اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي استطلاع لـ"معاريف": المعارضة تتقدّم على معسكر الائتلاف

مقالات مختارة

إستراتيجيّة «الأنيمالِستِك» للأمن القومي
مقالات مختارة

إستراتيجيّة «الأنيمالِستِك» للأمن القومي

59

علي حجازي - صحيفة الأخبار

تشترك المخلوقات كافة في البحث عن مكامن الأمان الذي يحكم وجودها، ولكنها تختلف في الرؤية نحو المفاهيم والأهداف.

الأمن الوجودي الحيواني
الأمن الوجودي الذي يحكم الفكر الحيواني لا يتضمّن الوجود كمشروع، إنّما كمسار يرتكز على الطعام والشراب كهدفَين بحدّ ذاتِهما، ويتصرّف السلوك الذي يحكم هذا المسار بمعزل عن الأساليب والمكنونات الأخلاقيّة واحترام الذات. وأكثر من ذلك، فإن المأكَل والمَشرَب يشكّلان معيارَي الرفاهية للمخلوق الحيواني، وكلما اندفع نحو أهدافه تلك، كلما ازدادت مؤشرات الرفاهيّة لديه. وعليه، فإن الخطر الوجوديّ الذي يهدّد الحيوانات هو ما يحول بينها وبين طعامها وشرابها، وبالتالي هو ما يمنع عنها «رفاهيّتها»، أو ما تراه هي رفاهيّة.

تتحكّم النرجسيّة والأنانيّة في عالم «الغاب» أيضاً، فحتى مشاركة الرفاهية ممنوعة، فإما الحصول على الرفاهيّة كلها، أو الحرب.
لا شيء في «الغابة» يسمّى مشروعاً (وهنا كلمة الغابة تعبّر مجازياً عن عالم الحيوان)، إنما الفردانيّة المقيتة التي لا ترى عالمها إلا من منظار رفاهِها ومصلحتها وحدها. والغاية الوجوديّة في هذه الحالة هي أكل الطيّبات، حتى لو كانت جِيفاً ولحوماً نافِقة، لا يهمّ، المهم أن هذا يشكّل في مفهومها قمة الحكمة في الحياة. وهذا موروث تعليميّ يحكم ذلك العالم من دون دراية مثُلها ولا عدالتها «الحيوانيّة».

الإنسان كمشروع وجوديّ
فضَّل الخالق الكائنات البشرية عن باقي المخلوقات في هذا العالم، وفي ذلك حكمة يجب على الإنسان التقاطها ووضعها نصب عينيه كي تكون هدفاً بحدّ ذاتها، وكي لا يقع الإنسان في العبثيّة الحيوية التي تخلو من المعنى. إذاً، ولِد الإنسان لمشروع، لا بل إن ولادته كانت مشروعاً إنسانياً بحدّ ذاته. على عكس العالم الحيواني، فإن أهدافه تقتصر على العوامل التي تبقيه على قَيد الحياة من أجل الحياة فقط، من دون النظر إلى ماهيّة هذه الحياة، ما يعني أن وجوده يخلو من المشروعيّة.

الإنسان، بعيداً من جدليّة الماهيّة والوجود، ظهر لغايات سامية، تتعلّق بمشروع الرقيّ والخلافة، وبذلك يجب أن تميّزه الغايات كي يكون إنساناً، وإلا تساوى، وجودياً وقِيَمياً، مع الحيوان، وبالتالي يفتح الباب على الحديث عن أصل وجوده ككائن إنساني فاعل في هذه الدنيا الهادفة بأصل وجودها.

علاوة على ذلك، يقع وجه الاختلاف بين الكائِنَين، البشري والحيواني، في الاعتبارات التي تحكم المسار الوجوديّ، في ميدان الوجود الهويّاتي والارتقائي والفاعليّة والانتماء. هذه الركائز تعطي القيمة للحياة، دون هذا تفقد الحياة معناها الجوهري وكينونتها المُثلى.

الأمن القومي
يتعدّى تعريف الأمن القومي مسألة قدرة الدولة على حماية سيادتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، لِيَتَّصِل مباشرةً بالأمن الوجوديّ للإنسان الذي يقطنها، والتي تَتَكَوَّن على إثرها الحالة التي توفّر فيها الدولة وجوداً فاعلاً من العيش بكرامة للإنسان، وتأمين بيئة عادلة للكيانات الفردية، بما يضمن لها تأدية الدور الفاعل في مسار حماية الكيان الجماعي من المخاطر الوجوديّة التي تهدّده.

وعليه، فإن طبيعة الإنسان وخصائصه تلعب دوراً في هوية الأمن القومي لأي بقعة جغرافيّة، وهو لا ينفصل عن كونه هدفاً بحدّ ذاته لا وسيلة. فكرامة الإنسان، كما يقول الفيلسوف كانط، تكمن في حرّيته الأخلاقية، وأن البشرية ترتقي حين يعامَل كل إنسان كغاية لا كوسيلة. لكن لا معنى لكل هذا إن لم يدرك الإنسان بذاته هذا الدور، لأنه يقع على عاتقه حمل المهمّة الملقاة على كاهله، وامتشاق وظيفته الإنسانيّة، وهذا ما يوجِب الوعي حول تلك الأهميّة، بأنه عنصر الارتقاء للبشرية وليس العكس. وقد رأى سقراط أن قيمة الوجود الإنساني تتجلّى في المعرفة بالذات، عندها، وعندها فقط، يستطيع الإنسان الارتقاء.

