اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي "ذا أتلانتيك": خسارة الجمهوريين في الانتخابات النصفية لا تبدّد شبح الحرب على إيران

مقالات

دور
🎧 إستمع للمقال
مقالات

دور "عرب 48" في الانتخابات "الإسرائيلية".. من تغيير موازين القوى إلى المأزق السياسي

226

  شكّلت مشاركة "عرب 48" في الانتخابات "الإسرائيلية" الأخيرة أحد أبرز العوامل التي أعادت رسم الخريطة الحزبية لـ"الكنيست"، وأسهمت في تعميق المأزق السياسي الذي أفرزته نتائجها. ولم تكن أهمية هذه المشاركة في حجمها غير المسبوق فحسب، بل في أنها جاءت خلافًا لتوقعات معظم الأطراف، بما فيها استطلاعات الرأي، وأنتجت نتائج تتجاوز توزيع المقاعد إلى التأثير في إمكان تشكيل الحكومة المقبلة وطبيعة الصراع على السلطة. ومن هنا، فإن التركيز على دور "عرب 48" يشكّل أحد المداخل الأساسية لفهم ما جرى، وما يمكن أن يترتب عليه في المرحلة المقبلة.

بلغت نسبة التصويت في البلدات العربية والدرزية نحو 77%، مقارنة بـ53.2% في انتخابات عام 2022، أي بزيادة تقارب 24 نقطة مئوية. وقد أسهم هذا الارتفاع في حصول القائمتين العربيتين على 19 مقعدًا من أصل 120، ما أبقى للأحزاب اليهودية 101 مقعد. ولم يكن هذا التحول مجرد زيادة في التمثيل العربي، بل أصبح عاملًا مؤثرًا في موازين القوى بين المعسكرين المتنافسين على الحكم.

فقد انتهى التنافس الحاد بين المعسكرين اليهوديين إلى تقارب نسبي في عدد المقاعد، إذ حصل المعسكر المناهض لنتنياهو، بقيادة غادي آيزنكوت، على 48 مقعدًا، مقابل 53 مقعدًا لمعسكر نتنياهو. وبذلك لم يتمكن أي منهما من بلوغ عتبة المقاعد الـ61 اللازمة لتشكيل حكومة تحظى بالأغلبية المطلقة في "الكنيست".

وتكشف هذه الأرقام عن جانب أساسي من المأزق. ففي ظل حصر المنافسة بالمقاعد الـ101 التي حصلت عليها الأحزاب اليهودية، كان بلوغ أحد المعسكرين 61 مقعدًا يقتضي تراجع الآخر إلى 40 مقعدًا أو أقل. وهو ما جعل حسم المنافسة داخل هذا الإطار بالغ الصعوبة، بالنظر إلى حدة الانقسام السياسي والمجتمعي بين المعسكرين. وهكذا، تحوّلت الكتلة العربية، بحجمها الجديد، إلى عامل لا يمكن تجاهله في حسابات تشكيل الحكومة، حتى وإن كانت القوى اليهودية الرئيسية ترفض منحها دورًا حاسمًا في تقرير هوية السلطة.

ولم يقتصر أثر ارتفاع التصويت العربي على تعزيز تمثيله البرلماني. فقد أسهم أيضًا في رفع مستوى المنافسة على المقاعد وإضعاف فرص عدد من الأحزاب اليمينية الصغيرة في تجاوز نسبة الحسم، وهو ما انعكس سلبًا على قدرة معسكر نتنياهو على الاحتفاظ بأغلبيته السابقة. وبهذا المعنى، لم يأتِ تراجع المعسكر الحاكم نتيجة انتقال الأصوات من اليمين إلى خصومه اليهود فقط، بل تأثر كذلك باتساع المشاركة العربية وتغيّر الوزن النسبي للكتل الانتخابية.

لكن المفارقة الأهم أن هذه النتائج، بدلًا من أن تفضي إلى انتقال واضح للسلطة، أنتجت حالة من الانسداد السياسي. فنتنياهو خسر الأغلبية التي أتاحت له التحكم بالكنيست والحكومة، فيما لم يحصل المعسكر المناهض له على أغلبية يهودية مستقلة تمكّنه من تشكيل حكومة بديلة، وأصبح أي مسعى لتشكيل حكومة أقلية بقيادة آيزنكوت مرتبطًا، بصورة أو بأخرى، بالحصول على دعم عربي من خارج الائتلاف، وهو خيار يصطدم بالتعهدات السياسية التي قطعتها قوى أساسية في معسكره.

