مقالات
عميد وخبير عسكري واستراتيجي
يتصاعد القلق في المشهد الدولي المعاصر مع تزايد مؤشرات التوتر بين القوى العظمى واقتراب خطوط التماس السياسية والعسكرية من نقاط حرجة، ما يعيد إلى الواجهة هاجس المواجهة النووية بوصفه خطرًا وجوديًا يهدد مصير الاستقرار العالمي.
فعجز المنظومة الدولية عن كبح جماح سباق التسلح الحديث، وتآكل الاتفاقيات التاريخية الناظمة للحد من انتشار الأسلحة الاستراتيجية، يضاعفان من احتمالات الانزلاق نحو نزاع مدمر قد ينجم عن مجرد خطأ في التقدير أو سوء تفسير للنوايا في لحظات حرجة. هذا الاحتمال القائم لا يقتصر تأثيره على جغرافيا الدول الكبرى المتنازعة، بل ينعكس بشكل مباشر على استقرار الأقاليم الحيوية الأخرى التي تشهد أصلًا توترات مزمنة، وتتحول تدريجيًا إلى ساحات لتصريف الضغوط المتبادلة بين المحاور الدولية.
وفي قلب هذه الخريطة الإقليمية المأزومة، يبرز الملف الإيراني كأحد أعقد الملفات الاستراتيجية المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بمسألة الانتشار النووي وأمن الطاقة العالمي، إذ يدور حوله نزاع حاد بشأن مستويات تخصيب اليورانيوم ومصير المنشآت الحيوية والأنفاق المحصنة، وسط مسارات مترجحة بين الضغوط العسكرية والاقتصادية الضخمة وجهود الدبلوماسية المتعثرة للوصول إلى تسوية تمنع الانفجار الشامل. وتتداخل تفاصيل هذا الملف مع شبكة واسعة من الأزمات الإقليمية في "الشرق الأوسط"، التي باتت تشكل مسرحًا لتداعيات المواجهة المفتوحة بين طهران وعواصم غربية وإقليمية، امتدت تأثيراتها لتشمل أمن الملاحة في الخليج ومضيق هرمز وطرق التجارة الدولية.
ومن أشد ساحات التداخل تأثرًا بهذه التقاطعات الجيوسياسية تبرز منطقة "الشرق الأوسط" كواحدة من أكثر الساحات عرضة لتلقي صدمات الصراعات الكبرى، نظرًا لتشابك مصالح الطاقة والممرات الملاحية الاستراتيجية. ومن بين هذه البؤر الساخنة، تشغل الأزمة في اليمن مساحة بالغة الحساسية، إذ يعاني هذا البلد من تداعيات حرب ممتدة ألقت بظلالها الثقيلة على كافة مناحي الحياة، وأدت إلى انهيار شبه كامل للبنى التحتية، وتراجع حاد في مؤشرات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب تفاقم واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي شهدها التاريخ الحديث والتي طالت ملايين السكان العزل، الذين ورغم كل ما حلّ بهم ما زالوا متمسكين بولائهم لأرضهم ولمحور المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني وكل من يسانده.
إن استمرار هذا النزاع المسلح، وما يصاحبه من تعثر في الوصول إلى صيغة نهائية وشاملة للسلام، يعود جزئيًا إلى تداخل الأبعاد المحلية مع التعقيدات الإقليمية والدولية التي تجعل من أي تسوية سياسية مسارًا مليئًا بالعقبات والعراقيل. ورغم الجهود الدبلوماسية الحثيثة والمساعي التي تبذلها أطراف إقليمية ودولية متعددة لتقريب وجهات النظر وتهيئة المناخات الحوارية، إلا أن هشاشة الثقة وتبدل المعطيات على الأرض يبقيان نافذة الأمل محدودة ما لم ترتكز تلك المساعي على معالجة جذرية للأسباب الكامنة وراء الأزمة، وتقديم تنازلات من قبل الغرب لتقديم مصلحة الإنسان فوق أي اعتبار سياسي خصوصًا من قبل الأميركي الذي يعبث بأمن العالم وبالأخص "الشرق الأوسط" والخليج لأغراض وأهداف شخصية سياسية واقتصادية.
