مقالات مختارة
فؤاد بزي - صحيفة الأخبار
في مثل هذا اليوم من عام 2024 دخل اتفاق وقف إطلاق النار بين المقاومة في لبنان، والعدو "الإسرائيلي" حيّز التنفيذ. وفي مثل هذا اليوم أيضًا خدعت الدولة اللبنانية المقاومة، وخلقت في منطقة جنوب الليطاني فراغًا سرعان ما ملأه العدو، إذ سحبت المقاومة سلاحها الذي استُخدم في المواجهات العسكرية مع العدوّ لدى محاولته التقدّم بريًا بعد الثالث والعشرين من أيلول من عام 2024، كما أنسحب المقاتلون.
ولكن في المقابل لم ينتشر الجيش، ولم يسدّ الفراغ، بل تركت الدولة أرضها وقراها فارغة من أيّ وجود عسكري لتسارع قوات الاحتلال إلى ملء الفراغ وتبدأ بتدمير القرى والضغط على المجتمع الجنوبي.
في الذكرى السنوية الأولى لاتفاق وقف إطلاق النار المُنفّذ من طرف واحد، لا بدّ من سرد بسيط لوقائع عدّة على الأرض، تساهم في إثبات صمود المقاومة، ودحض رواية العدوّ عن نصره المطلق. فالميدان في الجنوب لم يكن خاليًا، ولم تنهَر الجبهات، ولم يتوقف إطلاق النار بسبب استسلام المقاومة. على العكس تمامًا، كانت القرى الجنوبية تقاتل حتّى آخر نفس، وكانت تستقبل المقاتلين من كلّ حدب وصوب، والسقوط أمام العدوّ لم يكن مُتاحًا، وهذا ما أدركه العدوّ ودفعه إلى وقف إطلاق النار.
في صبيحة اليوم السابع والعشرين من تشرين الثاني من عام 2024، وعند الساعة الرابعة صباحًا تحديدًا، بدأت المقاومة بتنفيذ ما عليها من اتفاق وقف إطلاق النار، وبدأت بسحب مقاتليها من القرى التي قاتلوا فيها على مدى 66 يومًا، في ما الدولة اللبنانية والكيان المحتل على حدّ سواء لم ينفّذا المطلوب منهما، إذ لم ينتشر الجيش في النقاط المتقدّمة، ولم تنسحب قوات العدو.
إلا أنّ من دخل من الناس في صبيحة ذلك اليوم إلى القرى الحدودية يدرك تمامًا أنّ المقاومة لم تُهزم، بل فضّلت إيقاف الحرب وإقفال هذا الشريان النازف دماءً وأرواحًا وبيوتًا وممتلكات. ففي هذا اليوم أوضحت المعاينة الميدانية أنّ القرى الجنوبية لم تكن فارغة، بل كانت تعجّ بالمقاتلين والسلاح حرفيًا، وإيقاف الحرب من قبل العدوّ كان لعلمه أنّ ثمن إطالتها أو محاولة توسيع التوغل البرّي سيُكلِّفه كلّ ذلك أثمانًا باهظة.
بشهادة الميدان لم يكن العدوّ قادرًا على تدمير كلّ شيء، أو معرفة كلّ حركة، أو التوغّل إلى المكان الذي يريده. ففي قرى أمامية وقريبة من الحدود، أو لا يفصلها عن الحدود سوى عائق طبيعي مثل وادٍ أو جبل، سحب المقاومون في هذا اليوم صواريخ وراجمات ضخمة محمولة على شاحنات، ورافقهم مقاتلون على دراجات نارية.
بعضهم أتى للقتال في الجنوب من مناطق بعيدة فلا يعرفون طرقات القرى الداخلية، فكانوا لا يتردّدون في السؤال عن الطريق المؤدّي إلى النبطية أو صور. حملوا أسلحتهم على ظهورهم في أكياس ضخمة ومضوا عائدين على دراجات متهالكة لدرجة تسأل معها كيف قطعت كلّ هذه المسافات. أمّا البعض الآخر من أبناء القرى التي دارت فيها المواجهات، فقد بقوا في قراهم.
وفي ساحة إحدى القرى القريبة من الحدود، والتي حوّلت طائرات العدوّ محالّها وبيوتها إلى رماد، فُكّت راجمة صواريخ بارتفاع طبقتين، ووُضعت على شاحنة وسلكت طرقًا بعيدة عن الحدود. أمّا في القرى الحدودية، أو ما يُعرف بـ"قرى الحافة الأمامية"، فوصل الناس في بعض النقاط إلى الحدود مباشرةً، حيث بقيت قوات العدوّ خلف الخط الأزرق.
وفي المناطق التي تقدّمت إليها قوات العدو، كان التقدّم محدودًا ولا يتجاوز مئات الأمتار. وفي أحسن الأحوال وصلت قوات العدوّ إلى ساحات القرى، مثل قرية مارون الرأس، حيث كانت البيوت في أحيائها غير المواجهة للحدود على حالها، غير مُدمّرة، ورُفع علم العدوّ على أحد البيوت البعيدة عن الساحة والقريبة من الحدود.
وفي هذا اليوم دخل عدد من أهالي قرية مارون الرأس إلى بيوتهم. وحاول أشخاص تخليص جرافتين وسيارة إسعاف تابعة لبلدية مارون الرأس كانت مركونة على الطريق.
وكلّ هذا حدث في ما الدولة اللبنانية لم ترسل قوة عسكرية من الجيش إلى القرية التي مُحيت معالمها تمامًا في مهلة الستين يومًا للانسحاب. بمعنى آخر، لم تُثبِّت الدولة وجودها في أيّ من القرى الحدودية لتأخذ مكان المقاومة وتمنع العدوّ من التوغّل والتوسّع والتفجير والوصول إلى أمكنة كانت تراوده في أحلامه، مثل وادي الحجير، والذي دخله أيضًا على عين الدولة وأجهزتها.
هذه الروايات لا تخصّ قرية معيّنة أو قطاعًا محدّدًا في جنوب لبنان، بل تشمل كلّ قرى الحافة الأمامية يوم 27 تشرين الثاني. حتّى القرى التي تفنّن العدوّ في تفجير بيوتها ومسح عمارتها بشكل شبه تام، مثل العديسة وكفر كلا ومركبا، دخلها أهلها وحدهم ولم تدخل الدولة معهم، ولم تُثبِّت وجودها فيها.
وللتذكير، في مدينة الخيام، حيث دارت المواجهات الأشدّ في الحرب الأخيرة، لم تُثبِّت الدولة وجودها، وتركت العدوّ يسرح ويمرح ويتوسّع في أحياء المدينة ليأخذ في الاتفاق ما لم يأخذه في الحرب.