إيران
اهتمت الصحف الإيرانية الصادرة اليوم الأحد 04 كانون الثاني 2026 بتحليل خطاب الإمام الخامنئي الذي ألقاه يوم أمس حيث شدد فيه على الفصل بين حق الاحتجاج وبين إثارة الشغب، كما اهتمت الصحف بتحليل السلوك الإمبريالي المقرصن الأميركي في فنزويلا وأبعاده السياسية والعالمية.
الاقتصاد والاحتجاجات وحدود التمييز
كتبت صحيفة وطن أمروز: "تتجاوز بعض اللقاءات مجرد المناسبات والأحداث التاريخية المدرجة في التقويم، إذ تحمل دلالات تجعلها مؤشرًا على الحالة العامة للمجتمع. وكان لقاء عائلات شهداء حرب الأيام الاثني عشر مع قائد الثورة الإسلامية بمناسبة ذكرى مولد الإمام علي (ع) واستشهاد اللواء قاسم سليماني أحد هذه اللقاءات"، مشيرةً إلى أنّه "ورغم أن هذا اللقاء عُقد تخليدًا لذكرى الشهداء وفي جو من التقدير والاحترام لشجاعتهم في الدفاع الوطني الذي دام اثني عشر يومًا ضدّ العدوّ الصهيوني، إلا أنه تحوّل في جوانب أعمق إلى فرصة لمناقشة القضايا الراهنة التي تُؤرّق الحياة الاجتماعية والاقتصادية في البلاد".
وتابعت الصحيفة: "كان لكل عنصر من العناصر المختلفة التي عُقدت في اجتماع الأمس دورٌ محدّد في توحيد الخطاب في تصريحات قائد الثورة: فذكرى مولد الإمام علي (ع)، وفي الأيام التي تباهى فيها العدوّ الصهيوني مجددًا بإثارة الفوضى في الداخل، وبحضور عائلات شهداء الدفاع الوطني ضدّ هذا العدوّ الأجنبي، وفرت جميعها السياق اللازم لمناقشة الإصلاحات الاقتصادية، والأمن القومي، واليقظة ضدّ العدوّ الأجنبي، والعدالة، ضمن إطار متكامل من الزمان والمكان"، لافتةً إلى أنّه "وفي هذا السياق، ترتبط الكلمات التي طُرحت في هذا الاجتماع ارتباطًا وثيقًا بالواقع الراهن في السياسة والاقتصاد الإيرانيين. ففي الآونة الأخيرة، يمر المجتمع الإيراني بمرحلة باتت فيها الضغوط الاقتصادية، والتقلبات السوقية المستمرة، ومخاوف المعيشة جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية للشعب. وفي ظل هذه الظروف، لا يمكن فصل السياسة عن الاقتصاد، وكلّ موقف رئيسي مرتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بحياة الناس".
وأردفت: "في هذا الإطار، استُخدمت مفاهيم مثل العدالة، والاحتجاج، والأمن، والعدو الأجنبي كمفاهيم مترابطة باستمرار. من مجمل التصريحات، يبدو أن القضية الراهنة التي تواجه البلاد لا تقتصر على تجاوز تحدٍ اقتصادي أو مواجهة تهديد خارجي، بل تتعداها إلى كيفية إدارة المطالب المحلية والضغوط الخارجية، فضلًا عن ضرورة تصحيح الممارسات الاقتصادية الخاطئة"، مشيرةً إلى أنّ قائد الثورة أقرّ "قبل كلّ شيء، بحق السوق وعامة الشعب الإيراني في الاحتجاج على هذه التقلبات والتطورات الاقتصادية المتسارعة، واعتبر ذلك رد فعل طبيعي نابع من تجربة حقيقية لنشطاء اقتصاد السوق في حياتهم اليومية؛ تجربة عدم اليقين والتقلبات وتآكل سبل العيش، التي تزايدت في الأشهر الأخيرة".
