نقاط على الحروف
دكتوراه في علوم الإعلام والاتصال
"من بيئة حاضنة إلى بيئة قلقة... هل غيرت الحرب مزاج جمهور حزب الله؟"، "من التأييد المطلق إلى النقد العلني.. عن النقمة الشيعية التي تُقلق حزب الله"، "جنوب غاضب واحتجاجات تتمدد.. هل خسر حزب الله رهان "الحاضنة الشعبية"؟، "العزلة السياسية وأهوال الحرب تُربك "حاضنة" حزب الله"، "هل يخسر حزب الله "الحاضنة الشعبية" في المواجهة الجديدة مع "إسرائيل"؟".
ما سبق وغيرها الكثير من العناوين باتت عنوانًا ثابتًا في أجندة الحرب على المقاومة. وما بين الحديث عن "انقلاب بيئة المقاومة على المقاومة"، و"انفضاض الحاضنة الشعبية"، و"تآكل التأييد"، تكرّست في جزء من الخطاب الإعلامي والسياسي مقولة مفادها أنّ الحرب أحدثت تحوّلًا جذريًا في علاقة البيئة بالمقاومة. لكنّ السؤال الذي يطرح نفسه بعيدًا عن العناوين "البراقة": هل صحيح ما يُكتب ويُقال ويُشاع عن هذه البيئة؟.
للإجابة عن هذا السؤال، لا بدّ من الاحتكام إلى العلم. نعم، في علوم الإعلام والاتصال، ثمّة مناهج وأدوات بحثية تتيح دراسة اتجاهات الرأي العام وقياسها، بعيدًا عن الانطباعات والتمنيات والأحكام المسبقة. فالمقالات التحليلية لا تُبنى فقط على وجهات النظر والعواطف والقراءات الشخصية، وإن كان هذا الجانب جزءًا من العمل الصحفي، بل تستند أيضًا إلى المعطيات والأرقام والدراسات الميدانية التي تساعد على اختبار الفرضيات والتحقّق من مدى صحتها.
وعليه، فإنّ الحديث عن انقلاب بيئة المقاومة على المقاومة، أو تراجع تأييدها لها، لا يمكن أن يستند إلى مواقف فردية يجري تعميمها على مجتمع بأكمله. مواقف يبحث عنها الإعلام المعادي بالسراج والفتيلة، ليجعل من الحبة قبة. فهل يكفي تصريح غاضب أو موقف مقتطع من سياقه للحكم على تبدّل القناعات؟ أليس من المحتمل أن يكون بعض هؤلاء تحت ضغط المقابلة الإعلامية وطريقة طرح الأسئلة، يعبّرون عن موقف لا يعكس بالضرورة قناعاتهم الراسخة؟ مع التأكيد أنّ نسبة هذه الحالات تكاد لا تُذكر، مقارنةً بالغالبية التي تُظهر الأرقام استمرار تأييدها للمقاومة وتمسّكها بدورها الدفاعي، لا بل إنها مع الوقت تزداد تمسكًا بها، بموازاة كشف المزيد من الحقائق عن سلطة باعت شعبها بثمن بخس. من هنا، تبرز أهمية العودة إلى الدراسات واستطلاعات الرأي، وقراءة نتائجها ومقارنتها، لا بحثًا عن أرقام تؤيّد موقفًا مسبقًا، بل لاختبار الرواية المتداولة في ضوء ما تقوله البيانات. فهل انقلبت بيئة المقاومة فعلًا على خيار المقاومة؟.
تحت عنوان "دراسة مواقف الشيعة ما بعد حرب 2026 في لبنان"، صدرت دراسة حديثًا في 16 تشرين الأول 2026 عن مركز البحوث الدولي للاستشارات والتدريب، تُفنّد الأرقام الواردة فيها الرواية المتداولة؛ إذ كشف تأييد ضرورة المقاومة المسلحة، بنسبة 95.7%، وتأييد بقاء سلاحها في حال عجز الدولة عن توفير الحماية، بنسبة 95.0% عن رسوخ مكانة المقاومة في التصوّر الدفاعي لدى المشاركين الشيعة.
