خاص العهد
في عالم اليوم بات الذكاء الاصطناعي حاجة يومية تتداخل بتفاصيل الحياة كلها. لقد أصبح أحد أبرز محركات التحول الرقمي في العالم، حيث بات يستخدم في مجالات متعددة تشمل التعليم والصحة والصناعة والقطاع المالي والبحث العلمي. لكن، في ظل أزمة الطاقة العالمية التي سببتها الولايات المتحدة الأميركية بالانقلاب على الاتفاق مع إيران، ظهر تحدٍّ عالمي جديد وهو: كيف سيتخطى قطاع الذكاء الاصطناعي أزمة الطاقة؟
إن التطور المتسارع لهذه التكنولوجيا يرافقه تحدٍّ متزايد في ارتفاع الطلب على الطاقة الكهربائية اللازمة لتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي، وتدريب نماذجها وصيانة البنية التحتية التي تعتمد عليها. إن تشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي يعتمد على ثلاثة عناصر مترابطة: الكهرباء والبنية التحتية الرقمية وسلاسل توريد أشباه الموصلات ومعدات مراكز البيانات.
أولًا: يؤدي ارتفاع أسعار الغاز والنفط إلى زيادة تكاليف الكهرباء في الأسواق التي تعتمد على الوقود الأحفوري. قد يرفع ذلك تكلفة تشغيل الخوادم وتبريدها، خصوصًا في مراكز البيانات التي تشتري الكهرباء بأسعار متغيرة. لكن التأثير يختلف بحسب موقع المركز ومزيج الطاقة والعقود التي يعتمد عليها. تشير البيانات المتاحة إلى أن استهلاك مراكز البيانات عالميًا بلغ نحو 485 تيراواط- ساعة من الكهرباء في العام 2025، مع توقعات بارتفاعه إلى قرابة 950 تيراواط- ساعة بحلول العام 2030، فيما تتوقع الوكالة الدولية للطاقة أن يتضاعف استهلاك الكهرباء في مراكز البيانات المخصصة للذكاء الاصطناعي ثلاث مرات خلال المرحلة نفسها.
في حال حدوث صدمة طاقة حقيقية، مثل استمرار تعطل الملاحة عبر مضيق هرمز مدة طويلة، يصبح ترتيب الأولويات أمرًا لا مفر منه، إذ يعطي مُشغّلو شبكات الكهرباء الأولوية للطلب السكني والمستشفيات وخدمات الطوارئ. أما المستخدمون الصناعيون والتجاريون فهم أول من يواجهون انقطاعات في الطاقة. في حال استمرار الأزمة، عندما يصبح التيار الكهربائي شحيحًا، لن يعود السؤال عن مدى كفاءة أنظمة الذكاء الاصطناعي في العمل، سيصبح إذا كان بإمكانها البقاء متصلة بالإنترنت أصلًا.
ثانيًا: اضطراب إنتاج الرقائق الإلكترونية، وهي إحدى القنوات الأكثر أهمية. الهيليوم، والذي يُستخدم في عمليات تصنيع أشباه الموصلات والتبريد، يُنتج بكميات كبيرة في قطر، وقد أشار تقرير الوكالة الدولية للطاقة إلى اضطرابات في إمدادات الهيليوم نتيجة الأضرار التي طالت منشآت رأس لفان والقيود على النقل، ما يهدد أحد مدخلات تصنيع الرقائق المتقدمة.
ثالثًا: ارتفاع تكاليف سلاسل التوريد. يؤدي اضطراب الملاحة وارتفاع تكاليف التأمين والشحن إلى زيادة تكلفة نقل المعدات والمواد الصناعية. إذا استمرت الاضطرابات، فقد تتأخر بعض عمليات التوريد أو توسعة مراكز البيانات، حتى لو كانت الكهرباء متاحة.
يتركز الجزء الأكبر من البنية التحتية العالمية للذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة والصين وأوروبا، مع نمو سريع في الخليج وشرق آسيا. يعود هذا التركز إلى توافر الكهرباء ورأس المال وشبكات الاتصالات والرقائق المتقدمة والطلب التجاري، إذ إن التأثير العالمي لا يتحدد بموقع مراكز البيانات وحده، إنما أيضًا بمواقع إنتاج الطاقة والهيليوم والرقائق ومسارات نقلها.
لقد أوضحت أزمة مضيق هرمز كيف تندمج بنية الذكاء الاصطناعي التحتية في المشهد الاستراتيجي الأوسع، إذ لا تزال أنظمة الطاقة وخطوط الملاحة ومنشآت الهيدروكربونات محور التركيز الرئيسي للضغوط العسكرية والاقتصادية. نتيجة لذلك، فإن البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ليست مجالًا معزولًا، إنها جزء لا يتجزأ من منظومة أوسع من الأصول التي تصبح عرضة للخطر في أي تصعيد. وحتى في حال عدم استهدافها بشكل مباشر، فإنها تظل ضمن نطاق المخاطر ذاته.
قبيل الأزمة، اتجهت الشركات إلى إنشاء بنى تحتية في الخليج، وخاصة في دولة الإمارات العربية والسعودية نظرًا إلى كونهما من الدول المصدرة للطاقة. لكن بعد الحرب الأميركية على إيران سيتفادى المستثمرون المناطق المعرضة للصراع. وإن هدأت الحرب سريعًا، فمن غير المرجح أن ينسى المقرضون والشركات الدروس المستفادة من الأحداث الأخيرة. قد يتحول الاستثمار الذي كان يتدفق سابقًا إلى جنوب غرب آسيا (الشرق الأوسط) لإنشاء مجمعات طموحة للذكاء الاصطناعي إلى مناطق أكثر أمانًا. من غير المرجح أن ينهي هذا طموحات دول الخليج في مجال الذكاء الاصطناعي، ولكنه قد يؤدي إلى تباطؤ دائم وإعادة تقويم للمخاطر، إذ بدلًا من التوجه ببساطة إلى حيث تكون البنية التحتية للحوسبة والطاقة الخاصة بالذكاء الاصطناعي رخيصة، قد يبدأ الاستثمار بالتوجه إلى حيث يكون أكثر أمانًا، ويصعب اختراقه، ويسهل تأمينه.
لن يُحسم مستقبل الذكاء الاصطناعي بمن ينتج أفضل البرامج، إنما بمن يستطيع ضمان استمرار تدفق الإلكترونيات ونقل النحاس ووصول الجزيئات عبر البحار المتنازع عليها والشبكات الهشة. لقد بدأ النقاش العام يسلّط الضوء على البنية التحتية التي يقوم عليها الذكاء الاصطناعي. لم تكن الأزمة هي التي خلقت هذا الواقع، لقد كانت بمثابة اختبار قاس لقدرة النظام على الصمود.