وقالت صحيفة وطن أمروز: "في وصف هذا الوضع، يحمل تأكيد قائد الثورة على صوابية مبدأ الاحتجاج دلالة واضحة. فهذا التأكيد، بطريقة ما، اعتراف بواقعٍ قائم في مختلف شرائح المجتمع. إن إضفاء الشرعية على الاحتجاج الاقتصادي وتأكيد التغيرات الجذرية في سبل عيش العامة التي طرأت نتيجةً لاضطراب الاستقرار الاقتصادي، يزود الجهاز الحاكم بسردية واضحة للاحتجاجات الأخيرة"، موضحةً أنّه "وانطلاقًا من هذه السردية، من الضروري، من جهة، توضيح الحدود الفاصلة بين الحق المشروع لمختلف شرائح المجتمع في الاحتجاج، وبين الاضطرابات التي يوجهها عدو أجنبي ويحرض عليها إعلامه. جزء من هذه المسألة الثانية هو مسؤولية الشعب وشرائح المجتمع المحتجة على مستوى الشارع. وجزء آخر منها هو مسؤولية الهيئة التشريعية والتنفيذية على المستوى الوطني في تحديد آلية مؤسسية للاحتجاج الشعبي على مختلف القضايا، وتوفير المتطلبات القانونية اللازمة لضمان هذا الشكل من الاحتجاج المشروع وتيسيره".
الإمبريالية الجديدة
من جانبها كتبت صحيفة إيران حول الأحداث التي شهدتها القارة الأميركية فأشارت إلى أنّه "بعد حملتها العسكرية الضخمة الأخيرة لحصار فنزويلا، غزت الحكومة الأميركية أخيرًا هذه الجمهورية، واختطفت رئيس فنزويلا وزوجته. يُعدّ هذا العمل سابقة خطيرة في الأعراف الدولية، ويُنذر، بحسب الخبراء، بمزيد من الفوضى"، مشيرةً إلى أنّ ترامب أعاد "العالم إلى قرون مضت، ربما قبل معاهدة وستفاليا، حيث كانت الحدود تُعتبر غير شرعية والسيادة الوطنية غائبة. هذه هي عقيدة مونرو التي تبناها ترامب، ردًا على ضعف النفوذ الأميركي في النظام الدولي، ومحاولة لاستعادته بالقوّة".
وتابعت: "في أذهان الناس، كلما ارتبط اسما فنزويلا والولايات المتحدة في جملة واحدة، يتبادر إلى الذهن افتراض بديهي تقريبًا: النفط. فوجود دولة تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، ورئيس أميركي صرّح مرارًا وتكرارًا بأنه كان يتمنى لو أن الولايات المتحدة احتفظت بالنفط بعد غزو العراق، يبدو مزيجًا كلاسيكيًا من الجغرافيا السياسية للطاقة؛ لكن نظرة فاحصة على سياسة إدارة دونالد ترامب تجاه فنزويلا تُظهر أن هذا الهوس، خلافًا للاعتقاد السائد، هو ذو توجهات سلطوية وأيديولوجية وجيواقتصادية أكثر منه ذو توجهات نفطية".
وأردفت صحيفة إيران: "مفارقة النفط في فنزويلا: تمتلك فنزويلا نحو 303 مليارات برميل من احتياطيات النفط المؤكدة، أي ما يعادل 17% من احتياطيات النفط العالمية، وهو رقم يضعها في مرتبة أعلى من السعودية وإيران. إلا أن فنزويلا لا تُساهم اليوم إلا بأقل من 1% من الإنتاج النفطي العالمي. هذه الفجوة الكبيرة بين ما هو موجود تحت الأرض وما يصل إلى السوق هي جوهر الأزمة الفنزويلية، وهي أزمة لم تقتصر على حكومة نيكولاس مادورو فحسب، بل امتدت لتشمل حكومات سابقة لهوغو تشافيز، وحتّى حكومات ما قبل سبعينيات القرن الماضي. يتركز نفط فنزويلا بشكل رئيسي في حزام أورينوكو؛ وهو نفط ثقيل للغاية، غني بالكبريت، وباهظ الثمن، ويُشبه استخراجه التعدين أكثر من الحفر التقليدي".
