مقالات
بين دعوة نتنياهو إلى حكومة وحدة وطنية، وتكليف غادي آيزنكوت بتشكيل الحكومة المقبلة، تدخل "إسرائيل" مرحلة سياسية تتجاوز الصراع التقليدي بين الائتلاف والمعارضة، لتلامس سؤالًا أكثر جوهرية: هل يمكن ترجمة التحول في موازين القوى البرلمانية إلى انتقال فعلي للسلطة، أم أن التعقيدات الحزبية والدستورية والأمنية ستتيح لنتنياهو تعطيل هذا المسار أو إعادة تشكيله لمصلحته؟
لم تكن دعوة بنيامين نتنياهو إلى تشكيل «حكومة وحدة وطنية»، عشية إعلان الرئيس "الإسرائيلي" يتسحاق هرتسوغ تكليف غادي آيزنكوت بتشكيل الحكومة المقبلة، مجرد مبادرة سياسية منفصلة عن سياقها. فقد جاءت في لحظة مفصلية، تتداخل فيها نتائج الانتخابات مع حسابات تشكيل الائتلافات، وتتحول فيها الأحزاب الحريدية من شريك تقليدي في معسكر نتنياهو إلى عنصر قد يحدد اتجاه العملية السياسية برمتها.
واللافت أن نتنياهو لم يكتفِ بالدعوة إلى الوحدة، بل قرنها بهجوم حاد على الأحزاب العربية، محذرًا من قيام حكومة تعتمد على دعمها، ومصورًا ذلك باعتباره تهديدًا لأمن "إسرائيل" وهويتها اليهودية وقدرتها على مواجهة إيران. ومن الصعب فصل هذا الخطاب عن محاولته التأثير في شرعية البديل الحكومي المطروح، ونقل النقاش من مسألة الأغلبية البرلمانية إلى مسألة الهوية والأمن القومي.
بهذا المعنى، يمكن قراءة دعوة نتنياهو باعتبارها محاولة لإعادة تعريف شروط تشكيل الحكومة، بعدما باتت الأرقام البرلمانية تتيح، نظريًا، مسارات لا تمر بالضرورة عبره. غير أن السؤال الحاسم لا يتعلق بما إذا كان آيزنكوت يمتلك تفويضًا لتشكيل الحكومة فحسب، بل بقدرته على تحويل هذا التفويض إلى ائتلاف قادر على نيل الثقة والاستمرار.
أولًا: معادلة الأرقام تفتح الباب، لكنها لا تحسم النتيجة
تكشف الخريطة البرلمانية، وفق المعطيات المطروحة، عن مفارقة أساسية: فرغم حصول معسكر نتنياهو على 53 مقعدًا، مقابل 48 مقعدًا لتحالف التغيير الذي يقوده آيزنكوت، فإن هذا التفوق العددي لا يكفي وحده لضمان بقاء نتنياهو في السلطة.
ويكتسب امتناع حزب «يهدوت هتوراة» عن التوصية بأي من المرشحين أهمية خاصة، لأنه يعكس، على الأقل، عدم التزامه المسبق بإعادة إنتاج الائتلاف السابق، كما يفتح المجال أمام مفاوضات يمكن أن تعيد توزيع الولاءات البرلمانية، ولو بصورة مؤقتة أو مشروطة.
فإذا نجح آيزنكوت في التوصل إلى تفاهم مع «يهدوت هتوراة»، التي تمتلك سبعة مقاعد، فإن القاعدة البرلمانية المؤيدة لحكومته المحتملة سترتفع من 48 إلى 55 مقعدًا، متجاوزة معسكر نتنياهو بمقعدين.
وفي حال انضمام حزب «شاس»، الذي يمتلك ستة مقاعد، يرتفع العدد إلى 61 مقعدًا، أي الأغلبية المطلقة لأعضاء الكنيست البالغ عددهم 120.
وتترتب على هذه المعادلة نتيجتان مختلفتان.
