اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي ازدواجية المعايير في تغطية الاحتجاجات.. لماذا تختلف الرواية بين إيران وفرنسا؟  

نقاط على الحروف

وزراء
نقاط على الحروف

وزراء "السيادة".. صُمٌّ بُكمٌ عُميٌ

81

دكتوراه في علوم الإعلام والاتصال 

حين انتهت جلسة مجلس الوزراء الأسبوع الماضي، سألنا أحد الوزراء ممّن يصفون أنفسهم بالمستقلين: "ساعات من النقاش حول سيارة ضهر البيدر التابعة للمقاومة، لماذا لم تناقشوا بالتوازي مسألة الاعتداءات "الإسرائيلية"؟". أمّا الإجابة، فكانت: "لم تكن مطروحة على جدول الأعمال". ردٌّ لم يُنه السؤال، بل وسّعه؛ إذ كيف يمكن أن تصبح الاعتداءات التي تطال لبنان وأهله خارج النقاش الحكومي لمجرّد أنّها لم تُدرج على جدول الأعمال؟ وكيف تُرتَّب الأولويات؟ وعلى أيّ أساس تُحدَّد الملفات التي تستحقّ النقاش والاستنفار؟. 

على مدى سنوات طويلة، واكبنا جلسات عدّة لمجلس الوزراء في السراي الحكومي والقصر الجمهوري، ورصدنا محطات ومواقف وملفات مختلفة، لكنّنا لم نعتد أن نرى هذا القدر من الانتقائية الفاضحة لدى بعض الوزراء الحاليين في مقاربة القضايا الوطنية. ثمّة ما لا يقبله عقل ولا منطق ولا قانون ولا أي معيار من معايير المسؤولية الوطنية. يوميًا، يفعل العدو ما يريد من تدمير وتفجير جنوب لبنان، ولا نسمع إدانة واحدة أو استنكارًا من أصحاب المعالي، لا بل يتصرفون كأنّ شيئًا لم يكن، الأمر الذي يُحيلنا إلى السؤال التالي: لماذا يُعقد أصلًا مجلس الوزراء؟ سؤال قد يبدو بديهيًا جدًا، لكنّ الإجابة عنه تفتح الطريق أمام مساءلة وظيفة الحكومة الحالية، وأولوياتها، ومدى التزامها بالمسؤوليات الملقاة على عاتقها بناء على فلسفة وجودها. 

منذ تشكيلها في 8 شباط 2025، تعاني هذه الحكومة من أزمة جوهرية في المضمون. ثمّة مشكلة رئيسية في ترتيب أولوياتها بما يتناسب مع الواقع المعيش. فكثيرًا ما يبدو جدول أعمالها منفصلًا عن حجم التحديات والتطورات التي يشهدها لبنان، بل إنّ بعض القرارات والمواقف تتّخذ طابعًا سياسيًا يتقدّم على الاعتبارات المرتبطة بإدارة شؤون البلاد ومعالجة أزماتها. إطلالة سريعة على الجلسات التي عُقدت منذ 2 آذار 2026 وحتى 22 تشرين الأول تُبيّن التناقض في مقاربة الملفات. عقد مجلس الوزراء 28 جلسة، توزّعت بين 11 جلسة في القصر الجمهوري و17 في السراي الحكومي. لكنّ السؤال لا يتعلّق بعدد الجلسات أو أماكن انعقادها، بل بما دار خلالها من نقاشات، وبالأولويات التي تصدّرت جدول الأعمال، والقرارات التي خرجت بها الحكومة، ومدى انعكاسها على واقع اللبنانيين.

ففي بلدٍ يواجه عدوانًا "إسرائيليًا"، وتنتظر قراه المدمّرة وسكّانه النازحون حلولًا عملية، تتكاثر الأسئلة التي تنتظر إجابات عملية: ماذا عن الاعتداءات "الإسرائيلية" المتواصلة؟ ماذا عن القرى المدمّرة، والنازحين، وإعادة الإعمار، والأزمات المعيشية؟ وأين تقع هذه الملفات على جدول أولويات الحكومة، مقارنةً بالسجالات المتكرّرة حول المقاومة وسلاحها؟. وفي هذا الصدد، لا يغيب عن البال، الجلسة التي عقدت في 2 آذار وعلى وقع العدوان "الإسرائيلي" على لبنان، والتي أقرت حظر كافة الأنشطة الأمنية والعسكرية، بمعنى آخر ممنوع الرد على أي عدوان "إسرائيلي". 