وتزداد هذه المعضلة تعقيدًا بسبب التناقض بين الحاجة البرلمانية إلى الأصوات العربية والموقف السياسي من مشاركتها في الحكم. فقد جعلت الأحزاب المناهضة لنتنياهو من رفض الاعتماد على الأحزاب العربية أحد محددات تحالفاتها، قبل أن تجد نفسها أمام نتائج يصعب تجاوزها من دون إعادة النظر في هذه التعهدات. وهذا ما يفسّر اللجوء إلى تعبيرات من قبيل «الأغلبية الصهيونية» و«الأغلبية اليهودية»، في محاولة للفصل بين الأغلبية العددية داخل "الكنيست" والأغلبية المقبولة سياسيًا لتشكيل الحكومة.
ومع ذلك، فإن عجز المعارضة عن تشكيل حكومة لا يعني استمرار قدرة نتنياهو على إدارة "الكنيست" كما في السابق. فالمعسكر المناهض له، بمشاركة النواب العرب، يمتلك 67 مقعدًا، وهي أغلبية تتيح له، إذا حافظ على وحدته، التأثير في رئاسة "الكنيست" وتشكيل لجانه والتشريعات المطروحة عليه. كما يمكنه تعطيل مشاريع الحكومة أو تعديل قوانين وإلغاء أخرى، وفق الإجراءات والأغلبيات المطلوبة. وبذلك قد يجد نتنياهو نفسه على رأس حكومة انتقالية تواصل ممارسة صلاحياتها، لكنها تواجه أغلبية برلمانية قادرة على تقييد حركتها السياسية والتشريعية.
وتضع هذه المعادلة "إسرائيل" أمام أزمة تتجاوز مسألة تكليف هذا المرشح أو ذاك بتشكيل الحكومة. فحكومة وحدة وطنية تتطلب التراجع عن تعهدات انتخابية، وحكومة أقلية مدعومة عربيًا تصطدم باعتراضات داخل المعسكر المناهض لنتنياهو، فيما قد تقود إعادة الانتخابات إلى إطالة أمد الأزمة من دون ضمان تجاوز أسبابها، كما يبقى احتمال تفكيك أحد المعسكرين واستمالة أحزاب أو نواب منه قائمًا في ضوء التجارب السابقة للتحالفات "الإسرائيلية".

وفي ظل هذا الانسداد، تبرز مخاطر استمرار نتنياهو في رئاسة حكومة انتقالية، وما قد يتيحه له ذلك من توظيف التطورات الأمنية والعسكرية في الصراع الداخلي على السلطة. ولا يعني هذا أن التصعيد العسكري بات حتميًا، لكنه يفرض عدم الفصل بين حسابات المواجهة الإقليمية ومصالح نتنياهو السياسية، خصوصًا إذا طال أمد المفاوضات الحكومية وتعذّر التوصل إلى تسوية داخلية.

غير أن الأهمية الأعمق لنتائج الانتخابات تكمن في التناقض الذي كشفته بشأن موقع "عرب 48" في النظام السياسي "الإسرائيلي". فالمعسكران اليهوديان، على اختلاف مواقفهما من نتنياهو ومن الأحزاب الدينية والحريدية، يلتقيان عند حدود أساسية تتصل بالحفاظ على الطابع اليهودي لـ"الدولة". وإذا كان المعسكر المناهض لنتنياهو يسعى إلى الاستفادة من الوزن البرلماني العربي لمواجهة خصمه، فإن قواه الرئيسية لا تبدي استعدادًا مماثلًا للاعتراف بالعرب قوة سياسية مقررة في تشكيل السلطة وتحديد خياراتها.

وهنا تتجلى المفارقة المركزية التي أفرزتها الانتخابات: لقد أصبحت المشاركة العربية قادرة على التأثير في موازين القوى، وربما منع أحد المعسكرين من الحكم، من دون أن يقترن ذلك بقبول سياسي يتيح لها المشاركة الفعلية في تقرير هوية الحكومة. فالأصوات العربية تُحتسب عند تحديد موازين القوى داخل "الكنيست"، لكنها تصبح موضع اعتراض عندما تتحوّل إلى شرط لتشكيل أغلبية حاكمة.

وعليه، فإن ما كشفته الانتخابات لا يقتصر على أزمة تشكيل حكومة، بل يمتد إلى حدود النظام السياسي "الإسرائيلي" نفسه في التعامل مع المواطنين العرب. فقد نجحت المشاركة العربية الواسعة في فرض حضور برلماني يصعب تجاوزه، لكنها كشفت في الوقت نفسه الفجوة بين الوزن الانتخابي والاعتراف بالشراكة السياسية.

ومن هذه الزاوية، قد تكون النتيجة الأبعد أثرًا للانتخابات أنها جعلت التناقض بين المساواة العددية في صناديق الاقتراع والقيود السياسية المفروضة على دور العرب أكثر وضوحًا. وهو تناقض لا تستطيع التسويات الحكومية وحدها حسمه، لأن جوهره يتصل بموقع المواطنين العرب في "دولة" تعرّف نفسها بأنها يهودية وديمقراطية. لكنها في الواقع يهودية في مقابل العرب وديمقراطية بين اليهود.

الكلمات المفتاحية
مشاركة