الأولى، إمكان قيام حكومة تستند إلى 55 نائبًا، إذا توافرت شروط نيل الثقة، وامتنع عدد كافٍ من النواب الآخرين عن التصويت ضدها. وفي هذه الحالة، قد يؤدي امتناع الأحزاب العربية عن التصويت، وفق توزيع الأصوات المفترض، إلى نتيجة 55 مقابل 53، بما يتيح للحكومة الحصول على أغلبية الأصوات المشاركة في الاقتراع.
أما الثانية، فتتمثل في قيام حكومة تستند إلى 61 نائبًا، إذا انضم الحزبان الحريديان معًا، وهو ما يمنحها أغلبية برلمانية مطلقة، ويقلص اعتمادها على مواقف الكتل الموجودة خارج الائتلاف.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين الأغلبية اللازمة لنيل الثقة، والأغلبية المطلوبة لاتخاذ قرارات تشريعية معينة، والأغلبية القادرة على ضمان الاستقرار السياسي. فامتلاك الأصوات الكافية لتنصيب الحكومة لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على إدارة تناقضاتها أو تمرير برنامجها.
وهنا تكمن أهمية الأحزاب الحريدية: فهي لا تمتلك العدد الأكبر من المقاعد، لكنها قد تمتلك القدرة على ترجيح إحدى المعادلتين.
ثانيًا: لماذا تُعد «يهدوت هتوراة» الحلقة الأكثر قابلية للتفاوض؟
تنبع خصوصية «يهدوت هتوراة» من طبيعة موقعها داخل النظام الحزبي "الإسرائيلي". فهي، بخلاف أحزاب اليمين القومي والأيديولوجي، لا تجعل القضايا القومية والأمنية محور هويتها السياسية بالدرجة نفسها، وإن كانت شديدة المحافظة والتشدد في القضايا الدينية والاجتماعية، ولا سيما ما يتعلق بالشريعة اليهودية والعلاقة بين الدين والدولة.
وقد ارتبط انتماؤها التقليدي إلى المعسكر اليميني بمزيج من الاعتبارات السياسية والدينية والمصلحية، وليس بالضرورة بتطابق كامل مع جميع أولويات هذا المعسكر.
وتتمحور مطالبها الأساسية حول ضمان استمرار استقلال المؤسسات الدينية والتعليمية الحريدية، وتأمين التمويل الحكومي، والمحافظة على الترتيبات الخاصة بإعفاء طلاب المعاهد الدينية من الخدمة العسكرية.
ومن هذه الزاوية، لا يُستبعد نظريًا أن تتفاوض مع حكومة برئاسة آيزنكوت، إذا وجدت أن مصالحها الجوهرية يمكن أن تتحقق خارج التحالف التقليدي مع نتنياهو.
لكن قابلية التفاوض لا تعني بالضرورة الاستعداد للانضمام. فهناك فارق بين استخدام الانفتاح على آيزنكوت لتحسين شروط التفاوض، وبين اتخاذ قرار استراتيجي بفك الارتباط مع معسكر اليمين.
وقد يكون هذا الفارق تحديدًا هو المجال الذي تتحرك فيه «يهدوت هتوراة» خلال المرحلة المقبلة.
ثالثًا: إخفاق نتنياهو في ملف التجنيد يضعف ضماناته للحريديم
من أبرز العوامل التي يمكن أن تدفع الأحزاب الحريدية إلى مراجعة حساباتها أن نتنياهو لم يتمكن، خلال السنوات الأربع الماضية، من توفير تسوية قانونية مستقرة لقضية إعفاء طلاب المعاهد الدينية من الخدمة العسكرية، رغم أن هذه القضية كانت من أهم مطالب شركائه الحريديين.
ولا تكمن أهمية هذا الإخفاق في عدم تحقيق مطلب سياسي فحسب، بل في أنه يطرح سؤالًا يتعلق بقدرة نتنياهو على الوفاء بالتزاماته مستقبلًا، حتى إذا عاد إلى رئاسة الحكومة.
فالعقبات التي واجهته لم تكن محصورة في المعارضة السياسية، بل امتدت إلى داخل حزب الليكود نفسه، حيث برزت تحفظات على توسيع الإعفاءات العسكرية في ظل الأعباء الأمنية والبشرية للحرب.
