إيران
اهتمت الصحف الإيرانية، اليوم الاثنين (02 تشرين الثاني/نوفمبر 2026)، بتحليل الأخبار والمعلومات التي تكثر عن المفاوضات والوساطة القطرية وغيرها لحل مشكلة الحرب، في تأكيد عدم وجود جدية لمثل هذه المفاوضات وكأنها، بحسب الصف الإيرانية، مسرحية أميركية لجذب الأصوات الانتخابية لا أكثر، كما اهتمت بمصادر قوة إيران الدائمة والمستمرة وتغير مفهوم الردع مع تغير معادلات المواجهة واشكال الحروب.
لماذا لا ينبغي أن نكون متفائلين بشأن المفاوضات؟
تحت هذا العنوان كتبت صحيفة وطن أمروز تقول: "كيف ينبغي فهم جهود الوسطاء لبدء جولة جديدة من المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة؟ من المؤكد أن رسالة جيه. دي. فانس نائب الرئيس ترامب إلى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني هي محاولة للتأثير في الرأي العام الأميركي عشية انتخابات التجديد النصفي للكونغرس. إذ تشير استطلاعات الرأي إلى احتمال كبير أن يتنازل الجمهوريون عن أغلبية مجلسي الشيوخ والنواب للديمقراطيين. لذا، فإن التقييم الأولي لرسالة فانس هو أنها محاولة للتأثير على هذه الانتخابات. كما يرى محسن رضائي أن نبرة رسالة فانس تختلف تمامًا عن نبرة رسالة ترامب إلى قائد الثورة. من جهة أخرى، ووفقًا لأمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، فقد أعلن البيت الأبيض، في النسخة الثالثة التي قدمها الأميركيون لاستئناف المفاوضات مع إيران، استعداده لتلبية الشروط الإيرانية السبعة. في المقابل، زعمت بعض وسائل الإعلام الإقليمية أن آفاق هذه المفاوضات إيجابية.
تتابع الصحيفة :"مع ذلك، وكما صرّح أمين المجلس الأعلى للأمن القومي لبلادنا، يبدو أن إيران تشكّك بشدة في طبيعة هذه المفاوضات ودوافع إدارة ترامب لاستئنافها. لقد اندلعت حربا الـ 12 يومًا والـ 40 يومًا في وقتٍ كان فيه معظم الخبراء يعتقدون بإمكان تقييم مسار المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة بهدف التوصل إلى اتفاق نهائي. لذا، يُظهر تاريخ سلوك إدارة ترامب ضرورة أن تتصرف الجمهورية الإسلامية الإيرانية بذكاء حيال الدوافع الخفية وراء اقتراحها الجديد لاستئناف المفاوضات. وقد أثبتت التجربة أن عنصر المفاجأة بالغ الأهمية في تصميم العمليات العسكرية الأميركية و"الإسرائيلية" ضد إيران. في المقابل، تُشير الأدلة الميدانية إلى أن النظامين الأميركي و"الإسرائيلي" على أتمّ الاستعداد لشنّ جولة جديدة من الهجمات العسكرية على إيران. وتُشابه التحركات العسكرية للجيش الأميركي والإمدادات اللوجستية الضخمة للمعدات العسكرية إلى المنطقة في الأيام الأخيرة تحركات البنتاغون قبل حرب رمضان. إلى جانب هذا التصريح، تُظهر الأدلة والحقائق السياسية المتعلقة بوضع ترامب ونتنياهو بوضوح أن كليهما يسعى إلى صراع عسكري جديد مع إيران. ووفقًا لاستطلاعات الرأي، من المرجح أن يخسر الجمهوريون انتخابات الكونغرس لمصلحة منافسيهم الديمقراطيين، ما سيحد من قدرة ترامب على مواصلة سياساته المعادية لإيران بعد تولي الكونغرس الجديد مهامه. لذلك، يتوقع الخبراء أن يهاجم ترامب إيران مجددًا بعد انتخابات الكونغرس. كما أن وضع نتنياهو حرج أيضًا. فقد فشل حزب "الليكود" في الحصول على الأغلبية اللازمة لتشكيل حكومة في انتخابات الأسبوع الماضي، بينما قد يتمكن خصوم نتنياهو من تشكيل حكومة جديدة إذا ما شكلوا ائتلافًا".