بنظرة سريعة للوضع الحالي في ظل التهديدات والتسريبات الأميركية والتهديدات باستعمال السلاح النووي ضد إيران والذي دونه عوائق كبيرة إن لناحية الصلاحية أو المسار الذي يسلكه أخذ القرار بالتنفيذ فنتيجة الانتخابات النصفية والتوقعات الحالية تشير إلى أن الجمهوريين قد يخسرون ما بين 4 إلى 5 مقاعد في مجلس الشيوخ، وربما مقعدًا أو مقعدين إضافيين، ما يمنح الديمقراطيين السيطرة الكاملة على المجلس؛ خاصة مع تزايد احتمالات فوز الديمقراطيين.
إن المشهد قبل يوم واحد فقط من الانتخابات يشير بوضوح إلى هزيمة ساحقة للجمهوريين، وللرئيس ترامب شخصيًا. فنتائج هذه الانتخابات قد تحول دونالد ترامب إلى "رئيس عاجز" (Lame Duck) خلال العامين المتبقيين من ولايته، ما سيقيد بشكل كبير صلاحياته في التفكير بتصعيد الحرب ضد إيران -وهو أمر قد يدفعه إليه بنيامين نتنياهو، الذي يعاني هو الآخر من أزمات سياسية- لا سيما في ظل التحديات الوجودية الجسيمة التي يواجهها الكيان الغاصب حاليًا، وتفاقم معدلات التضخم في الولايات المتحدة.
من المتوقع أن يخسر الحزب الجمهوري سيطرته على مجلس النواب لصالح الديمقراطيين، ما سيؤدي إلى تولي زعيم الديمقراطيين منصب رئيس المجلس. وتشير التوقعات إلى فوز الديمقراطيين بما لا يقل عن 12 إلى 15 مقعدًا إضافيًا، ليحلوا محل الأعضاء الجمهوريين الحاليين، ويصبحوا بذلك أصحاب الأغلبية في كلا مجلسي الكونغرس، ما يمنحهم سيطرة كاملة على السلطة التشريعية في الولايات المتحدة.
وهنا يطرح تساؤل حول تداعيات هذه الهزيمة المحتملة للجمهوريين -بمن فيهم الرئيس الحالي دونالد ترامب- في انتخابات التجديد النصفي: كيف سيؤثر ذلك على مسار الحرب الأميركية-الإيرانية؟ وهل قد يؤدي إلى تصعيدها؟ وبالنظر أيضًا إلى حالة الجمود السياسي التي يشهدها الاحتلال "الإسرائيلي" عقب الانتخابات التشريعية التي جرت قبل ٦ أيام دون حسم واضح لأي طرف، نجد أن كلًّا من الولايات المتحدة (بعد انتخابات التجديد النصفي) والعدو الصهيوني يمران بمرحلة من الضعف الشديد. ففي الولايات المتحدة، هناك مشكلات داخلية جسيمة -بما في ذلك تحديات إدارية ولوجستية كبيرة داخل الجيش الأميركي- بينما يعاني الكيان الصهيوني من وضع داخلي مضطرب للغاية. وفي ظل هذه الظروف، سيكون من الصعب عليهما -بل ومن غير المنطقي- المضي قدمًا نحو تصعيد أكبر في الحرب مع إيران.
إن إغفال هذه الأبعاد من شأنه أن يبقي المنطقة رهينة لدورة مفرغة من عدم الاستقرار، ما ينعكس سلبًا ليس فقط على منطقة "الشرق الأوسط" والخليج، بل على أمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب ومضيق هرمز، وهو ما يفرض على المجتمع الدولي وقفة جادة ومسؤولة لتغليب صوت العقل، ودعم خطط التعافي الإنساني والاقتصادي، وتهيئة الشروط الموضوعية لسلام دائم يحفظ سيادة البلاد ووحدتها ويجنب المنطقة بأسرها مزيدًا من الانزلاق نحو المجهول.
وفي الختام، تبقى حماية السلم والأمن الدوليين رهينة بقدرة الإرادة السياسية العالمية على تغليب لغة الحوار العقلاني ونزع فتيل التوترات الاستراتيجية، فالتاريخ يشهد أن الكوارث الكبرى غالبًا ما تبدأ بشرارات صغيرة يمكن تطويقها بالوعي الجماعي والتعاون الدولي، ما يجعل اللحظة الراهنة فارقة وتستوجب تضافر كافة الجهود لإنقاذ البشرية من مخاطر الانهيار الشامل وإعادة الأمل بمستقبل آمن ومستقر للأجيال القادمة.