وهنا تبرز المفارقة في ترتيب أولويات الحكومة: فعندما يتعلّق الأمر بالمقاومة وسلاحها، ينتقل الملف سريعًا إلى واجهة جدول الأعمال، فيما لا تحضر الاعتداءات "الإسرائيلية" إلا ما ندر، وإن حضرت تحضر في كثير من الأحيان وعلى خطورتها كمادة في الكلام السياسي. ولعلّ جلسة 22 تشرين الأول في قصر بعبدا تقدّم نموذجًا لهذه المفارقة. فقد استغرق النقاش في قضية سيارة المقاومة ساعات، وسط سجال حادّ حول طلب إحالة القضية إلى المجلس العدلي، وصولًا إلى انسحاب وزراء "القوات" احتجاجًا على عدم إقرار الإحالة. وفي المقابل، تطرح هذه الجلسة سؤالًا يتجاوز الملف المطروح نفسه: أين تقع الاعتداءات "الإسرائيلية" المتواصلة، وما تخلّفه من دمار وتهديد لأمن اللبنانيين، على سلّم أولويات النقاش الحكومي؟ ماذا عن الشاحنة "الإسرائيلية" التي كانت -بالتوازي مع ضبط سيارة المقاومة- تزنّر المنازل وتفجّرها في زوطر الشرقية؟ وأين القرارات العملية التي توازي خطورة ما يتعرّض له البلد؟ 

ولا تقتصر المفارقة على تفجير المنازل في زوطر الشرقية. فالمسيّرات "الإسرائيلية" التي تواصل التحليق في أجواء لبنان، وصولًا إلى أجواء القصر الجمهوري، لا تستدعي من هؤلاء الوزراء سؤالًا أو موقفًا أو استنفارًا مماثلًا. وكذلك الأمر بالنسبة إلى حجم الدمار الذي خلّفه العدو في مناطق واسعة، من مرتفعات علي الطاهر إلى قلعة الشقيف، حيث استخدم، وفقًا لما أوردته تقارير إعلامية، نحو 1100 طن من المتفجرات في علي الطاهر و700 طن في محيط قلعة الشقيف. أطنان من المتفجرات سخّرت لتدمير القرى، فيما لم نشهد استنفارًا سياسيًا أو نقاشًا حكوميًا يتناسب مع حجم ما جرى. أمام هذا المشهد، يبرز السؤال: ما الذي تمثّله سيارة المقاومة، بما تحمله من متفجرات معدّة لمواجهة العدو، أمام مئات الأطنان التي استخدمها الاحتلال في تفجير المواقع وتدمير المنازل؟ لماذا تقوم القيامة حين يتعلّق الأمر بالمقاومة، فيما يصمت هؤلاء أمام مشاهد الدمار، ولا يكادون يأتون على ذكرها؟ أليس هذا هو الصمت الذي يختصره وصف "صُمٌّ بُكمٌ عُميٌ" أمام اعتداءات العدو، فيما تُستحضر مفردات الأمن والسيادة والقانون بكلّ حدّة حين تكون القضية متعلّقة بالمقاومة؟ 

وقبل الغوص في تفاصيل جلسة 22 تشرين الأول، من المفيد استحضار الحماسة التي طغت على مواقف بعض الوزراء قبيل دخولهم إلى قاعة المجلس. وجوه واثقة، وتصريحات سبقت النقاش، ومواقف بدت محسومة سلفًا في ملف سيارة المقاومة. فهناك من شدّد على أنّ أيّ عمل خارج إطار الدولة مرفوض، ومن أكّد أنّ لا سلاح ولا متفجرات خارج سلطتها، ومن أعلن استعداده للتصويت على إحالة القضية إلى المجلس العدلي. وبعد كل هذا الضجيج الذي أبداه هؤلاء الوزراء وعلى رأسهم وزراء "القوات" في الخارج، كان هناك "جوقة" محكمة في قاعة مجلس الوزراء. هجوم على سيارة المقاومة، وحديث عن أمن المواطنين، والأمن القومي للبلد، وإلى ما  هنالك من عبارات تُشبه كل شيء إلا الوطنية. وهنا سؤال يُسأل: أين موقع الاعتداءات "الإسرائيلية" من هذا الأمن الذي تتحدثون عنه يا معالي الوزراء؟ بالتأكيد، لا إجابات. 

هذه الازدواجية غير المفهومة في قاموس هؤلاء الوزراء تطرح سؤالًا جوهريًا حول مفهوم الأمن الذي يستحضرونه كلّما تعلّق الأمر بالمقاومة وسلاحها معروف الأهداف، ثم يغيب أو يتراجع حين يكون التهديد آتيًا من العدو . فإذا كان أمن المواطنين والأمن القومي أولوية لا تقبل المساومة، فلماذا لا يتصدّر الاعتداء "الإسرائيلي" جدول الأعمال بالقدر نفسه من الحماسة؟ ولماذا لا تتحوّل المخاطر التي تهدّد اللبنانيين، من القتل والتدمير والتهجير إلى الاعتداء على السيادة، إلى نقاشات تُفضي إلى قرارات وإجراءات واضحة؟ أيضًا، وبالتأكيد لا إجابات. 