كما تبيّن الصحيفة أن آخر الأخبار الواردة من الأراضي المحتلة تُظهر، أيضًا، أن جهود نتنياهو لتشكيل ائتلاف مع أحزاب المعارضة قد باءت بالفشل حتى الآن. يتوقع الخبراء أن نتنياهو يسعى الآن إلى استئناف الحرب ضد إيران لخلق حرب وطوارئ في الأراضي المحتلة، ما يمهد الطريق أمام حكومته لمواصلة أنشطتها، وإذا أمكن، إجراء انتخابات جديدة. ولذلك، تشير جميع الأدلة الآن إلى أن كلاً من ترامب ونتنياهو يسعيان إلى تجدد الصراع العسكري ضد إيران. في ظل هذه الظروف، وبالنظر إلى تجارب الحربين الأخيرتين، من البديهي أن تستعد إيران لأي سيناريو محتمل. لذا، يرى الخبراء أنه على الرغم من وجوب التزام الجمهورية الإسلامية الإيرانية بالنزاهة في جولة المفاوضات الجديدة كما في السابق، إلا أنه ينبغي عليها أن تضع في حسابها احتمال شن هجوم جديد من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني. وبالمثل، أصدر قائد الثورة، في اجتماع عُقد مؤخرًا مع كبار القادة العسكريين، توجيهات مهمة وحاسمة بشأن تفاصيل دفاع فعال وذكي ومحدود جغرافيًا ضد أي هجوم عسكري محتمل من الأعداء على إيران. وعليه، في الوضع الراهن، يُعدّ من متطلبات اليقظة واتخاذ تدابير ذكية أن تشكّ إيران في المقترح الأميركي الجديد لاستئناف المفاوضات، وأن تكون في أقصى التأهب لردّ فعل دفاعي ذكي وفعال ومحدود جغرافيًا".
"قوة الشبكة" استراتيجية إيران لتحقيق الاستقرار في موقعها الإقليمي
من جهتها كتبت صحيفة إيران تقول: "يتطلب تقييم مكانة إيران في النظام الإقليمي الانتباه إلى التغيرات العميقة التي طرأت على هذا النظام، وتوجهه نحو التعقيد والفوضى؛ وهي تطورات جعلت من الصعب التنبؤ بسلوكيات وردود أفعال الفاعلين الإقليميين، لا سيما بعد الحربين الأخيرتين وحرب الأيام الاثني عشر. يستند تصور "إسرائيل" والولايات المتحدة لسلوك السياسة الخارجية الإيرانية إلى نموذج خطي؛ أي أنهما تفترضان أنه في حال اتخاذ إجراء ضد إيران، فسيكون رد طهران متوقعًا إلى حد كبير، وسيتخذ في الغالب شكل هجمات صاروخية. فعندما يُعدّ سلوك دولة ما متوقعًا، يستطيع الطرف الآخر تعديل حساباته بشأن أي إجراء ضدها بتقييم مستوى ردها وقدراتها".
لكن تستدرك الصحيفة لتقول: "إلا أن تطورات حرب الأيام الأربعين أظهرت أنه بعد حرب الأيام الاثني عشر، أدركت إيران أنها في نظام إقليمي معقد وفوضوي، فاتجهت نحو صياغة أفعال وردود أفعال تجعل من الصعب على الجهات المنافسة والمعادية التنبؤ بسلوك طهران. في مثل هذا النظام، لا يتبع سلوك الفاعلين أنماطًا خطية أو قابلة للتنبؤ، بل يصبح عدم القدرة على التنبؤ إحدى سماته الرئيسة. يتطلب فهم هذا التطور النظر إلى النظام الإقليمي كشبكة من الروابط الاستراتيجية ونقاط الاتصال. في هذا الإطار، تستطيع إيران تعزيز موقعها في المعادلات الإقليمية بتحديد العقد الحساسة في هذه الشبكة وإنشاء روابط فعّالة معها. الهدف من هذه الروابط هو الاستفادة من المواقع الاستراتيجية وإنشاء نقاط اتصال في الشبكة الإقليمية؛ ويُعد مضيق هرمز أحد أهم هذه النقاط".
