مقالات
شهيدان في مسار المقاومة
لا يمكن الحديث عن تحديات القرن الحادي والعشرين في منطقة غرب آسيا دون التوقف عند شخصيتي الشهيديْن الحاج قاسم سليماني والحاج أبي مهدي المهندس، اللذيْن أصبحا رمزيْن للمقاومة ضد الهيمنة والاستعمار والإرهاب في المنطقة.
هذان الشهيدان لم يكونا مجرد قائدين عسكريين، بل كانا أيضًا رمزين للأمل والوحدة في مواجهة التحديات الكبرى، وقد تكرّست مكانتهما في فكر آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي الذي يبيّن في العديد من كلماته دورهُما ودلالة شهادتهما.
قائدا الانتصارات والرسالة
الشهيدان الحاج قاسم سليماني والحاج أبو مهدي المهندس لعبا دورًا محوريًا في مكافحة تنظيم "داعش" الإرهابي، وأسفرت رؤيتهما المشتركة عن إقامة جبهةٍ واسعة من المقاومة في وجه الإرهاب، فكان كلاهما روحًا واحدة في جسدين ومعًا حقّقا الانتصارات في وجه المخطط الارهابي-الاستكباري-الصهيوني، الذي كان يهدف إلى حرف البوصلة عن قضية الأمة المركزية وهي فلسطين.
وفي خطاباته المتعددة، يصف الإمام الخامنئي الشهيد سليماني ليس فقط كقائد عسكري بارز، بل كـرمز للعقلانية، والشجاعة، والإخلاص في سبيل الله.
وفي أحد لقاءاته مع أسرة الشهيد ومنظمي مراسم ذكرى استشهاده، قال إن الشهيد سليماني كان مثالًا في الاجتهاد العملي، مزيجًا من الشجاعة الميدانية والعقلانية الدقيقة، وأن سجل تقاريره كان مليئًا بالأعمال الضخمة التي تدل على هذا الجمع بين الشجاعة والتدبير.
كما أكد القائد أن صدق وإخلاص الشهيد سليماني هما جوهر مکتبِه، مشيرًا إلى أن العمل بإخلاص لله وحده هو الذي جعل من اسمه رمزًا عالميًا في العالم الإسلامي.
ويشدد سماحته على أن الشهيد سليماني كقائد ليس مخصصًا لقومية واحدة فقط، بل شخصية كانت تمثل الأمة الإسلامية بأجمعها، قائلًا إن شعبيته تجاوزت الحدود واحتضنته شعوب المنطقة كلها.
مكانة الشهيدين بعد الاستشهاد
بعد استشهاد الحاج القاسم مع الحاج أبو مهدي في عملية إرهابية أمريكية في مطار بغداد في كانون الثاني/يناير 2020، أطلق الإمام الخامنئي عبارات قوية في رسالة تعزية أعلن فيها أن شهادتهما ليست حادثة عادية، بل نقطة تاريخية مضيئة في مسار المقاومة، وأكد قائد الثورة الإسلامية أن الخط الجهادي للمقاومة سيستمر بقوة أكبر، وأن دماءهما المباركة ستقود الأمة نحو قوة أكبر ووحدة أعمق.
وفي كلمات أخرى، قال الإمام الخامنئي إن الأمة الإسلامية يجب أن تدرك أن استشهاد هذين القائدين العظيمين ليس نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة للمقاومة، وأن أعداءهما لن يتمكنوا من محو إرثهما.
الدروس والرؤية الاستراتيجية
يستخلص تحليل المدرسة الفكرية للإمام الخامنئي أن مدرسة الشهيد سليماني لا تقتصر على الجانب الميداني فقط، بل تشمل بُعدًا فكريًا وثقافيًا.
برؤية سماحة القائد دفاع الحاج قاسم عن العراق وسوريا في مكافحة الإرهاب كان جزءًا من مهمّة أوسع لحماية هوية الأمة الإسلامية.
صفات سليماني من منظور القائد
بناءً على التحليل المتعدد لخطابات الإمام الخامنئي، نجد أن هناك محاور أساسية في تقييمه لشخصية الشهيد:
الإخلاص
الإمام الخامنئي يؤكد في عدة مناسبات أن الشهيد سليماني كان مُخلصًا حتى النهاية في عمله، يعمل لله وحده دون رياء ولا بحث عن أمجاد شخصية.
الجامع
الإمام الخامنئي يؤكد أن في تشييع الجثمان الطاهر للشهيد سليماني رأى العالم أن سليماني كان رمزًا ليس فقط لإيران، بل للأمة الإسلامية بأسرها.
قوة الشخصية
يؤكد الإمام الخامنئي أن الشهيد سليماني كان جزءًا مؤثرًا في تغيير مجريات الأحداث في المنطقة، وأن اسمه أصبح رمزًا للثورة والمقاومة.
يمكن قراءة كلمات الإمام الخامنئي في أكثر من بُعد:
تعزيز الهوية والمبدأ
من خلال التأكيد على أن الشهيد سليماني كان مجاهدًا صادقًا وقائدًا استراتيجيًا، يسهم الخطاب في ترسيخ نموذج يُحتذى به في مواجهة التحديات.
الاستمرارية وليس النهاية
الإمام الخامنئي يشدد على أن العمل والمقاومة لم يتوقفا بعد شهادته، وأن دماء الشهداء زادت زخمًا لمسيرة المقاومة.
الأبعاد الدولية
توسّع الإمام الخامنئي في تصوير شخصية الشهيد سليماني كرمز للتضامن الإسلامي، ما يخلق بُعدًا عالمًيا لتكريم الشهيد وتقديمه كرمز للمقاومة ضد الهيمنة وليس مجرّد رمزٍ محلي.
أثر الشهيدين على الواقع
يمكن القول إن استشهاد سليماني والمهندس يحرك ذكريات الجماهير ويبعث حيوية جديدة في صفوف المقاومة، وهو ما أكده الإمام الخامنئي في مناسبات متعددة بأن الدماء لن تذهب هدرًا وأن الأمة ستواصل المسيرة بقوة ووعي أكبر.
إن صورة الشهيدين في وجدان الشعوب لا تُعتبر مجرد ذكرى، بل رمز للأمل والوحدة في مواجهة الهيمنة الأجنبية، وقد انعكس ذلك في المسيرات والاجتماعات الجماهيرية التي شهدها كلٌّ من العراق وإيران وغيرهما من الدول بعد شهادتهما.
الإمام الخامنئي وصف استشهاد الحاج قاسم سليماني والأحداث التي واكبته بـأنها ليست حادثة عابرة، بل نقطة محورية في تاريخ المقاومة، حيث قال سماحته: "أنا لا أنسى اسم الشهيد سليماني، وهو شخصية ستظل حية في ذكريات الأمة، هذا الاستشهاد كان حدثًا تاريخيًا، وليس مجرد واقعة لحظية".
في الخلاصة، تشكّل مدرسة الشهيدين الحاج قاسم سليماني والحاج أبو مهدي المهندس امتدادًا طويلًا لحراك المقاومة، وهو مکتبٌ يزدهر في أذهان الأجيال ويشكل قاعدة فكرية وثقافية وعملية في مواجهة الاستكبار والإرهاب.
من خلال كلمات الإمام السيد علي الخامنئي، يتضح أن إرثهما لا يتعلق فقط بالإنجازات الميدانية، بل أيًضا بالقيم الإنسانية، والوحدة، والشجاعة، والتضحية في سبيل الله، وهذه الدروس ستبقى محورًا في الخطاب المقاوم على مدى الأجيال القادمة.