خاص العهد
يتلهّى وزراء "القوات" بملفات ليس لهم فيها علاقة، ويتركون وزاراتهم وملفاتها تهبط إلى الدرك الأسفل. يحشر هؤلاء أنوفهم في ما لا يعنيهم بينما يديرون ظهورهم لكل ما يعني الناس. منذ تولّيهم الحقائب الوزارية، سقط شعارهم الشهير "نحنا بدنا ونحنا فينا" أمام واقعٍ مرير تتزايد فيه أعباء اللبنانيين وتتآكل قدراتهم على تحمّل الضرائب والفواتير. الغوص في خبايا وزارة الطاقة والمياه يؤكّد هذا الواقع. هناك تضع الإخبارات المقدّمة بحق الوزير "القواتي" جو صدي ملفات المحروقات والمولدات وغرامات باخرة "باسيليس إل" أمام أسئلة جدّية حول إدارة المال العام، وتفتح الباب أمام مساءلةٍ تتجاوز السجال السياسي إلى حقوق المواطنين وأموال الدولة.
وفي هذا السياق، كشفت عضو تكتل "لبنان القوي" النائبة ندى البستاني، في حديث إلى موقع "العهد" الإخباري، أن التيار الوطني الحر تقدّم حتى الآن بثلاثة إخبارات تتصل بملفات وزارة الطاقة، مؤكدةً أن هذه الخطوات لن تكون الأخيرة، وأن إخبارات جديدة ستُعلن في الوقت المناسب.
باخرة "باسيليس إل".. غرامات تتجاوز المليون دولار وخسائر تفوق 11 مليونًا
أوضحت البستاني أن الإخبار الأول يتناول ملف باخرة "باسيليس إل" التي دخلت إلى لبنان من دون توافر الاعتمادات اللازمة، في مخالفة تستند إلى أحكام قانون المحاسبة العمومية، الذي يمنع الوزير من الالتزام بنفقات من دون اعتمادات متوافرة. وأضافت أن إدخال الباخرة يحتاج إلى قانون وتعديل قانون، فضلًا عن عدم وجود قرار من مجلس الوزراء في هذا الشأن.
وأشارت إلى أن خطورة الملف تضاعفت مع إبقاء الباخرة في البحر لنحو 70 يومًا قبل إدخالها إلى لبنان، ما رتّب غرامات تجاوزت المليون دولار. ولفتت إلى أن هذه الفترة تزامنت مع إقفال مضيق هرمز والتقلّبات الكبيرة في أسعار النفط، ما أدى إلى فارق يقارب 10 ملايين دولار بين سعر الباخرة عند وصولها وسعر شرائها الفعلي، وقدّرت خسائر الدولة الناجمة عن الملف بأكثر من 11 مليون دولار.
وسألت البستاني عن مبررات استقدام الباخرة، مشيرةً إلى أنها محمّلة بالمازوت، وليس بالفيول المخصّص لتشغيل المعامل، وبالتالي لا تندرج ضمن حاجة طارئة تستوجب هذه الخطوة. وردًّا على تبرير الوزير بأن العملية جرت عبر منشآت النفط التي تتمتع بصفة تجارية، شددت على أن الصفة التجارية لا تعفي الوزير من مسؤوليته عن حماية المال العام، ولا تبرّر تعريض مؤسسة تابعة للدولة للخسائر.
أسعار البنزين.. دولار إضافي للمحطات وآخر للمستوردين
أما الإخبار الثاني، فيتعلق بتركيب أسعار البنزين، حيث اتهمت البستاني الوزير صدي بإضافة دولار لأصحاب المحطات ودولار آخر للشركات المستوردة، من دون مبرّر واضح، وعلى الرغم من الزيادات في الرسوم التي فُرضت خلال السنة الحالية.
وأوضحت أن هذه الزيادة تعني مضاعفة الجعالة التي تتقاضاها المحطات، وقدّرت قيمتها الإجمالية بنحو 100 مليون دولار سنويًا، استنادًا إلى كميات البنزين المستوردة. وانتقدت تمرير الزيادة من دون إعلان واضح عنها، مشيرة إلى أن تعقيد تركيبة الأسعار يجعل من الصعب على المواطن معرفة تفاصيل المبالغ التي تُضاف إلى الفاتورة النهائية.
وأشارت كذلك إلى الضغوط التي تواجهها بعض المحطات، والتي وصلت إلى حد إقفال بعضها لساعات. وربطت هذا الواقع، إلى جانب المخاوف التي أثارتها بشأن البنزين المغشوش، بالفوضى التي تستدعي معالجة جدية ورقابة فعلية على القطاع.
المولدات الخاصة.. شبهات حول زيادة الـ10%
في الإخبار الثالث، تناولت البستاني قرار زيادة تعرفة المولدات الخاصة بنسبة 10% خلال الشهر الماضي، للمولدات التي تتجاوز امتدادات شبكات توزيعها 300 متر، مشيرة إلى أن تطبيق هذه الزيادة يثير إشكالية تتعلق بقدرة المواطنين على التحقق من المسافات الفعلية لشبكات التوزيع ومدى استحقاق كل مولّد لها.
ولفتت إلى أن القرار صدر في ظل ارتفاع أسعار اشتراكات المولدات أصلًا، وقدّرت الكلفة الإضافية المترتبة عليه بنحو 300 مليون دولار، وفق تقديرها الأدنى. وأضافت أنه إذا اعتُمدت الأرقام التي أعلنها الوزير نفسه بشأن كلفة ساعة التقنين، والتي تبلغ 240 مليون دولار، فإن مجموع الأعباء قد يتجاوز 500 مليون دولار سنويًا، وفق أرقام الوزير صدّي.
وسألت عن الأساس الذي استند إليه القرار، خصوصًا أن أصحاب المولدات يستخدمون شبكة نقل الكهرباء من دون دفع مقابل مماثل، مشدّدة على أن إضافة أعباء جديدة إلى فواتير المواطنين تستوجب تبريرًا واضحًا وشفافية في تحديد المستفيدين والكلفة الفعلية.
اعتكاف الوزير والمساءلة القضائية
وفي خلاصة حديثها إلى "العهد"، رأت البستاني أن الملفات الثلاثة تثير شبهات فساد تستوجب التحقيق، سائلةً عن مبررات زيادة أرباح الجهات المعنية في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، وعن أسباب تمرير الزيادات بالطريقة المشبوهة، من دون إعلان واضح عنها.
كما انتقدت اعتكاف الوزير صدي بعد إقرار الزيادات، لافتةً إلى أنه كان الأجدر به تحمّل المسؤولية قبل تحميل المواطنين أعباء إضافية، لا بعد ذلك. وشددت على أن القضاء مُطالب بالتعامل مع هذه الملفات بجدية، مشيرةً إلى قرار سابق للنيابة العامة المالية يتعلق بباخرة أخرى كشف هدرًا في المال العام بقيمة سبعة ملايين دولار.
وختمت البستاني بالتأكيد أن التيار الوطني الحر يعتزم تقديم إخبارات جديدة في ملفات أخرى، سيُعلن عنها في الوقت المناسب، في خطوة تضع أداء وزارة الطاقة أمام مزيد من التدقيق والمساءلة، وتعيد إلى الواجهة مسألة حماية المال العام في وقتٍ يدفع فيه اللبنانيون كلفة الأزمات من جيوبهم.