كما ترى الصحيفة أنه أهم تطورات حرب الأربعين يومًا هو:" دور إيران في هذا الإطار الشبكي؛ إذ أتاح التركيز على عقدة استراتيجية، ألا وهي مضيق هرمز، إمكانية التأثير على مسار الحرب والمعادلات الإقليمية. تمتلك نقطة الاتصال هذه، نظرًا لموقعها في شبكة التفاعلات الإقليمية، القدرة على التأثير في التدفقات التجارية والاقتصادية والأمنية والسياسية؛ وهي قدرة قد تتجاوز آثارها المستوى الإقليمي لتؤثر في المعادلات العالمية. على الرغم من الحربين اللتين خاضتهما إيران وما تكبدته من أضرار خلالهما، فقد شهد فهمنا لطبيعة النظام الإقليمي تحولاً جذرياً، كما باتت الحاجة إلى مراجعة كيفية استغلال القدرات الوطنية أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فمجرد امتلاك القوة الإقليمية، حتى بالنسبة لدولة كإيران، لا يكفي؛ بل لا بد من إنشاء روابط ونقاط اتصال فعّالة في الشبكة الإقليمية؛ حيث يؤثر أي خلاف أو أزمة أو نزاع على أداء مختلف أجزاء هذه الشبكة ويزيد من تكلفة أي اضطراب. بناءً على ذلك، فإنّ الرأي القائل بأنّ أهمية مضيق هرمز مؤقتة أو أنّه يُمكن اعتباره أداةً للضغط في وقتٍ مُحدّد غير مقبول، بالنظر إلى المبادئ المطروحة. فموقع مضيق هرمز كإحدى نقاط الربط الاستراتيجية في الشبكة الإقليمية ليس بالأمر الذي يُمكن تجاهله بسهولة. وحتى لو سعت جهات فاعلة أخرى إلى إنشاء طرق بديلة، فإنّ تحقيق هذه الخيارات يتطلّب وقتًا وتكلفةً كبيرين، ولا يوجد ما يضمن أمن هذه الطرق وموثوقيتها في حالات الأزمات والحروب. فعلى سبيل المثال، يتطلّب إنشاء خط أنابيب نفقات باهظة، ومع ذلك، لا يُمكن ضمان عدم استهداف هذه البنية التحتية في حروب مُستقبلية".
تضيف الصحيفة: "إضافةً إلى ذلك، فقد اتجهت طبيعة الحروب نحو أنماط شبكية؛ وهي ظروف تتفاعل فيها جهات فاعلة على مُستويات مُختلفة أو تتواجه، ولا يُمكن تقييم العلاقات بينها على أساس التحالفات والتحالفات القائمة فقط. فعلى سبيل المثال، لا يُمكن فهم التحالف الحالي بين قطر والسعودية على أنّه تداخل دائم لمصالحهما، لأنّ تغييرًا في السعودية قد يتشكّل تحت تأثير تحرّك قطر. في مثل هذه الظروف، لا يكفي الاعتماد على إنشاء طرق بديلة فقط لمعالجة تعقيدات النظام الشبكي، لأن أمن وأداء مختلف مكونات هذه الشبكة يعتمدان على بعضهما البعض. لذا، فإن تجاهل إيران ونقاط اتصالها الاستراتيجية لا يُقدّم تقييمًا دقيقًا لواقع النظام الإقليمي. بالطبع، لا يعني تأكيد أهمية مضيق هرمز أن تقتصر استراتيجية إيران عليه فقط، إذ تمتلك إيران أيضًا طرق عبور أخرى متنوعة يمكنها تفعيلها لتوسيع نطاق روابطها في الشبكة الإقليمية. يمكن أن يكون تعزيز العلاقات التجارية والاقتصادية والسياسية مع الجهات الفاعلة الإقليمية والعابرة للأقاليم، إلى جانب تطوير وتفعيل قدرات العبور وتعزيز مستويات الردع المختلفة، جزءًا من استراتيجية شاملة لترسيخ وتعزيز مكانة إيران في النظام الإقليمي والدولي".