كما أن الاعتراض الشعبي على عدم المساواة في تحمل أعباء الخدمة العسكرية يجعل أي تسوية شاملة عرضة لتكاليف سياسية، خصوصًا بالنسبة إلى الأحزاب التي تعتمد على جمهور يؤدي الخدمة العسكرية أو الاحتياطية.
وتضاف إلى ذلك عقبة قضائية تتمثل في دور المحكمة العليا "الإسرائيلية"، التي يمكن أن تراجع التشريعات المتعلقة بالتجنيد ومدى توافقها مع المبادئ القانونية والدستورية المعمول بها، بما فيها مبدأ المساواة.
وبذلك، فإن المشكلة التي عجز نتنياهو عن حلها لا تختفي بمجرد تغيير الحكومة، بل تنتقل إلى أي ائتلاف جديد، بما فيه ائتلاف محتمل برئاسة آيزنكوت.
ومع ذلك، فإن انتقال الملف إلى حكومة أخرى قد يتيح البحث عن تسوية مختلفة، تجمع بين الاعتبارات القانونية والاحتياجات العسكرية والمطالب الحريدية. ويبقى السؤال عما إذا كانت مثل هذه التسوية ستكون كافية لإقناع الأحزاب الحريدية بتغيير موقعها السياسي.
رابعًا: لماذا قد تتردد الأحزاب الحريدية في مغادرة معسكر نتنياهو؟
في مقابل العوامل التي قد تشجع «يهدوت هتوراة» على التفاوض مع آيزنكوت، توجد قيود جدية تجعل الانتقال إلى ائتلاف جديد قرارًا معقدًا.
أول هذه القيود هو الارتباط السياسي التاريخي بين الأحزاب الحريدية ومعسكر اليمين. فقد أنتج هذا الارتباط شبكات من المصالح والتفاهمات والثقة المتبادلة، لا يمكن تفكيكها بسهولة بمجرد تغير نتائج الانتخابات.
أما القيد الثاني، فيتمثل في التناقض بين المطالب الحريدية ومواقف بعض الأحزاب المنضوية في تحالف آيزنكوت، ولا سيما تلك التي تعتبر المساواة في الخدمة العسكرية قضية مبدئية لا يجوز التراجع عنها.
وهذا التناقض ليس تفصيلًا تفاوضيًا يمكن تجاوزه بالضرورة عبر توزيع الحقائب الوزارية أو زيادة المخصصات المالية؛ بل يمس إحدى القضايا الأكثر حساسية في المجتمع "الإسرائيلي".
وثمة قيد ثالث يتعلق بمصداقية الضمانات التي قد يقدمها آيزنكوت. فالأحزاب الحريدية ستسأل عما إذا كان رئيس الحكومة المكلف قادرًا فعلًا على تنفيذ تعهداته، أم أن التوازنات داخل ائتلافه ستمنعه من الذهاب بعيدًا في الاستجابة لمطالبها.
غير أن المفارقة الأهم تكمن في أن انضمام الأحزاب الحريدية إلى حكومة جديدة قد يؤدي، بمرور الوقت، إلى إضعاف قدرتها التفاوضية.
فإذا نجح آيزنكوت في تشكيل الحكومة وإزاحة نتنياهو، فقد تنشأ ديناميات سياسية جديدة، من بينها احتمال حصول الحكومة على دعم برلماني من خارج الائتلاف، أو حدوث تحولات داخل الليكود نفسه.
وفي هذه الحالة، قد تفقد الأحزاب الحريدية موقعها بوصفها الطرف الذي يتوقف عليه بقاء الحكومة، خصوصًا إذا أمكن تأمين أغلبية بديلة في مواجهة محاولات إسقاطها.
بل إن سقوط الحكومة، بعد تشكيلها، لا يعني تلقائيًا عودة نتنياهو إلى السلطة، إذ إن آليات حل الكنيست وتشكيل حكومة بديلة، فضلًا عن ترتيبات الحكومة الانتقالية، تجعل المسار أكثر تعقيدًا من مجرد انقلاب حسابي في موازين التصويت.
