اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي نداف إيال يسأل: هل تقترب "إسرائيل" من الانهيار الاقتصادي؟

نقاط على الحروف

إيران.. المعضلة الأخلاقية وازدواجية المعايير
🎧 إستمع للمقال
نقاط على الحروف

إيران.. المعضلة الأخلاقية وازدواجية المعايير

167

كاتب فلسطيني من غزة

حاصل على شهادتي بكالوريوس علوم قانونية وإدارية

 ودورة في القانون الدولي

في عالمٍ تتربع على عرشه امبراطوريةٌ غاشمة، بكل ما أُوتيت من جشعٍ وبطشٍ وعدوانية، وتنصّلٍ من أدنى مقومات الإنسانية والأخلاق، يبدو الانطلاق من مقوماتٍ أخلاقية أو إنسانية في المقاربات السياسية، أمرًا مغرقًا في السذاجة، أو كأنّه إفراطٌ غير محمودٍ في المثاليات والرومانسية، ومن يتحدث بناءً على هذه المنطلقات، يشعر مستمعوه كأنّهم عثروا على البجعة السوداء أو طائر العنقاء.

وهذه ليست معضلة إيران فحسب، بل هي معضلة محور المقاومة عمومًا، وتزداد هذه المعضلة تعقيدًا، حين يتم تسويغ العقل الجمعي، مع مبدأ تناقض الأخلاق السياسية مع المصالح السياسية، وهنا تصبح الأخلاق مهما كانت ركنًا ركينًا في المنطلقات السياسية مجرّد سلعة، أو عملية تمويهٍ وخداع، ومهما كانت الوقائع السياسية دالة أو متطابقة مع المنطلقات الأخلاقية، فالأمر محسومٌ سلفًا، كما قال مظفر النواب "لو أطعمت حمامات العالم من قلبك فأنت مخرّب".

تقوم إيران من منطلقاتٍ أخلاقية وإنسانية -ونستثني المنطلقات الشرعية والدستورية وغيرها لأنّها خارج نطاق المقال- بدعم حركات المقاومة وأحزابها في العالم العربي، المقاومة التي واجهت العدو "الإسرائيلي"، والعدوان الأميركي المباشر أو غير المباشر عبر التنظيمات التكفيرية، وهنا يبرز السؤال البديهي، الذي يريدون تسويغ إجابته بما يتناسب مع العدوان، هل هذا الدعم ذو المنطلقات الأخلاقية والإنسانية، يتعارض مع المصالح الإيرانية؟

إنّ إيران تدفع أثمانًا باهظة منذ قيام الثورة عام 1979 نظير هذا الدعم، بدءًا بالعقوبات والحصار والاغتيالات والاستهداف الأمني والعسكري، وليس انتهاءً بالحرب والعدوان، ولا مسوِّغ لاحتمال كل ذلك غير المنطلقات الأخلاقية، فإيران لم تكن مضطرة لإشهار عدائها لأميركا و"إسرائيل"، وكان بإمكان الثورة وراثة دور الشاه في السياسة الخارجية، الذي كان على وشك منحِه القنبلة النووية من أميركا.

ولكن بما أن إيران الثورة انطلقت من هذا المنطلق الأخلاقي والإنساني، فقد أصبحت مصالحها تقتضي دعم كل من يواجه أعداءها. وهنا يبرز تقاطع المصالح بين الطرف الداعم والمدعوم، فقد تقاطعت مصلحة إيران بإبعاد أميركا عن حدودها، مع المصلحة العراقية بالتحرر من الاحتلال، فقامت إيران بدعم المقاومة العراقية، في تقاطعٍ وتناغمٍ أيضًا بين المصالح والأخلاق، فهل كان من مصلحة العراق أرضًا وشعبًا ودولة، تأبيد الاحتلال الأميركي؟

ثم قامت بدعم الفصائل العراقية في مواجهة "داعش"، في تطابقٍ بين المصالح والأخلاق، إلّا إذا كانت مصلحة العراق أن تحكمه "داعش"، كذلك بذات التطابق الأخلاقي والمصلحي قامت بدعم حزب الله في لبنان، فهل من مصلحةٍ لبنانية تتعارض مع هذا الدعم اللّا مشروط، البعيد كل البعد عن النفعية السياسية، إلّا إذا افترضنا أنّ "إسرائيل" صديقة لبنان الدولة والأرض والشعب، ووحده الدعم الإيراني شقّ أواصر القربى وهدم جسور الصداقة.