ويعزز ذلك -وفق الدراسة المقسّمة على 5 محاور- الاعتراف بضرورة استمرار دور المقاومة رغم الخسائر، فالتقدير الإيجابي 93.3% يُعبّر عن حضور قوي لوظيفتها داخل قراءة تجربة الحرب وتكلفتها. ويضيف تأييد 88.6% لتنظيم العلاقة مع الجيش مؤسسيًا بعدًا مؤشرًا إلى هذا الموقف؛ فالمنشور يُعبّر عن قبول واسع بإدراج دور المقاومة في استراتيجية دفاعية وطنية، ويُظهر إمكان اجتماع التمسك بقدرتها المسلحة مع الرغبة في تنظيم التكامل الدفاعي مع الجيش.
أما إعلان 75.2% من المشاركين في الاستطلاع عن ازدياد تأييدهم للمقاومة مقارنةً بمواقفهم السابقة، فيعكس أثر تجربة الحرب في اتجاهات التأييد؛ إذ تشير النتائج إلى أنّ غالبية المشاركين باتوا أكثر تأييدًا لدورها العسكري، على عكس كل التلفيقات. وبذلك، يتكامل الإقرار بضرورتها الدفاعية مع استمرار دعمها وتناميه، وفق الإجابات المسجّلة في الدراسة.
وفي محور تحت عنوان "الردع والثقة والقدرة على التعافي"، يتخذ الموقف الإيجابي من المقاومة هنا مضمون الثقة بالفاعلية. فاقتناع 93.8% بمساهمتها في ردع اعتداءات أوسع، واستمرار ثقة 92.2% بدورها الأمني والدفاعي المقبل، يشيران إلى أن تقديرها يرتكز بوضوح إلى الحماية المتوقعة منها في الحاضر والمستقبل، ويمنح تأييدها أساسًا دفاعيًا واضحًا، بحسب ما تقول الدراسة.
وتتسع هذه الثقة لتشمل التحرير والتعافي، إذ يرى 91.6% أنها ما زالت قادرة على المساهمة في إعادة بناء قوتها، ويعتقد 89.9% بقدرتها على استعادة القدرات واستكمال المهمة الدفاعية في تصورات المشاركين، حتى بعد الخسائر. ومن هذا المنظور، تكتسب نسبة 87.5% الذين يرون خطرًا في نزع السلاح قبل زوال التهديد دلالتها: الاحتفاظ بالقدرة المسلحة يدخل في تصور الحماية نفسه. وتساعد قراءة المؤشرات معًا على فهم التمسك بالمقاومة باعتبارها قوة يُعتمد عليها في مواجهة الخطر واستعادة الأرض.
ووفق الدراسة، تلتقي المؤشرات الخمسة (ردع الاعتداءات، الثقة بالدور الأمني والدفاعي، المساهمة في تحرير الأراضي المحتلة، إعادة بناء القدرات، ومخاطر نزع سلاح المقاومة)، على ثقة مرتفعة باستمرار جدوى المقاومة وقدرتها على الردع والتحرير والتعافي، وتضع الحفاظ على قدرتها المسلحة ضمن مقومات الحماية التي تراها أغلبية المشاركين الشيعة ضرورية.
في المحور الثالث، المدرج تحت عنوان: "قدرات الدولة والجيش وضمانات الحماية"، توضح نسب عدم الموافقة السياق الذي تحتفظ فيه المقاومة بموقع إيجابي في التصور الدفاعي. فرفض 95.9% القول ببلوغ كفاية القدرة الحالية للدولة لمواجهة اعتداء واسع، ورفض 95.9% كفاية الدبلوماسية والمؤسسات الدولية وحدها، يكشفان أن الاستغناء عن دور المقاومة يثير لدى المشاركين سؤالًا أساسيًا عن الجهة القادرة فعليًا على توفير الحماية.