وعليه، فإن الحريديم يواجهون معضلة مزدوجة: البقاء مع نتنياهو الذي لم يحقق مطالبهم الأساسية، أو الانتقال إلى آيزنكوت من دون ضمانات كافية بأن موقعهم التفاوضي سيبقى بالقوة نفسها بعد تشكيل الحكومة.
خامسًا: دعوة نتنياهو إلى الوحدة بين الضرورة السياسية ومعركة الشرعية
في ضوء هذه المعطيات، تكتسب دعوة نتنياهو إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية دلالة تتجاوز مضمونها المعلن.
فمن حيث التوقيت، جاءت الدعوة في لحظة كان فيها تكليف آيزنكوت بتشكيل الحكومة يفتح مسارًا مؤسسيًا لتداول السلطة. ومن حيث الخطاب، اقترنت بمحاولة نزع الشرعية السياسية عن أي حكومة تعتمد على الأحزاب العربية، عبر ربط هذا الاعتماد بمخاطر الإرهاب والتطرف والتهديد الإيراني.
ويمكن تفسير هذا الربط باعتباره محاولة لنقل المواجهة من ساحة الحسابات البرلمانية، حيث تتحدد شرعية الحكومة وفق القواعد الدستورية، إلى ساحة الأمن والهوية، حيث يسعى نتنياهو إلى إبراز نفسه باعتباره الطرف الأقدر على حماية الدولة.
فالقول إن حكومة تعتمد على دعم الأحزاب العربية لن تستطيع مواجهة إيران، أو أنها ستعرّض "إسرائيل" لخطر وجودي، ليس نتيجة قانونية تترتب على تركيبة الائتلاف، بل موقف سياسي يهدف إلى التأثير في تصورات الجمهور والأحزاب المترددة.
وهنا تتضح إحدى وظائف خطاب الوحدة: فهو يتيح لنتنياهو تقديم استمرار مشاركته في السلطة بوصفه استجابة لضرورات وطنية، لا مجرد خيار حزبي، وفي الوقت نفسه يضع خصومه أمام معادلة سياسية محرجة: إما القبول بالتعاون معه، وإما تحمل مسؤولية تشكيل حكومة يصورها على أنها غير قادرة على مواجهة التحديات الأمنية.
لكن هذا التفسير لا يلغي احتمال وجود اعتبارات أمنية حقيقية وراء الدعوة إلى الوحدة، في ظل استمرار الحرب والتوترات الإقليمية. فالتمييز الضروري هنا هو بين وجود تحديات أمنية موضوعية، وبين كيفية توظيفها في الصراع على تشكيل الحكومة.
ومن ثم، فإن دعوة نتنياهو قد تؤدي وظيفتين متداخلتين: إبقاء باب المشاركة في السلطة مفتوحًا، ومحاولة رفع الكلفة السياسية على الأحزاب التي تفكر في تمكين آيزنكوت من تشكيل حكومة بديلة.
سادسًا: العرب بين القدرة على الترجيح ومحاولات الإقصاء
تتمثل إحدى المفارقات البارزة في المشهد "الإسرائيلي" في أن الأحزاب العربية، رغم وجودها خارج معادلة الائتلاف الحكومي المقترح، قد تؤدي دورًا مؤثرًا في تحديد مصيره.
فإذا تمكن آيزنكوت من جمع 55 نائبًا، فإن موقف النواب العرب من التصويت على الثقة قد يصبح عنصرًا حاسمًا في نجاح الحكومة أو تعثرها، بحسب مواقف بقية الكتل وحضور أعضائها وتصويتهم.
وفي حال تشكيل الحكومة، يمكن أن يمتد هذا الدور إلى التصويت على القوانين والميزانية، أو إلى منع توافر أغلبية لإسقاطها، وإن كان ذلك لا يعني التزام الأحزاب العربية بدعم جميع سياساتها.
وهذا الواقع يفسر جانبًا من تركيز نتنياهو على مهاجمة الأحزاب العربية، ومحاولة تصوير أي اعتماد برلماني عليها باعتباره خروجًا على مقتضيات الأمن القومي.