واللافت لمن يتابع مسار جلسات مجلس الوزراء، من جداول أعمال ومقرّرات ونقاشات داخل الجلسات، حجم الانتقائية والتباين الواضح في مقاربة بعض الوزراء للملفات الوطنية. يأتي هؤلاء وعلى رأسهم وزراء "القوات" وفي جعبتهم ملفات جاهزة. المقاومة وسلاحها، بند جاهز سواء كان على جدول الأعمال أم لم يكن. أما الاعتداءات فهي ليست سببًا بنظرهم، يستوجب البحث في كيفية ردعها ووقفها، بل نتيجة تُستحضر لتبرير النقاش حول سلاح المقاومة، وكأنّ معالجة السلاح تسبق معالجة العدوان، لا العكس. وهو الأمر الذي قاله حرفيًا وزير الصناعة جو عيسى الخوري لموقع "العهد" حين أحرجه بالسؤال عما إذا ناقشوا الاعتداءات "الإسرائيلية" وتفجير المنازل في زوطر، فقال: "علينا أن نسأل عن سبب الاحتلال في زوطر". هذه الجملة التي عبّر عنها الوزير اختصرت العقلية التي يحضر فيها وزراء القوات ونظراؤهم من المحرّضين على المقاومة إلى الجلسة. يبرّرون للاحتلال أفعاله، ما يجعل السؤال مشروعًا: أي مواطنين يمثّل هؤلاء؟ ألا يجب أن يكونوا مرآة لوجع الناس في مواجهة الاحتلال؟ 

جلسة 22 تشرين الأول لم تكن سوى عيّنة عما سبقها من جلسات. يتحيّن فيها هذا النموذج من الوزراء الفرص للتصويب على المقاومة ورشقها بما ينضحون به من خبث وحقد، ويبرّرون للاحتلال عدوانه. فأيُّ عقلٍ يستطيع استيعاب هذه الصورة بكلّ تناقضاتها؟ بلدٌ يرزح تحت الاحتلال، ويتعرّض لعدوانٍ "إسرائيلي" متواصل، ودولة تعجز عن ردع المحتلّ أو وضع حدّ لاعتداءاته، فيما تواصل مقاومة راكمت تاريخًا طويلًا من المواجهة، بذل ما تستطيع لصدّ العدوّ والدفاع عن الأرض. وفجأة، تُمسك الدولة بسيارة تعود إلى هذه المقاومة، معروفة الوجهة والغاية، أي مواجهة العدوّ، فتقوم قيامة "السياديين" لتجريم المقاومة، ويُرفع شعار حصرية السلاح وتُستحضر كلّ مفردات الأمن والسيادة والقانون. لكن، في الجهة المقابلة من المشهد، شاحنات "إسرائيلية" تحمل الألغام والمتفجّرات، وتُستخدم في تدمير منازل اللبنانيين وتفجيرها، ولا تحظى بالاستنفار نفسه، ولا تستدعي الضجيج ذاته، وكأنّ ما تفعله بالبلاد لا يستحقّ حتى سؤالًا أو موقفًا. إنّهم حقًا وزراء يُشهِرون سيوفهم بوجه المقاومة، ويُغمدونها أمام الاحتلال!. 

الإعلام أيضًا مرتكب 

ولا تقتصر الانتقائية على الوزراء، بل تطال بعض مراسلي وسائل الإعلام أيضًا. أولئك الذين يتعاملون مع الملفات الحكومية وفقًا لموقفهم من المقاومة. في المشهد، مراسلة تندفع بشدّة نحو وزير العدل لتسأله عمّا سيفعله داخل الجلسة، وما الخطوات التي سيتّخذها إذا لم تُقَرّ الإحالة إلى المجلس العدلي. أسئلة تُطرح بإلحاح، ومتابعة لا تهدأ، وكأنّ القضية هي أمّ القضايا، فيما لم نسمع سؤالًا واحدًا يوجّه إلى المسؤولين عن اعتداءات الاحتلال وتدميره منازل اللبنانيين. وفي المقلب الآخر، تسأل مراسلة أخرى أحد وزراء "القوات": "ماذا سيحصل بعد عدم إقرار الإحالة؟ وما الذي ستفعلونه؟" وكأن مسار البلد وأمن المواطنين يتوقّف على هذا الأمر. 

والسؤال هنا ليس لماذا يسأل الإعلام عن سيارة المقاومة، بل لماذا لا يُلاحق الوزراء بالزخم نفسه حين يتعلّق الأمر بالاحتلال؟ لماذا لا تتوالى الأسئلة عن الإجراءات التي ستتّخذها الحكومة لوقف الاعتداءات، أو عن عجزها عن حماية المواطنين وممتلكاتهم؟ أليست هذه قضايا تستحقّ المساءلة، بل تتّصل مباشرة بأمن اللبنانيين وسيادة بلدهم؟ أليست هذه القضايا أولى بالنقاش والمتابعة؟ أليس وجع الناس هو ما يُفترض أن تحمله السلطة الرابعة وتنقله، وأن تضعه في صدارة أسئلتها ومساءلتها؟.

الكلمات المفتاحية
مشاركة