نقاط على الحروف
كاتب فلسطيني من غزة
حاصل على شهادتي بكالوريوس علوم قانونية وإدارية
ودورة في القانون الدولي
هذا العنوان مطلع أنشودةٍ فلسطينية، تحاكي قصة المجاهد أبي إبراهيم الكبير، رفيق سلاح الشهيد عزّ الدين القسام، وأبو إبراهيم هو من قاد المجاهدين بعد استشهاد عزّ الدين القسام عام 1939. ولا زالت هذه القصة وأُنشودتها بعد ما يناهز التسعين عامًا، تسكن مخيال كل من اتخذ الجهاد سبيلًا، بل الوعي الجمعي للشعب الفلسطيني.
اليوم تحلّ الذكرى الثانية لاستشهاد أبي إبراهيم السنوار، والذي ستعيش ذكراه بل ستُخلد، فهو ليس رجلًا عاديًا مرّ في تاريخ الثورة الفلسطينية، أدّى قسطه للعلا ثم مشى، بل هو من جعل من فلسطين مركز العالم، وجعل من غزة شأنًا داخليًا في كل عواصم القرار، وليس مجرد ملفٍ خارجي، وجعل منها قِبلة كل الباحثين عن الحرية.
قبل الطوفان لم تكن القضية الفلسطينية في أدنى سلّم أولويات المجتمع الدولي، بل لم تكن على سلّم الأولويات أصلًا، وكان الحديث عنها إذا حدث خلسةً، يحصل في إطارٍ إنسانيٍ بحت، مجرد كتلةٍ بشرية، تعيش في سجنٍ كبير، بحاجةٍ للمزيد من الغذاء والدواء، ولا يتطرق الحديث حتى لرفع الحصار، فضلًا عن الحقوق السياسية وحلّ الدولتين والتسوية والسلام، بل أصبحت تصفية القضية الفلسطينية شرطًا للسلام.
في "إسرائيل" من لا يزال راغبًا في إدارة الصراع، مع تشكيل نتنياهو حكومة المجانين، حيث ظهرت الرغبة في حسم الصراع، في أكثر من مناسبة وعلى لسان أكثر من وزير، كما قال سموتريتش مثلًا: "أمام الفلسطيني ثلاثة خيارات، إمّا الموت أو العيش ساكنًا مقابل الغذاء والماء أو الهجرة"، وذلك قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر.
ولم تكن هذه العنجهية بعيدة عن تقديرات استخبارية، تفيد بأنّ الواقع في الشرق الأوسط، يسمح لـ"إسرائيل" بالسيطرة وتصفية القضية الفلسطينية دون خشية ردّ فعل. فقبل ثمانية أيام من يوم الطوفان، قال مستشار الأمن القومي الأميركي جاك سوليفان: "منطقة الشرق الأوسط اليوم أهدأ مما كانت عليه منذ عقدين"، وكذلك مستشار الأمن القومي "الإسرائيلي" تساحي هنغبي، الذي قدم تقريرًا قبل الطوفان بأيامٍ قليلة، مفاده "أنّ حماس مردوعة ولن تغامر بالهجوم".
وسوء هذه التقديرات لم يكن مصادفةً، أو مجرد خطأ تقني أو نقص معلوماتي أو شحٍ عملائي، بل كان زلزالًا استخباريًا، وقف خلفه يحيى السنوار، في عملية خداعٍ استراتيجيٍ من الطراز الرفيع، تفوّق فيها على أعتى الأجهزة الاستخبارية في العالم، وتسبب لتلك الأجهزة المحلقة في عنان القدرة المطلقة، في ارتطامٍ شديد الألم بليغ الكسر بأرض الواقع وميدان الحقائق.