وهذا الدعم يتمّ في حالة تخلٍّ عربيٍّ مطلق عن حركات المقاومة، فالأنظمة العربية بجيوشها وأجهزتها وإعلامها وأموالها استقالت من الصراع باكرًا، بل أصبحت في أغلب سلوكياتها جزءًا من المجهود الحربي الأميركي و"الإسرائيلي"، وباتت مصالحها في تعارضٍ صارخ مع مصالح الشعوب والدول التي تعاني الاحتلالين، ضاربة عرض الحائط بكل المنطلقات الأخلاقية، وهنا يبدو منطقيًا تعارض المنطلقات الأخلاقية والمصلحية لإيران، مع تلك الأنظمة ورعاتها.

المسوغون لهذا التعارض بصفته إدانة لإيران، يحاولون التغاضي عن الدعم الإيراني لحركات المقاومة في فلسطين، ويستثنونه ويتجنبونه قدر المستطاع، فمن ناحيةٍ لأنّه يهدم السردية المذهبية، ومن ناحيةٍ أخرى فهو يكشف عورات تقصيرهم وقصورهم بل إمعانهم وإفراطهم في التخلي عن قضاياهم والتواطؤ عليها، ولكن حين يضطرون للتعريج على هذا الدعم، يضعونه في خانة التمويه، أو المصلحة الإيرانية المجردة، التي تقامر بالمصالح الفلسطينية، وهنا نعيد ذات السؤال: هل المصلحة الفلسطينية الرضوخ للاحتلال وتأبيده أم مقاومته وزواله؟ ومن الواضح أنّ زوال الكيان مصلحة فلسطينية إيرانية مشتركة.

وهنا تتداخل المعضلة الأخلاقية مع ازدواجية المعايير، في المنطق المعوجّ للمسوغين للمشروع الأميركي الصهيوني، فيعتبرون أنّ إيران تدعم "ميليشيات" خارج الدولة وخارجة على القانون، في لبنان والعراق واليمن، وبعيدًا عن اختلاف طبيعة حركات المقاومة التي تدعمها إيران، عن تلك التنظيمات التي تحظى برعايةٍ عربية غربية، فلماذا قامت أنظمةٌ عربية بدعم ميليشيات خارج الدولة وخارجة على القانون في سورية وفي ليبيا مثلًا؟ ولماذا أصبح الدعم هنا مشروعًا وأخلاقيًا وإنسانيًا؟ 

بمعنى آخر ما هي أداة القياس؟ في الحكم على المشروعية، هل هي الدولة المجرّدة أم الدولة الموقف؟ ولماذا الدعم العربي لحركات انفصالية ومعارضة مسلحة مدعومة من"إسرائيل" في إيران سلوك أخلاقي فيما دعم إيران لحركات مقاومة عربية لـ"إسرائيل" سلوك غير أخلاقي؟

وعلى سبيل الإجابة والخاتمة والمحاكاة، فقد أورد الأصفهاني قصة شاعرٍ مغمورٍ اسمه أبو العِبَر، ومن سوء حظّه أنّه جاء في زمن أبي تمام والبحتري، وحينما أيقن ألّا سبيل لمنافسة أبي تمام والبحتري، قرر أن يتحامق، وأصبح يقول من الشعر أحمقه، ويقول هو عن شعره لم أسمع أحمق منه، وحين سؤاله كيف يأتي بهذه الحماقات، قال أجلس تحت جسر بغداد ومعي القلم والدرج، فأسمع ما يقول الآتي والغادي فوق الجسر وأدوّنه، ثم أقلب الدرج فأكتب الناتج.

وهؤلاء من سوء حظّهم أنّهم جاؤوا في زمن إيران ومحور المقاومة، فأيقنوا أنّهم لا يستطيعون للمنافسة سبيلًا، لا على المستوى الأخلاقي أو الوطني أو القومي، ولا حتى على المستوى الإنساني، وعندئذٍ قرروا ألّا سبيل سوى التحامق يأسًا.

الكلمات المفتاحية
مشاركة