وأضافت: "لماذا لا يُعدّ النفط الفنزويلي غنيمة سريعة؟ من الناحية الجيواقتصادية، يُعتبر النفط أداة قوة عندما يُمكن إنتاجه بسرعة، ونقله بأمان، وتكريره بكفاءة اقتصادية. لا يتمتع النفط الفنزويلي بأي ميزة قصيرة الأجل في أي من هذه المعايير الثلاثة. تتطلب إعادة بناء صناعة النفط في البلاد استثمارات بمليارات الدولارات، وسنوات عديدة من الاستقرار السياسي، وإطارًا قانونيًا موثوقًا"، مشيرةً إلى أنّه "مع كون الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط في العالم، بإنتاج يقارب 14 مليون برميل يوميًا، فإن منطق الحرب على النفط الفنزويلي أقرب إلى خرافة إعلامية منه إلى تحليل. حتّى لو حدّت العقوبات المفروضة على إيران وروسيا من الإمدادات العالمية، فإن النفط الفنزويلي ليس حلًا سريعًا".
وختمت الصحيفة: "لماذا تُعدّ فنزويلا مهمة؟ لا يكمن الجواب في الجيولوجيا، بل في الجغرافيا السياسية لنصف الكرة الغربي. فنزويلا هي آخر الناجين من مشروع أيديولوجي بدأ في كوبا؛ حكومات معادية لأميركا، اشتراكية، تعتمد على التعبئة الجماهيرية في فناء الولايات المتحدة الخلفي. تنظر إدارة ترامب، وخاصة شخصيات مثل ماركو روبيو في السياسة اللاتينية، إلى فنزويلا لا كمصدر طاقة، بل كرمز للمقاومة الأيديولوجية. وبالتالي، فإن الإطاحة بمادورو تعنى نهاية الحلقة الأخيرة في سلسلة اليسار الراديكالي المناهض لأميركا في أميركا اللاتينية".
إطار الاحتجاجات
بدورها كتبت صحيفة رسالت تعليقًا على الاحتجاجات الجارية في إيران، مؤكدة أن "الاحتجاج، كما هو حق، له قواعد أيضًا"، مشيرةً إلى أن أي تحرك "لا هدف له، ولا وقت له، ولا إطار له" يفقد صفة الاحتجاج ويتحول إلى "فوضى"، تصبّ في مصلحة "من لا يفهمون معاناة الشعب ولا يريدون خير هذا الوطن".
ولفتت الصحيفة إلى أن مواقف "ترامب وأتباعه" تكشف عن "حسابات دقيقة" بشأن توجيه الاحتجاجات وتغيير مسارها، موضحةً أن "الاستثمار" ليس في حل مشاكل الإيرانيين، بل في "التآكل الداخلي وإضعاف التماسك الوطني".
وشددت الصحيفة على ضرورة أن يكون للاحتجاج "هدف محدد"، وأن يكون واضحًا "ما يريده وإلى متى سيستمر"، مشيرةً إلى أنه "إذا سُمع الصوت، وسُجلت المطالب، ووُفِّيَ بالوعود"، فإن بقاء الناس في الشوارع بلا نهاية "ليس منطقيًا ولا عادلًا"، مؤكدةً أن "الشارع مكان للتعبير عن الاحتجاج، وليس بديلًا عن الحكم أو ساحة لتصفية حسابات لا تنتهي".
وفي السياق نفسه، حملت الصحيفة الحكومة "مسؤولية مزدوجة"، داعية إلى تحديد "وقت وإطار ومكان محددين للاحتجاج"، مؤكدة أن ذلك "ليس تقييدًا لحقوق الشعب، بل ضمانًا لها". واختتمت بأن "التعامل مع أي تواجد لا يتناسب مع هذا الإطار يجب أن يكون بنهج واضح وقانوني ورادع"، محذرة من أن "الغموض في هذه المرحلة أشد ضررًا على الشعب نفسه من أي شيء آخر".