اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي الأحزاب الحريدية تتجاهل اتصالات نتنياهو 

خاص العهد

ازدواجية المعايير في تغطية الاحتجاجات.. لماذا تختلف الرواية بين إيران وفرنسا؟  
خاص العهد

ازدواجية المعايير في تغطية الاحتجاجات.. لماذا تختلف الرواية بين إيران وفرنسا؟  

82

كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق

في مشهد بات يتكرر، في كل بضعة أشهر، تعود العواصم الغربية إلى الوجه نفسه: شوارع تشتعل وغضب شعبي يتصاعد، وقوات أمن ترد بالغاز المسيل للدموع والاعتقالات الجماعية. لكن المفارقة الكبرى لا تكمن في اندلاع الاحتجاجات ذاتها، إنما في الطريقة التي تُقرأ بها، وفي المعجم السياسي والإعلامي الذي يُستخدم لوصفها. إذ ما يُسمى في طهران "انتفاضة سلمية" و"مطالب مشروعة للحرية"، يتحول في باريس إلى "عنف حضري" و"أعمال شغب" و"مجموعات متطرفة". لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل تختلف المعايير باختلاف المكان، أم أن حقوق الإنسان لم تعد في الخطاب الغربي إلّا أداة سياسية تُشهر ضد الخصوم وتُطوى أمام الحلفاء؟

فرنسا.. القمع بلغة "النظام العام"

شهدت فرنسا، في تشرين الأول/ أكتوبر 2026، موجة احتجاجات واسعة غير مسبوقة، اندلعت أساسًا ضد غلاء المعيشة وتدهور الخدمات العامة، قبل أن تمتد إليها مطالب طلابية ونقابية واجتماعية. الأرقام الرسمية نفسها تكفي لوصف حجم المشهد: أكثر من 400 ألف متظاهر في أنحاء البلاد، وفقًا لوزارة الداخلية، فيما تحدثت النقابات عن أضعاف هذا الرقم. وبينما خرجت التظاهرات في معظمها سلمية، تحولت نهاياتها في باريس ومرسيليا وليون وبوردو وغيرها إلى مواجهات عنيفة مع الشرطة، استخدمت فيها قوات الأمن الغاز المسيل للدموع ومدافع المياه لتفريق المحتجين. 

لقد كان الرد الحكومي قمعيًا بالمقاييس الأوروبية، إذ إن الأرقام الأكثر دلالة، ليست في أعداد المتظاهرين، بل في أعداد المعتقلين والمصابين. في نهاية أسبوع واحد، أوقفت السلطات الفرنسية  6877 شخصًا في الحجز الشرطي . بحلول منتصف تشرين الأول/ أكتوبر الحالي، تجاوز عدد المعتقلين 7950 شخصًا، 85% منهم دون سن الرشد. في يوم واحد فقط (17 تشرين الأول/ أكتوبر)، اعتُقل أكثر من 2300 شخص بعد اندلاع أعمال عنف. 

يوم أمس أعلن وزير الداخلية الفرنسي اعتقال نحو أكثر من  1000 شخص في المظاهرات، وإصابة نحو ألف من المدنيين وأفراد قوات الأمن، إضافة إلى حصول أضرار مادية تقدر بمئات الملايين من اليورو. الأهم من ذلك، أن بين الموقوفين نسبة كبيرة من القاصرين: ٨٥% من المحتجزين، منذ بدء الحركة الطلابية في أيلول/سبتمبر، كانت بحق (minors)، وفقًا لأرقام وزارة العدل. كما وثقت تقارير فقدان شاب، يبلغ السابعة عشرة، يده على إثر قنبلة صوتية، وفقدان فتاة في السادسة عشرة عينها، وأصيب شخص في وجهه بقنبلة مسيّلة للدموع.

على الرغم من هذه الوقائع، لم تتحول مظاهرات فرنسا إلى "قضية دولية" تُدان في مجلس حقوق الإنسان، ولم يُستدعَ سفراؤها في العواصم الغربية، ولم تُفرض عليها عقوبات. بل على العكس، تعاملت الحكومة الفرنسية مع الاحتجاجات وفقًا لمنطق أمني صرف: منع مسارات التظاهر في وسط المدن، ونقلها إلى الضواحي، ونشر أكثر من 70 ألف شرطي ودركي، وإغلاق محطات مترو، حتى فرض حظر تجول على القاصرين في مدن كبرى مثل ليون ومرسيليا ونيس. وعندما تحدث الرئيس إيمانويل ماكرون عن "أعمال عنف" و"مجموعات تسعى لإسقاط الجمهورية"، لم يجد في الخطاب الغربي من يصف الإجراءت الفرنسية بـ"القمع" أو "انتهاك حق التجمع".