ولم يقتصر الأمر على الزلزال الاستخباري، بل كان زلزالًا عسكريًا وإعلاميًا ونفسيًا، زلزالًا استراتيجيًّا على كل المستويات، فقد وضع السنوار "إسرائيل" في دائرة الذعر الوجودي، وانسحب هذا الذعر على رعاة المشروع الصهيوني الدوليين، حيث تُشكّل "إسرائيل" درة التاج في المشروع الاستعماري ورأس حربته.
فقد وُجِد هذا الكيان لحماية مصالح الغرب الاستعماري، وقد دججته القوى الغربية بأكثر الأسلحة فتكًا، وحرصت على قوة ردعه، حيث يضاهي القوى العظمى بما يمتلك، بل وتفوّق عليها في بعض الجوانب، ولم تسمح منذ نشأته بتفوّق أيٍّ من أعدائه عليه، ومنحته السلاح والتكنولوجيا والمال والمعلومات والحماية القانونية والسياسية، وسخّرت كل إمكانياتها كإمبراطوريات في خدمته، لكن كل هذا انهار في دقائق، زلزله أبو إبراهيم وكتائب عز الدين القسام.
وأدرك الغرب انهيار "إسرائيل"، وأنّها لم تعد قادرة على حماية نفسها، فكيف ستحمي مصالحه؟ فـ"إسرائيل" حاربت غزة المحاصرة الصغيرة الفقيرة على مدار سنتين، دون أن تدخلها رصاصة واحدة، فيما الجسور الجوية والبحرية لم تتوقف عن إمداد "إسرائيل"، بكل ما يلزمها من آلات القتل وأدوات البطش، فضلًا عن تسخير كل الأجهزة الاستخبارية الغربية وبعض العربية لخدمة جرائمها، فماذا لو كان الأمر معكوسًا؟
ورغم مرور ثلاث سنوات على يوم الطوفان، لم يستطع الغرب بكل محاولاته إعادة عقارب الساعة لما قبل الطوفان، فـ"إسرائيل" الغارقة في جرائمها لا تستطيع حسم أيّ جبهة، بل لا تستطيع البقاء مع رفع الغطاء الأميركي عنها لسويعات، وهي دخلت في طريق أن تصبح عبئًا بعد أن كانت كنزًا، لا سيما بعد ارتفاع كعب الرواية الفلسطينية، وتراجع الرواية "الإسرائيلية" لأول مرةٍ في تاريخ الصراع.
إنّ أبا إبراهيم، وكما أمات "إسرائيل" بالسكتة الوجودية، أصاب الأمّة بالسكتة القلبية، فالأمة منذ نشأة الكيان وهي تحلم بيومٍ كيوم الطوفان، ولكن حين تحقق الحلم، يبدو من شدة الصدمة وهول المفاجأة أصابتها السكتة، فعلى مدار حرب الإبادة سكنت عواصم العرب بلا حراك، اللهمّ إلا بيروت وصنعاء وبغداد.
ويبدو أنّ السنوار كان يعول على الجماهير العربية، لكنها خذلته وخذلت نفسها فتوحشت "إسرائيل"، ثم خرج المصابون بالسكتة بعد الغيبوبة، ليهاجموا الرجل الذي أهداهم أسمى أمانيهم، وتساءلوا بصيغة الإدانة، كيف يدق باب الحرية الحمراء وهو يدرك أنّه مضرجٌ بالدم، رغم أنّهم كانوا يدينونه وكتائبه بالجنوح للمهادنة والركون للاستسلام قبل الطوفان؟
هؤلاء الذين عجزوا عن إدخال قارورة ماء لغزة، عليهم إدانة أنفسهم والاعتذار لأبنائهم وأحفادهم، عن صمتهم الذي أدمى غزة ولبنان واليمن والعراق وما زال، ولا يزال الإقليم في تنور الطوفان، حتى تستوي سفينة الطوفان على جبال الحرية، وإذا كان أبو إبراهيم قد ودّع عزّ الدين القسام، فإنّ كتائب الشهيد عزّ الدين القسام بعد 90 عامًا لم تودّع نهج أبي إبراهيم.