فالمواجهة هنا لا تتعلق فقط بمن سيجلس داخل الحكومة، بل أيضًا بمن يحق له التأثير في تشكيلها واستمرارها.
وتبرز بذلك مفارقة سياسية ودستورية: فالنواب العرب يتمتعون، من حيث المبدأ، بالحقوق البرلمانية المقررة لأعضاء الكنيست، لكن شرعية دورهم في ترجيح السلطة التنفيذية تتحول إلى موضوع صراع سياسي وأيديولوجي.
وهذا التوتر بين القاعدة البرلمانية والخطاب السياسي قد يكون أحد العوامل المؤثرة في مسار تشكيل الحكومة، خصوصًا إذا لم يتمكن آيزنكوت من الوصول إلى أغلبية مطلقة من دون دعم خارجي.
سابعًا: العامل الأميركي والحرب الإقليمية في معادلة تشكيل الحكومة
لا تجري هذه التحولات في فراغ إقليمي أو دولي. فنتائج الانتخابات النصفية الأميركية، وما أفرزته من تراجع في الموقع السياسي للرئيس دونالد ترامب، تضيف متغيرًا إلى الحسابات "الإسرائيلية".
فإذا أدى هذا التراجع إلى تضييق هامش المناورة السياسية أمام ترامب، فقد ينعكس ذلك على قدرته على توفير الدعم السياسي لنتنياهو، ويحدّ من خيارات الأخير في إدارة الصراع الداخلي، فضلًا عن تأثيره المحتمل في طبيعة الضغوط الأميركية المتعلقة بالحرب الإقليمية.
غير أن العلاقة بين ضعف الرئيس الأميركي وتراجع موقع نتنياهو ليست آلية أو حتمية. فالتفاعلات الأمنية بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" تخضع أيضًا لمؤسسات ومصالح وتحالفات تتجاوز الموقع الانتخابي للرئيس الأميركي.
وفي المقابل، تظل الحرب في المنطقة متغيرًا قادرًا على إعادة ترتيب الأولويات داخل "إسرائيل".
فالتصعيد العسكري قد يعزز الدعوات إلى تشكيل حكومة وحدة، لكنه لا يحدد مسبقًا هوية من سيرأسها، إذ يستطيع نتنياهو توظيف التهديدات الأمنية للدفاع عن استمراره في السلطة، بينما يستطيع آيزنكوت الاستناد إلى الاعتبارات نفسها للدعوة إلى حكومة جديدة تحظى بشرعية برلمانية وتتبنى مقاربة مختلفة لإدارة الحرب.
وهكذا، قد تتحول الحرب من عامل خارجي ضاغط إلى عنصر مباشر في التنافس على السلطة، بحيث يسعى كل طرف إلى تقديم مشروعه الحكومي باعتباره الأكثر استجابة لمتطلبات المرحلة.
لكن ذلك يظل مشروطًا بطبيعة التطورات العسكرية ومواقف الأحزاب والرأي العام، ولا يمكن افتراض اتجاه واحد لتأثير الحرب على التوازنات الداخلية.
ثامنًا: بين إمكان تشكيل الحكومة وصعوبة ضمان استقرارها
تفضي المعطيات السابقة إلى التمييز بين ثلاث مسائل مترابطة، لكنها ليست متطابقة: القدرة على تشكيل الحكومة، والقدرة على نيل الثقة، والقدرة على الاستمرار في الحكم.
فالمعادلة العددية تتيح، من حيث المبدأ، تصور حكومة برئاسة آيزنكوت تستند إلى 55 نائبًا، أو إلى 61 نائبًا إذا انضم الحزبان الحريديان معًا.
غير أن الانتقال من الحساب العددي إلى التفاهم السياسي يقتضي معالجة تناقضات حقيقية، تتقدمها قضية التجنيد، والعلاقة بين الدين والدولة، وموقع الأحزاب العربية، والسياسات الأمنية والإقليمية.