في المحصلة، ترى الدراسة أنّ المؤشرات الخمسة في هذا المحور (قدرة مؤسسات الدولة على مواجهة اعتداء أوسع، الدبلوماسية والمؤسسات الدولية وحدها، كفاية القرارات والضمانات الدولية، حماية الحدود بالقدرات الحالية، الثقة بالتزام "إسرائيل" بالاتفاقات)، تلتقي على فجوة عميقة في الثقة بكفاية بدائل الحماية الحالية، تساعد على فهم التمسك بالمقاومة لدى المشاركين الشيعة بوصفها ضرورة دفاعية في ظل استمرار الحاجة إلى قوة تحمي الأرض والسكان.
رابعًا، تناولت الدراسة محور "التهديد الإسرائيلي وأبعاده"، وأظهرت نتائجها إدراكًا واسعًا لحجم الخطر الذي يُنظر إلى المقاومة بوصفها تؤدي دورًا دفاعيًا في مواجهته. فقد اعتبر 98.3% من المشاركين "إسرائيل" عدوًا ومصدر تهديد، ورأى 97.2% أنّ المدنيين لا يزالون عرضة للخطر، فيما اعتبر 97.0% أنّ الاحتلال يشكّل تهديدًا للأمن الوطني. وتعكس هذه النسب ارتباط الشعور بالحاجة إلى الحماية بأمن السكان وسلامة الأرض، في ظلّ استمرار التهديدات والاعتداءات.
وتتعزز دلالة هذه النتائج مع اعتقاد 95.7% من المشاركين بأنّ الأهداف "الإسرائيلية" تتجاوز حماية الحدود، ورؤية 93.5% أنّ الخطر لا يرتبط بوجود المقاومة وحده. وتعكس هذه المؤشرات إدراكًا لدى غالبية المشاركين بأنّ التهديد "الإسرائيلي" أوسع من أن يُختزل في مسألة وجود المقاومة، وهو ما يساهم في تفسير استمرار تأييدهم لدورها الدفاعي.
وفي المحور الأخير "الخسائر والنزوح وازدياد التأييد"، تُظهر النتائج ازدياد التأييد للدور العسكري للمقاومة لدى غالبية المشاركين في الفئات الخمس المعروضة (أضرار كبيرة في المنزل أو الممتلكات، أضرار محدودة في المنزل أو الممتلكات، نزوح لفترة قصيرة، نزوح لفترة طويلة، لا يزالون نازحين وقت الإجابة).
وحسب تعبير القيمين على الدراسة، فإنه ومن منظور العلاقة بين الناس والقوى السياسية، تسمح هذه النتائج بفهم التأييد في صلته بالثقة بالحماية. فقد يجتمع ألم الخسارة والنزوح مع التمسك بالقوة التي يعتقد المشاركون أنها قادرة على مواجهة الخطر. وتعكس الإجابات زيادة معلنة في التأييد وسط هذه التجارب، مع حضور الحاجة إلى الأمان والاستقرار.
في الخلاصة الإجمالية، ثمّة "تأييد واسع ومستمر ومتزايد للمقاومة لدى المشاركين، بل أفاد 75.2% منهم بازدياد تأييدهم بعد الحرب. وهي معطيات تخالف القول بانحسار عام للتأييد أو تخلي البيئة عن المقاومة، وتُقارَن بأي دراسة مخالفة في ضوء أسئلتها وعينتها وتوقيتها. ويشمل ازدياد التأييد غالبية المتضررين والنازحين". وتكشف نتائج المحاور عن موقف إيجابي واسع من المقاومة لدى المشاركين الشيعة، يتكامل في تفسيره أربعة أبعاد: الاعتراف بضرورتها الدفاعية، الثقة بفاعليتها وإمكان تعافيها، التحفظ على كفاية بدائل الحماية الحالية، وإدراك استمرار التهديد "الإسرائيلي".