أقصى درجات الردع: الشكل الحضاري للانتقام
أما صحيفة رسالت فقد كتبت: "كان اغتيال السيد علي الخامنئي (رض) أبعد من مجرد قضية أفراد، فقد تجاوز التيارات السياسية والحكومات وأنظمة الحكم، بل وحتى حدود أي نظام سياسي. ما تجلى في هذه الجريمة هو مواجهة حضارة بشخصية بارزة من حضارة أخرى. أعتقد أن الحضارة الغربية هي التي قررت التخلص من أحد أبرز الشخصيات الإسلامية وأكثرها عقلانية وجدية وتألقًا وشعبية في العالم المعاصر. لا يمكن فهم هذا القرار في سياق حسابات تل أبيب الأمنية أو تقييمات واشنطن العسكرية فحسب. لم تكن المسألة مجرد قوة عدوانية شمولية عسكرية في المنطقة تُدعى إسرائيل، ولا مجرد قوة مهيمنة متراجعة في العالم تُدعى أميركا. ما نواجهه هو منطق حضاري؛ منطق لا يتسامح مع ظهور قوة سياسية نابعة من الإيمان الديني، أو مع تشكيل نموذج حكم قائم على رؤية توحيدية للعالم. يجب فهم اغتيال القائد الشهيد في هذا السياق: في سياق المواجهة بين حضارة تعتبر نفسها النموذج الوحيد الصحيح للحياة البشرية، ونظام تحدى صحة هذا النموذج واحتكاره".
تتابع الصحيفة :" من هذا المنظور، لا يعني تحوّل إيران الإسلامية إلى قوة عالمية مجرد زيادة قوتها العسكرية، أو تحسين وضعها الاقتصادي، أو توسيع نفوذها السياسي. يحمل هذا التطور دلالات أعمق بكثير: فهو إعادة رفع راية الدين في عالم سعى لقرون إلى حصر الدين في خصوصية الأفراد؛ وبرهان على إمكانية بناء نظام قوي وفعال بالاعتماد على الإيمان والاستقلال السياسي والعقلانية الاستراتيجية والإرادة الوطنية؛ وتأكيد على أن التاريخ البشري لا ينتهي بالضرورة بالطريقة التي رسمها الغرب له. يكسر هذا الحدث احتكار حضارة رأت نفسها، بعد عصر النهضة والتنوير، صاحبة التفسير النهائي للإنسان والمجتمع والتطور والمستقبل".
هذا تضيف الصيحة مبيّنة أن:" ذلك ما لا يُطاق بالنسبة إلى الحضارة الغربية: ليس مجرد وجود دولة معارضة، بل ظهور أفق منافس. من هنا، نصل إلى المعنى الحقيقي للثأر لدماء قائد إيران الشهيد. مع أن الثأر لهذه الدماء لن يكتمل دون معاقبة مرتكبي هذه الجريمة ومحرضيها، إلا أنه لا يقتصر على معاقبة المعتدين، وفرض ثمن باهظ على الأعداء، بل ولا حتى إرسال ترامب ونتنياهو إلى الجحيم. قد تكون هذه الإجراءات جزءًا من الاستجابة الضرورية لجريمة تاريخية، لكنها ليست جوهرها. يجب تعريف الانتقام على نطاق هذه الجريمة على نفس النطاق الذي اتخذ فيه العدو هذا الإجراء لمنع وقوعها. فإذا كانت مشكلة العدو هي منع إيران من أن تصبح قوة حضارية، فإن الرد هو تحويل إيران إلى تلك القوة. وإذا أراد العدو إيقاف مسيرة أمة ونظام بالقضاء على قائد، فإن الرد التاريخي هو أن تواصل تلك الأمة والنظام مسيرتهما أقوى من ذي قبل. وإذا كان هدف العدو هو إخماد راية التوحيد، فإن الانتقام الحقيقي هو أن ترفرف هذه الراية على نطاق أوسع وفوق قمم أعلى. يحوّل هذا المنظور الانتقام من رد فعل عاطفي ومؤقت إلى استراتيجية تاريخية. قد يُولّد معاقبة مرتكبي الجريمة حماسًا ورضا طبيعيين ومشروعين، لكن حتى أقوى ضربة للعدو لا تُحقق جميع أبعاد النصر الاستراتيجي ما لم تُفضِ إلى تغيير في موازين القوى وتوطيد أمن الدولة وسلطتها.
