الصلاحيات كي تُمارس لمجرد ممارستها، والقانون لا يحمي الحق عندما ينفصل عن الغاية التي وجد من أجلها.
لذلك، فإن السؤال اللبناني اليوم ليس فقط: هل يحق لرئيس الجمهورية أن يتفاوض؟ بل السؤال الأهم: هل لا بزال التفاوض، بصيغته ومساره وشروطه الراهنة، يحقق الغاية الوطنية التي من أجلها استُعمل الاختصاص الدستوري؟
فإذا كانت الإجابة نعم، وجب بيان المصلحة التي يحققها والنتائج التي تحققت أو يُنتظر تحقيقها. أما إذا أصبح التفاوض مجرد ممارسة لا تنتج منفعة وطنية تُذكر، فلا يكفي لتبرير الاستمرار القول: «إنه حق دستوري».
فالحق الدستوري ليس غاية في ذاته، والصلاحية ليست ملكاً لمن يمارسها، بل أمانة وظيفية لمصلحة الدولة. وأخطر إساءة لاستعمال السلطة ليست دائماً أن تُمارس بقصد الإضرار بالغير؛ فقد تكون، في بعض الحالات، أن تُمارس من دون غاية نافعة، ومن دون مردود عام، ومن دون مبرر سوى أن صاحبها يستطيع استعمالها. وهنا تحديداً يقع الحد الفاصل بين حق التفاوض وسوء استعمال حق التفاوض.