حين يصبح الشغب "انتفاضة" في طهران... وعنفًا حضريًا في باريس

لا تحتاج ازدواجية المعايير إلى برهان نظري، بقدر ما تحتاج إلى مقارنة صغيرة دقيقة عارية من البلاغة. حدثان متقاربان زمنيًا، وموجة غضب شعبي في كل منهما، وردّ أمني في كل منهما، لكن قاموس التوصيف يتبدّل، وكأنّ الكلمات ليست واحدة، وكأن الحقوق ليست سواء. في أواخر كانون الأول/ديسمبر 2025 ومطلع 2026؛ شهدت إيران موجة احتجاجات بدأت من السوق الكبير في طهران وامتدت إلى أكثر من 20 مدينة، مدفوعة بسبب الانهيار الاقتصادي وارتفاع التضخم وانخفاض قيمة الريال. يومها؛ اعترف المرشد الأعلى السيد علي خامنئي بـ"المطالب المحقة" للمتظاهرين، لكنه دعا في الوقت ذاته إلى وضع حد لـ"مثيري الشغب"، في وقت أعلنت فيه السلطات عن مقتل عناصر من قوات الأمن وإحراق مراكز شرطة ومساجد.

لكن السرعة التي تحولت بها هذه الاحتجاجات إلى "قضية دولية" كانت لافتة، إذ إن مجموعة السبع أدانت "القمع الوحشي" في إيران، وتحدثت عن عدد القتلى والجرحى والاعتقالات، وطالبت طهران بـ"ضبط النفس"، ووصفت ما جرى بـ"الانتفاضة السلمية" التي تواجه "قمعًا لا يُحتمل". كما ذهب الرئيس الفرنسي نفسه إلى وصف الاحتجاجات في إيران بأنها "ثورة"، في حين اكتفى في بلاده بوصف المحتجين بـ"العصابات" و"المجموعات عالية الخطورة".

في تلك المقارنة؛ تتكشف المفارقة في أوضح صورها. في طهران، تُقرأ الاحتجاجات من زاوية "شرعية النظام" و"حق تقرير المصير"، وتُستدعى السفارات وتُعقد الاجتماعات الطارئة. في باريس ولندن وعدد من الدول الأوروبية، تُقرأ الاحتجاجات نفسها من زاوية "النظام العام" و"حماية الممتلكات"، ويُكتفى باستدعاء وزير الداخلية إلى البرلمان. كما قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إنّ "ازدواجية المعايير لا يمكن الدفاع عنها"، في إشارة إلى التناقض الصارخ بين موقف ماكرون من "حق التجمع" في إيران وموقفه من المحتجين في فرنسا.

كيف غطّى الإعلام الغربي تلك الاحتجاجات؟

التغطية الغربية لاحتجاجات إيران كانت مكثفة ومتعاطفة إلى حد كبير. وُصفت الاحتجاجات بأنها "أكبر تحدٍّ للنظام منذ سنوات"، و"انتفاضة من أجل الحرية"، و"مطالب مشروعة لشعب يريد التغيير". وقدّمت وسائل إعلام، مثل BBC وThe Guardian وSky News، تقارير موسعة عن القمع، بعضها استند إلى فيديوهات لم يُتحقق منها بشكل كامل.

كما أن بعض التقارير تحولت إلى قضايا كبرى، من دون أدلة قاطعة. في منتصف كانون الثاني/ يناير 2026، انتشرت عناوين تفيد بأن إيران تستعد لإعدام شاب يُدعى عرفان سلطاني. تبيّن لاحقًا أن القصة كانت ملفقة إلى حد كبير، وأن الشخص المذكور كان على قيد الحياة، لكن ذلك لم يمنع كبرى المؤسسات الإعلامية من نشر "الحكم" كأنه حقيقة مؤكدة. كما وثّقت تقارير موالية لطهران أن بعض "القتلى" الذين نُعوا في الإعلام الغربي ظهروا لاحقًا وهم أحياء، في نمط من "التقارير الملفقة" التي تضخم أعداد الضحايا.

