عربي ودولي
كاتب من العراق
في كلّ مرة، عندما تقدم الولايات المتحدة الأميركية على اغتيال شخصية ما، فإنها تسوّق جملة ذرائع ومبرّرات واهية لفعلتها، تحت عناوين مكافحة الإرهاب، وصيانة الأمن والسلم الدوليين، والمحافظة على الأمن القومي الأميركي. وهو ما تحدثت عنه كثيرًا، سواء عبر منابرها السياسية أو وسائل إعلامها وفضاءاتها الفكرية والثقافية، بعدما أقدمت على استهداف القائدين الكبيرين، الشهيد أبو مهدي المهندس، والشهيد قاسم سليماني، في مثل هذه الأيام، قبل ستة أعوام، عبر غارة جوية، قرب مطار بغداد الدولي.
والنقطة الجوهرية هنا تكمن في أن الولايات المتحدة الأميركية التي تدّعي أنها تحارب الإرهاب الداعشي التكفيري، أقدمت على قتل اثنين من أبرز القادة الذين تصدّوا لذلك التنظيم، ليس في العراق فحسب، إنما في ميادين ومواقع ودول أخرى أيضًا، وكان لهم دور ريادي كبير في إلحاق الهزيمة به.
هذا التناقض الفاضح بين أقوال أميركا وادعاءاتها وشعاراتها من جانب، وأفعالها من جانب آخر، كشف ويكشف باستمرار، وبما لا يقبل الشكّ ولا يحتمل اللبس والغموض، حقيقة سياساتها الانتهازية المنافقة المخادعة. وفي واقع الأمر، لا يعد ذلك أمرًا جديدًا أو مفاجئًا لمن يعرف ويفهم ويدرك حقيقة السياسات والمواقف الأميركية على مرّ التاريخ، ولا سيما منذ تحولها إلى قوة دولية كبرى بعد الحرب العالمية الثانية (1939-1945) على أنقاض أمجاد بريطانيا العظمى وفرنسا.
والنقطة الجوهرية الأخرى تتمثل في أن الولايات المتحدة الأميركية انتهكت كلّ الأعراف والقوانين والمواثيق الدولية، من خلال استهدافها سليماني والمهندس على أرض العراق، فهي لم تحترم السيادة الوطنية العراقية، ولم تأخذ بعين الاعتبار أنَّ أحد الأشخاص الذين استهدفتهم، وهو الشهيد قاسم سليماني، كان ضيفًا رسميًا، وجاء بدعوة من الحكومة العراقية، وفي مهمة حساسة للغاية، وان الشخص الآخر، وهو الشهيد أبو مهدي المهندس، كان مسؤولاً رفيع المستوى في مؤسسة أمنية حكومية، تعمل ضمن سياقات الدولة العراقية، وتحت إمرة واشراف القائد العام للقوات المسلّحة.
ولاشك أن قيام الولايات المتحدة باستهدافهما وتصفيتهما بصورة علنية فاضحة، أكد بما لا يقبل الشك أن هناك أوجه ترابط وتخادم والتقاء بين مصالح واشنطن وحلفائها من جهة، والجماعات والتنظيمات الإرهابية من جهة أخرى، سواء تمثلت تلك الجماعات والتنظيمات بتنظيم "القاعدة" أو "داعش"، أو سواهما من العناوين والمسميات الإرهابية التكفيرية الأخرى.
وقد كشفت أوساط سياسية ووسائل إعلام غربية حقيقة الأهداف والمخططات الأميركية من وراء اغتيال سليماني والمهندس، فتلك صحيفة "ذي صن" (The sun) البريطانية الواسعة الانتشار، تناولت في أحد اعدادها الصادرة بعيّد الاغتيال بعض التفاصيل بهذا الخصوص، قائلة، "إن اغتيال الجنرال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس ورفاقهما، كان انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي، هدفه تأخير سقوط الهيمنة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط... وعلى الرغم من شعار الولايات المتحدة بشأن مكافحة الإرهاب، فإنّ حكومتها، سواء كانت جمهورية أو ديمقراطية، كانت دائمًا ما تقوم بدعم الإرهاب في سياستها الخارجية عن طريق خلق حالة من انعدام الأمن وإراقة الدماء كوسيلة لتعزيز المصالح الأميركية والوجود العسكري في المنطقة". مضيفة، "أن عملية القضاء على داعش باعتباره مظهرًا خارجيًا للإرهاب من قبل الجنرال سليماني ورفاقه، أبطل ما نظّر له دهاقنة السياسة في الولايات المتحدة، وجعل هذه الخطة بلا معنى. لذلك، كان اغتيال الجنرال قاسم سليماني ورفاقه في الحقيقة قتلاً للسلام وتعزيزًا للإرهاب بهدف استعادة المصالح الأميركية في المنطقة".
ولعل واشنطن ومعها قوى غربية وإقليمية، أخطأت في حساباتها، لأنها تصورت أنها، باستهدافها هذين الرجلين، تكون قد نجحت في ضرب محور المقاومة في الصميم، وبالتالي أنهته، لكنها لم تدرك أن ما صنعه القائدان الشهيدان ليس ممكنًا أن ينتهي ويزول، حتى وإن غابا عن المشهد واختفيا من الميدان، لأن العبرة تكمن في بقاء وديمومة المنهج والمبدأ.
إن استشهاد القائدين سليماني والمهندس، لم يغيبهما عن الحضور في وجدان الأحرار والمناضلين والثائرين في كل مكان، بل إن ذلك الغياب الجسدي، كان أبلغ من الحضور، ومظاهر إحياء ذكراهما الواسعة في العراق وغيره من البلدان، تثبت وتؤكد ذلك، وتثبت وتؤكد أيضًا فشل مخططات واشنطن و "تل أبيب" وعواصم أخرى.