خاص العهد
ستّ سنوات مرّت على جريمة اغتيال قائد فيلق القدس؛ الفريق الحاج قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي؛ الحاج أبي مهدي المهندس، ولا تزال تداعيات تلك الضربة العدوانية الأميركية الغاشمة تتفاعل في عمق المشهد الإقليمي، سياسيًا وأمنيًا وثقافيًا.
فالحدث الذي أرادت له واشنطن أن يكون كسرًا لمحور المقاومة، تحوّل مع مرور الوقت إلى نقطة ارتكاز جديدة في وعي الشعوب، وإلى علامة فارقة في مسار الصراع المفتوح في المنطقة.
وفي هذه الذكرى، لا يقتصر إحياء ذكرى الشهيدين على البعد العاطفي أو الرمزي، بل يتقدّم بوصفه فعلًا ثقافيًا مقاومًا، يعيد إنتاج المعنى، ويحصّن الذاكرة الجماعية في مواجهة محاولات التشويه والتغييب.
في هذا السياق، تحدّث المستشار الثقافي للجمهورية الإسلامية الإيرانية في لبنان؛ السيد محمد رضا مرتضوي، إلى موقع العهد الإخباري، مقدّمًا قراءة شاملة لدلالات إحياء الذكرى السادسة، ولدور الثقافة في تخليد نهج الشهيدين، واستنهاض الوعي، وتعزيز وحدة الشعوب في مرحلة التحوّلات الكبرى.
لحظة مفصلية في تاريخ المنطقة
يرى السيد مرتضوي أنّ إحياء الذكرى السادسة لاستشهاد القائدين سليماني والمهندس يأتي في لحظة مفصلية من تاريخ المنطقة، حيث تتكشّف بوضوح مآلات المشاريع الأميركية والغربية، وتتقدّم معادلات جديدة فرضتها تضحيات محور المقاومة.
ويؤكّد أنّ هذه الذكرى تعبّر عن استمرار حضور نهج المقاومة كخيار إستراتيجي في مواجهة الهيمنة والاحتلال، مشيرًا إلى أنّ دماء الشهداء لم تُسفك عبثًا، بل أسهمت بشكل مباشر في إعادة رسم موازين القوى، وتعزيز محور الاستقلال والسيادة في المنطقة، وترسيخ معادلة الردع في وجه الاعتداءات المتكرّرة.
وعن دور الأنشطة الثقافية والفنية في تخليد نهج الشهيد سليماني، يلفت مرتضوي إلى أنّ الثقافة تمثّل الأداة الأعمق والأبقى في نقل صورة الشهيد بوصفه قائدًا إنسانيًا عالميًا، يتجاوز الحدود الجغرافية والانتماءات السياسية الضيّقة.
فالمعارض الفنية، والأفلام الوثائقية، والأمسيات الأدبية، والأعمال الإبداعية المختلفة، تتيح تقديم شخصية سليماني بأبعادها الأخلاقية والقيمية، وتحوّل فكره ونهجه إلى لغة إنسانية مشتركة قادرة على مخاطبة شعوب وثقافات مختلفة، بعيدًا عن القوالب النمطية التي تحاول بعض الجهات فرضها.
شهادة توحّد الشعوب
وفي ما يتعلّق بتأثير شهادة القائدين في تعزيز الوحدة بين الشعبين اللبناني والإيراني، وسائر شعوب المنطقة، يؤكّد مرتضوي أنّ الاستشهاد شكّل نقطة التقاء وجدانية عميقة، أعادت التأكيد على معنى المصير المشترك. فالتضحيات التي قدّمها سليماني والمهندس جسّدت وحدة المعركة في مواجهة الإرهاب، والعدوان، ومشاريع التفتيت، وأسهمت في ترسيخ ثقافة التضامن والتكامل بين شعوب محور المقاومة، بوصفها ركيزة أساسية للصمود والاستمرار.
استنهاض الوعي ودور النخب
ويشير المستشار الثقافي إلى أنّ هذه الذكرى تمثّل فرصة حقيقية لاستنهاض الوعي الثقافي والسياسي لدى النخب المثقفة في لبنان والعالم العربي. فمن خلال إعادة تسليط الضوء على مفاهيم الحق والعدالة ورفض الظلم، تفتح الذكرى بابًا واسعًا للنقاش الفكري حول دور الثقافة في مواجهة الاستعمار الجديد، وتُعيد الاعتبار لخطاب المقاومة بوصفه مشروعًا أخلاقيًا وإنسانيًا، لا يقتصر على البعد العسكري، بل يشمل بناء الإنسان والوعي.
مقاومة ثقافية في مواجهة التشويه
وفي ظل الاستهداف الممنهج للرموز والنخب، يشدّد مرتضوي على أنّ المقاومة الثقافية تشكّل خط الدفاع الأول عن إرث الشهداء.
فالتوثيق المنهجي، والإنتاج الإعلامي الواعي، والحضور الفاعل في الفضاء الرقمي والثقافي العالمي، جميعها أدوات أساسية في مواجهة حملات التشويه والتغييب التي تمارسها بعض المنصّات الدولية. ويؤكّد أنّ بناء سردية أصيلة، تستند إلى الحقائق والقيم الإنسانية، يضمن بقاء إرث الشهداء حيًّا في الوعي الجمعي، ويمنع اختزاله أو تحريفه.
مشاريع توثيقية للأجيال القادمة
وعن أبرز المشاريع التي تعمل عليها المستشارية الثقافية، يوضح مرتضوي أنّ للشهيدين سليماني والمهندس مكانة خاصة في قلوب الأحرار والمسلمين في العالم، وأنّ المستشارية واكبت ولا تزال توثّق كلّ ما يتصل بسيرتهما من أفلام، وصور، وفعاليات ثقافية نُظّمت في السنوات التي تلت استشهادهما.
ويضيف أنّ العمل مستمر على نشر هذا الإرث عبر منصّات التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية، إلى جانب دعم مشاريع ثقافية وفنية في الجامعات، والمدارس، والبلديات، والأندية، والاتحادات الثقافية.
ويختم بالتأكيد أنّ هذا الجهد سيتواصل بزخمٍ أكبر؛ لأنّ الشهداء العظام، وفي مقدّمهم سليماني والمهندس، يستحقّون أن يبقى إرثهم مضيئًا وفاعلًا في مسيرة الأمة وحركتها نحو التحرّر والكرامة.