السياق.. "سياقان لحدث واحد"

ثمة ازدواجية أعمق من المفردات، تتعلق بطريقة تقديم السياق، إذ عند تغطية إيران، "يُستدعى السياق السياسي الكامل: نظام ديني، انتخابات مثار جدل، عقوبات خانقة، اقتصاد متدهور، شعب يائس من الإصلاح". هذا السياق يفسر الاحتجاج ويسوغه، حتى يجعله نتيجة طبيعية لتراكم القمع. أما عند تغطية مظاهرات فرنسا وأوروبا وشغبها، فيُستدعى سياق مختلف: "مطالب مشروعة لكنها انحرفت إلى عنف، أقلية من المشاغبين، مندسون من أقصى اليمين أو اليسار، ضرورة حماية النظام العام"... هنا؛ لا يفسر السياق الاحتجاج، إنما يفسر قمعه. وكأن الغضب في طهران له أسباب موضوعية، أما الغضب في باريس فله أسباب أمنية.
هذه الازدواجية تمتد إلى التعامل مع المصادر. في إيران، تُقبل روايات المعارضة المنفية وقنواتها الفضائية كأنها حقائق، حتى عندما تكون مثيرة للجدل أو غير قابلة للتحقق. في فرنسا، تُقبل رواية الشرطة والوزارات الرسمية بصفتها مرجعًا أوليًا، ويُشكك في روايات الضحايا أو تُهمّش. ليس المطلوب هنا تكذيب كل رواية معارضة عن إيران، المطلوب هو  ملاحظة أن المعيار نفسه لا يُطبّق على الغرب. إذا كان التحقق من المصادر واجبًا في الأولى، فهو واجب في الثانية، وإذا كانت رواية الضحية مقدمة على رواية السلطة في طهران، فلماذا لا تكون كذلك في باريس؟

حقوق الإنسان.. أداة سياسية لا مبدأ كوني

لا يمكن فهم هذا التناقض من دون العودة إلى وظيفة "حقوق الإنسان"، في السياسة الخارجية الغربية. منذ عقود، لم تعد هذه الحقوق مبدأ كونيًا يُطبق على الجميع بالتساوي، لقد تحولت إلى أداة ضغط تُستخدم ضد الدول التي تقف في الموقع الخصم على خريطة التحالفات، وتُطوى حين يتعلق الأمر بدول تنتمي إلى المعسكر نفسه. إن إيران، بصفتها خصمًا استراتيجيًا للغرب، يتحول أي احتجاج داخلي فيها تلقائيًا إلى "فرصة" لإضعافها وتشويه شرعيتها. أما فرنسا، العضو الدائم في مجلس الأمن وحليف واشنطن في الناتو، فيبقى احتجاجها "شأنًا داخليًا"، وتُقرأ أعمال العنف فيها على أنها "اضطراب أمني" لا "ثورة".

لقد لاحظت هذا التناقض حتى الأصوات الخارجية المستقلة. صحيفة "ميل آند غارديان" الجنوب أفريقية كتبت أن: "ازدواجية المعايير الفرنسية تسلح طهران"، مشيرة إلى أن باريس التي أدانت احتجاز المراهقين في إيران، باتت تحتجز آلاف المراهقين الفرنسيين، وأن كل حافلة تقل خمسة عشر مراهقًا معتقلًا تمنح وزارة الخارجية الإيرانية "مادة جديدة مجانية". أضافت الصحيفة أن ثلاثة عناصر في الرد الفرنسي كانت ستثير بيانًا من مجموعة السبع لو حدثت في أي مكان آخر: احتجاز جماعي للأطفال وفرض حظر التجول على القاصرين واستخدام القنابل المسيلة للدموع ضد المتظاهرين السلميين.

الأمر نفسه ينطبق على الإعلام، إذ إن شبكات، مثل "بي بي سي فارسي" و"إيران إنترنشنال"، تتعامل مع الاحتجاجات في إيران بمنطق "الضحية والجلاد"، وتُبرز دور الدولة في العنف، في حين تتحول في فرنسا إلى التمييز بين "المحتج السلمي" و"المشاغب"، وتُركّز على "أعمال الشغب" التي تقوم بها "أقلية"، متجاهلة المطالب الاجتماعية الواسعة. هذا التمييز ليس بريئًا؛ فهو يخدم هدفًا واضحًا: نزع الشرعية عن الاحتجاجات في إيران، وتسويغ القمع في فرنسا.