ربطاً بهذه الأمور، فإن على الكيان الوطني حماية الأمن الإنساني بداخله، وتأمين دوافع التنمية له، وهذا لا يأتي إلا عبر حماية سيادته الإنسانيّة، التي لا تعدو كونها مدماك الاستقرار البشري والارتقاء فيه. وعلى رأس الأولويات يتربّع ضمان أمن وجود الإنسان، عبر صيانة حياته من الخوف والعنف، لا مساعدة الآخرين على تعزيز تلك العناصر فيه. ثم كفالة أمن الهويّة، وهي حفظ قيَم الكائن الإنساني الثقافية والحضارية التي تعطيه معنى الانتماء.

أمّا الابتلاء الأعظم الذي ابتليَت فيه أممنا، فهو بلاء السيادة. وهنا على الدولة توفير الأمن السيادي لمواطنيها، إذ تضمن أن إرادته الجمعية لا تُصادر ولا تُفرَض عليها خيارات من الخارج.

في المحصّلة، يمكن القول إن الأمن القومي هو تكامل الحماية بين الإنسان كوحدة وجوديّة والكيان الوطني كإطار جامع، إذ يصون كلاهما الآخر: الوطن يحمي إنسانه، والإنسان بوعيِه يحمي وطنه.

«الأنيمالستِك»
تجرّد قوى الهَيمنة العالمية الإنسان من إنسانيّته، فيصبح مجرّداً من الخصائص التي تخوّله الارتقاء إلى مستوى المهمّة الإنسانيّة والمشروع الذي أوكِل إليه بالطبيعة. وتعتمد هذه الخطّة التفريغيّة على الغرائز، إذ تتبدّل الأولويّات القيَميّة، وتتسرّح مضامينها وتُبطَل مفاعيلها.

تجريد الكائن البشري من خصائصه الدّالة على أنه إنسان تحرف مساره بشكل عكسي، ويتخلّى عن انتمائِه المشروعيّ، وتتبدّل لديه المفاهيم الهويّاتيّة والوظيفيّة التي تضمن له الارتقاء، ويصبح تائهاً يبحث عن الرفاهيّة التي لا يعرف عنها سوى أن الإمبراطوريّة أوصته بها كموجِب لدخوله نادي الحضارة، المزيّفة بطبيعة الحال.

وهنا نحن أمام تشوّه مفاهيمي عميق، يضرب إدراكات الارتقاء الإنساني ويكبح جماحه ليصبح أداة طيّعة في يَد القوة الاستعمارية. في هذه الحالة نصبح أمام نموذج حيواني يريده لنا الغرب، وعلى رأسه أميركا. وهذا ما يمكننا تسميته بالانسحاق الإنساني إلى دروك سفلى ووضيعة، تبطل الفاعلية الإنسانية وتخرجه من إطار الصراع من أجل سيادته وحقوقه الحيويّة. وبذلك يكون قد انصرف من ميدان المواجهة، لا بل انسحَق نحو العبودية للرجل الأبيض، فتصبح الإهانة من قبَل الأخير له تساوي ترقية، والعجرفة من قبَلِه تمثّل افتخاراً.

للأسف هذا هو حال الشريحة التي تنضوي ضمن المشروع الهَيمني على بلدنا ومنطقتنا. تقوده الولايات المتحدة ويعمل بأيادٍ إسرائيليّة. وما قاله المندوب السامي برّاك في زيارته الأخيرة، والذي وصف الإعلاميّين الحاضرين بتصرّفهم الحيواني، كان متعمّداً، وهو من المؤكّد يقصد عبرهم كل اللبنانيين، ويقصد في ما قاله إذلال الجميع وإهانتهم، استكمالاً لحربه في كسر إرادة اللبنانيين للأبد، كي لا يبقى أحد في ميدان المواجهة.

على كل حال، إنّ شريحة كبيرة من اللبنانيين امتَهَنت مسار السلوك الحيواني في التعاطي مع معبوده الأميركي، وأصبحت تلك الشريحة تحبّ خنّاقها، وتشعر بالأمان مع من يشكّلون الخطر الحقيقي على وجودها الإنسانيّ. لا يمكن تنميق الأمر ولا تصغير حدّته.

ما يجب أن يقال إن بلدنا يعيش صراعاً بين نهجَين متناقضين: واحد يمتهن السلوك الحيوانيّ، والآخر يريد الحفاظ على ما تبقّى من كرامة للإنسان في هذا الوطن. وهذان النهجان يمكن تأطيرهما ضمن إطار الصراع على هوية الأمن القومي في لبنان، فإما أمن قومي مزيّف يعتاش على الخضوع التام لوليّ الأمر «الأبيض»، وإمّا الأمن القومي الذي يحمي لبنان ويصون سيادته وكرامة مواطنيه.

الكلمات المفتاحية
مشاركة