كما أن موقف «يهدوت هتوراة» لا يمكن اختزاله في امتناعها عن التوصية بنتنياهو أو آيزنكوت؛ فالامتناع قد يكون تعبيرًا عن تحفظ سياسي، أو وسيلة لتحسين شروط التفاوض، أو مؤشرًا إلى استعداد لإعادة النظر في التحالفات. ولا يمكن الجزم بأي من هذه التفسيرات قبل اتضاح نتائج المشاورات.
كذلك فإن انضمام «شاس» ليس امتدادًا تلقائيًا لأي تفاهم مع «يهدوت هتوراة»، رغم التقاطع بين مصالح الحزبين. فلكل منهما قيادته وحساباته السياسية والدينية وعلاقاته الخاصة مع بقية القوى.
وبناءً على ذلك، فإن وجود أرضية برلمانية وقانونية لانتقال السلطة لا يلغي العقبات السياسية التي تعترضه، مثلما أن هذه العقبات لا تمنح نتنياهو حقًا تلقائيًا في الاستمرار بالحكم.
إنها معادلة مفتوحة، يتوقف حسمها على قدرة الأطراف على بناء تفاهمات قابلة للتنفيذ، وليس على مجرد إعلان الاستعداد للتفاوض.
خاتمة: المعركة لم تعد على الأغلبية وحدها، بل على شروط انتقال السلطة
تكشف اللحظة السياسية الراهنة في "إسرائيل" عن انتقال الصراع من التنافس الانتخابي إلى اختبار القدرة على تحويل نتائج الانتخابات إلى سلطة تنفيذية مستقرة.
فنتنياهو، الذي يستند إلى معسكر يضم 53 نائبًا وفق المعطيات المطروحة، يواجه واقعًا لا تضمن فيه الكتلة الأكبر نسبيًا حق تشكيل الحكومة. وفي المقابل، يمتلك آيزنكوت تفويضًا يفتح أمامه مسارًا لتشكيل ائتلاف بديل، لكنه لا يملك بعد ضمانات كافية لتجاوز الانقسامات السياسية والأيديولوجية التي تفصل بين مكوناته المحتملة.
وفي قلب هذه المعادلة تقف الأحزاب الحريدية، وخصوصًا «يهدوت هتوراة»، أمام اختبار يتجاوز مطالبها التقليدية: هل تواصل ارتباطها بمعسكر نتنياهو رغم تعثر ملف التجنيد، أم تستكشف إمكان الحصول على تسوية مختلفة ضمن حكومة جديدة، مع ما ينطوي عليه ذلك من مخاطر سياسية؟
أما نتنياهو، فيحاول من خلال الدعوة إلى الوحدة وربط تشكيل الحكومة بالتهديدات الأمنية، التأثير في الشروط السياسية التي يجري على أساسها انتقال السلطة، وليس فقط في هوية الأطراف المشاركة في الائتلاف المقبل.
والأهم أن أي انتقال حكومي محتمل لن ينهي تلقائيًا التناقضات التي أنتجت الأزمة، بل قد ينقلها إلى داخل الائتلاف الجديد، حيث ستصبح القدرة على إدارة الخلافات شرطًا للاستمرار.
في المحصلة، لا تكمن المفارقة الأساسية في أن نتنياهو فقد القدرة الحسابية على احتكار مسار تشكيل الحكومة، بل في أن القوى القادرة على فتح الطريق أمام بديل حكومي هي نفسها التي قد تجعل استقراره بالغ الصعوبة.
وبين الحسابات البرلمانية، ومطالب الحريديم، ودور الأحزاب العربية، والضغوط الأميركية، واحتمالات التصعيد الإقليمي، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تفضي هذه اللحظة إلى إعادة تشكيل السلطة، أم إلى إعادة إنتاج الأزمة ضمن توازنات سياسية مختلفة؟
ما يمكن قوله هو أن المعركة لم تعد محصورة في تحديد من يمتلك العدد الأكبر من المقاعد، بل أصبحت تدور حول من يستطيع تحويل الأرقام إلى شرعية برلمانية، والشرعية إلى حكومة، والحكومة إلى سلطة قادرة على الاستمرار.