تشريع القمع.. من الاستثناء إلى القاعدة

المفارقة الأكبر أن الإعلام الغربي لا يكتفي بتلطيف القمع في فرنسا، حتى إنه يسهم في تشريعه، إذ حين تُفرض الطوارئ، ويُحظر التجوال على القاصرين، ويُعتقل آلاف المراهقين في حجز الشرطة من دون محاكمة، وتُستخدم القنابل المسيلة للدموع في مدارس وأحياء شعبية، يُقدَّم ذلك كله تحت عنوان "استعادة النظام". حين تُصاب فتاة بفقدان عينها، أو يفقد شاب يده، يُوصف الأمر بأنه "تداعيات مواجهات"، لا انتهاكًا لحقوق الإنسان. أما في إيران، فكل إصابة تُحوَّل إلى قضية دولية، وكل اعتقال يصبح دليلًا على "جرائم ضد الإنسانية".

حقوق الإنسان، هنا، ليست امتيازًا يُمنح لدولة ويُسحب من أخرى، هو معيار واحد. إذا كان الحق في الاحتجاج السلمي عالميًا، فلا يجوز تعليقه عندما يتظاهر الطلاب في ليل أو مرسيليا، وإذا كانت «جرائم ضد الإنسانية» توصيفًا قانونيًا، فلا يجوز تجاهلها عندما ترتكبها دول «صديقة»، حتى لو كانت أصغر حجمًا. إن انتقائية التطبيق هي التي تمنح الخصوم أقوى حجة: أن يقولوا للغرب إن معاييركم ليست عالمية، بل انتقائية.

السياق الجيوسياسي.. من يكتب قواعد اللعبة؟

لا يمكن فصل هذا التناقض عن موازين القوى الدولية. إن الدول التي تُدين إيران هي نفسها التي تمتلك حق النقض في مجلس الأمن، وتسيطر على المؤسسات المالية الدولية، وتملك أكبر شبكات الإعلام العالمية. تاليًا، فإنّ "المعايير" ليست محايدة، هي تُصاغ بما يخدم مصالح هذه الدول. فرنسا، بصفتها جزءًا من المعسكر الغربي، لديها "حق السيادة" في إدارة احتجاجاتها الداخلية، في حين أن إيران، بصفتها خصمًا، تفقد هذا الحق، ويُفترض أن تفتح أبوابها للتدخل الدولي بمجرد أن يخرج مواطنوها إلى الشارع.

الأخطر من ذلك، أن هذا التناقض لا يقتصر على فرنسا. لقد امتدت موجة الاحتجاجات ضد غلاء المعيشة إلى إيطاليا وألبانيا ودول أوروبية أخرى، حيث واجهت الحكومات الأوروبية المتظاهرين بالقوة نفسها، من دون أن يتحول ذلك إلى "قضية حقوقية" في الإعلام الغربي. هكذا، يتبين أن المعيار ليس "الديمقراطية" ولا "حقوق الإنسان"، إنما هو الموقع في الصراع الدولي: من يكون في المعسكر الغربي تُقبل احتجاجاته وتُدار أمنيًا، ومن يكون خارجه تتحول احتجاجاته إلى سلاح ضد نظامه.

إزاء ذلك كله تتجاوز ازدواجية المعايير الخطأ الإعلامي، لتصبح أداة سياسية. إن الدولة الحليفة تملك حق السيادة، والدولة الخصم تفقد هذا الحق. والحليف تُقرأ احتجاجاته على أنها أزمة أمن عام، والخصم تُقرأ احتجاجاته على أنها ثورة مشروعة. هكذا يتحول الإعلام من مرآة للواقع إلى فاعل في تشكيله، ومن ناقل للخبر إلى مشارك في الحرب السياسية.

في النهاية، فإن ما حدث في فرنسا، في العام 2026، لم يكن فقط احتجاجات اجتماعية، لقد كان اختبارًا عمليًا لصدق الادعاءات الغربية بحقوق الإنسان. النتيجة أن هذا الادعاء انكشف: فالحقوق التي تُطالب بها طهران لمواطنيها تُصادر في باريس، والاحتجاجات التي تُوصف في إيران بـ"الانتفاضة" تُوصف في فرنسا بـ"الشغب"، والقمع الذي يُدان هناك يُسوّغ هنا. 

لم يعد السؤال هل تختلف المعايير باختلاف المكان، السؤال الأهم: متى تتوقف هذه المعايير عن كونها أداة، وتصبح مبدأ واحدًا يُطبق على الجميع، في طهران كما في باريس، وفي كل مكان؟.

الكلمات المفتاحية
مشاركة