وتكتسب هذه الدراسة أهميتها في أنها تأتي بعد وقت طويل من التهجير والعدوان، واستمرار الاعتداءات "الإسرائيلية"، ما يعني أنّ البيئة الشيعية تزداد يومًا بعد يوم تمسكًا بالمقاومة ونهجها، فيما تلتقي هذه الدراسة في عدد من مؤشراتها مع نتائج دراسات سابقة تناولت المزاج الشعبي اللبناني تجاه العدو "الإسرائيلي" والخيارات الدفاعية، وإن اختلفت في موضوعاتها وأسئلتها وعيناتها. وهنا تكتسب المقارنة أهميتها؛ إذ إنّ اختبار فرضية انقلاب بيئة المقاومة على المقاومة لا يكون بالتركيز على مواقف فردية أو مؤشرات معزولة، بل بوضع النتائج في سياق أوسع يرصد المواقف من العدو "الإسرائيلي"، والثقة بالبدائل المطروحة، ومدى الاقتناع بجدوى الخيارات الدفاعية.
ففي آب/أغسطس 2025، أظهر استطلاع للمركز الاستشاري للدراسات والتوثيق أنّ 72% من المستطلعين لا يرون أنّ الجيش اللبناني وحده قادر على مواجهة اعتداء "إسرائيلي"، فيما اعتبر 76% أنّ الدبلوماسية وحدها لا تكفي لردع العدو. وتكتسب هاتان النسبتان دلالتهما عند مقارنتهما بنتائج الدراسة الحديثة، التي أظهرت أنّ 91.6% من المشاركين الشيعة لا يرون أنّ القدرات الحالية للجيش كافية لحماية الحدود، وأنّ 95.9% لا يوافقون على أنّ الدبلوماسية والمؤسسات الدولية وحدها كافية للحماية.
ورغم اختلاف الاستطلاعين في التوقيت وصياغة الأسئلة والعينة، فإنّ التقاطع بينهما يلفت إلى استمرار حضور سؤال أساسي في التصورات الدفاعية: هل تستطيع البدائل المطروحة، بمعزل عن المقاومة، توفير الحماية في ظل استمرار التهديد "الإسرائيلي"؟ وهو سؤال لا يمكن تجاهله عند تقييم المواقف من سلاح المقاومة ودورها.
وفي الاتجاه نفسه، أظهرت نتائج استطلاع أجرته "الدولية للمعلومات" عام 2025 أنّ 63% من المستطلعين لا يعتقدون أنّ "إسرائيل" ستنسحب من الأراضي المحتلة أو تتوقف عن انتهاك السيادة اللبنانية حتى لو جرى نزع سلاح حزب الله. ويكشف هذا المؤشر عن شكوك واسعة في إمكان أن يؤدي التخلي عن السلاح، بحدّ ذاته، إلى ضمان الانسحاب "الإسرائيلي" أو وقف الانتهاكات. ويتقاطع ذلك مع الدراسة الحديثة التي أظهرت أنّ 87.5% من المشاركين يرون خطرًا في نزع سلاح المقاومة قبل زوال التهديد.
ولا يعني هذا التقاطع أنّ الدراسات الثلاث تقيس الموقف نفسه أو أنّ نتائجها قابلة للمقارنة الحسابية المباشرة؛ فلكلّ دراسة أسئلتها وعينتها وتوقيتها، لكنّها تتيح قراءة أكثر اتساعًا للمشهد، عبر الجمع بين الموقف من البدائل الدفاعية، والشكوك في الالتزام "الإسرائيلي"، والتأييد المعلن للمقاومة ودورها.
وعليه، تكذّب الأرقام الرواية كما تكذّب المياه الغطاس، وفقًا للمثل الشعبي. الأرقام تبين ازدياد هذه البيئة تمسكًا بالمقاومة رغم استخدام الآلة الإعلامية الفتنوية أسلحة كثيرة للعب على وتر الفتنة والانقسام، كسلاح إعادة الإعمار ومأساة النزوح، إلا أنّ كل تلك المحاولات أعطت نتائج عكسية. ففي وجدان هذه البيئة، تبدو العلاقة بالمقاومة أعمق من أن تُفكَّك باستثمار المآسي، وأشدّ تعقيدًا من أن تُختصر برواية إعلامية؛ إذ إنّ الخروج من خيار المقاومة، في نظر المتمسّكين به، يشبه خروج الروح من الجسد.