في المقابل، كما ترى الصحيفة، فإن الدولة التي تستطيع بناء قدرات جديدة انطلاقًا من التهديدات، وتحقيق الاستقلال الاقتصادي والتكنولوجي من العقوبات، وتعزيز قدرتها على الردع من الحرب، وتوليد تماسك وإرادة أقوى من خلال إزاحة قائدها، إنما تُقدم على رد فعل يدوم أثره لما بعد حياة الحكومة أو الرئيس. هذا الرد لا يُعاقب العدو على الجريمة التي ارتكبها فحسب، بل على فشله في تحقيق هدفه النهائي. في هذا السياق، تكتسب الكلمة المفتاحية التي برزت في كلمات قائد الثورة، آية الله السيد مجتبى الخامنئي، في اجتماع مع كبار القادة العسكريين في البلاد، أهمية بالغة: "الردع الأقصى". لا ينبغي اختزال هذا المصطلح إلى مجرد مصطلح عسكري أو توصية أمنية تقليدية. فالردع الأقصى، في ظل الظروف التاريخية الراهنة لإيران، هو ضرورة وجودية واستراتيجية حضارية. ويعني ذلك أن على الدولة أن تبلغ من القوة ما يجعل العدو، قبل اتخاذ أي قرار بالهجوم، يواجه سلسلة من التكاليف المحددة وغير المتوقعة والباهظة؛ بحيث تُقضى فعلياً على إمكانية شن حرب منخفضة التكلفة، أو عملية محدودة، أو عدوان دون عواقب. فالدولة التي يستطيع العدو مهاجمتها ثم تحديد توقيت وشكل وشدة وتكلفة رده، لم تحقق بعدُ الردع المنشود".
كما تتابع الصحيفة :"الردع الأقصى يعني أن العدو لا يستطيع التعامل مع أمن إيران كما لو كان مسألة قابلة للتفاوض والإدارة في مراكز أبحاثه. أي أنه لا ينبغي لأي قوة أن تتصور أنها قادرة على كسر الإرادة الوطنية الإيرانية بعملية عسكرية، أو بضع اغتيالات، أو ضغوط اقتصادية، أو حرب نفسية، أو إثارة فوضى داخلية، ثم الجلوس إلى طاولة المفاوضات وانتزاع تنازلات. يصبح الردع ذا جدوى عندما تتجاوز تكلفة مهاجمة إيران حسابات فوائدها المحتملة؛ عندما يدرك العدو أن بداية الحرب لن تنتهي بالضرورة عند النقطة التي خطط لها مسبقًا؛ عندما لا يملك سيناريو موثوقًا لتحقيق نصر سريع ومحدود ومنخفض التكلفة. إن هذا الوضع ليس نتاجًا للشعارات، بل هو نتيجة تراكم القوة وإثبات الإرادة في استخدام القدرات الدفاعية للبلاد في إطار المصالح والأمن القومي. إن فهم هذا المفهوم يستلزم عدم اختزال الردع إلى القوة العسكرية فحسب. فالقوة العسكرية، لا سيما في ظل البيئة الأمنية المتقلبة في المنطقة، تُعدّ ركيزة أساسية للردع، لكنها غير كافية وحدها. فالدولة التي تمتلك قدرات صاروخية ودفاعية، لكن اقتصادها يبقى هشًا أمام الضغوط الخارجية، وتقنياتها الاستراتيجية تعتمد على عوامل خارجية، وشبكة إنتاجها وإمدادها غير قادرة على الصمود أمام الأزمات، ومجتمعها سهل التأثر بالحرب النفسية، لم تقترب بعد من تحقيق الردع الأمثل. يجب أن يتجاوز الردع الحدود العسكرية ويتغلغل في جميع جوانب الحياة الوطنية. وتعتمد هذه الاستراتيجية على سلطة القوات المسلحة بقدر اعتمادها على اقتصاد منتج، وجامعة قوية، وصناعة متقدمة، وحوكمة فعّالة، وتماسك اجتماعي، ورأس مال بشري، واستقلال تكنولوجي، وثقة عامة".
من جهة أخرى، ترى الصحيفة أنه يتعين على إيران، لتحقيق مكانة القوة العالمية، توسيع مفهومها للقوة. القوة العالمية ليست مجرد دولة قادرة على الدفاع عن حدودها أو إلحاق خسائر بالعدو في حرب إقليمية، بل هي دولة تساهم في تشكيل المستقبل، وتنتج التكنولوجيا، وتتمتع باقتصاد قوي، وتتبوأ مكانة في سلاسل التوريد العالمية، وتلعب دورًا في معادلات الطاقة والتجارة، وتصبح مرجعًا في العلوم والجامعات، وقادرة على المشاركة في صياغة القضايا العالمية".